“اغتصبونا بقناني القازوز”…
شهادات صادمة لنساء تعرضن لجرائم “النوع الاجتماعي” خلال الحرب الأهلية اللبنانية

يُشار إلى جرائم الحرب بقوة في القتل والإبادة، لكن المفارقة أن الاغتصاب دائماً يُذكر على استحياء، كسلاح أقل ضرراً يوجّه إلى النساء، هذا إذا ذُكر.

“كنّا 19 فتاة، أصغرنا بعمر 9 سنوات، وأكبرنا بعمر 15 سنة، عندما تعرّضنا للاغتصاب على أيدي عناصر إحدى ميليشيات الحرب الأهلية اللبنانية. اغتصبونا مداورة بكل الطرق والأشكال، وتوفّيت فتاتان بيننا. ما زلتُ أذكر أحد الجناة، وجهه محفورٌ في ذاكرتي هو الذي بات اليوم ضيف الشاشات التلفزيونية…”، تروي إحدى الناجيات تفاصيل حادثة اغتصابها أثناء الحرب الأهلية اللبنانية. أكثر من 40 عاماً مرّ على الجريمة، لكن ذكرى ذاك اليوم لا تزال تلاحق الناجية كشبحٍ يتعقّب طفلاً. 

“أجبرني المسؤولون على خلع حجابي ثم صعقوا حلمتيّ. لمسوا ثدييّ وأعضائي التناسلية. عندما كنت خلال الدورة الشهرية، ضربوني على بطني وقالوا لي إنهم لا يريدون لي أن أتكاثر…”، تقول ناجية أخرى.  

كان يمكن لشهادات الناجيات أن تُنسى تماماً كما طُويت صفحة الحرب الأهلية وجرائم مرتكبيها مع صدور قانون عفوٍ عام في العام 1991 بعد انتهاء الحرب، صفح عن مجرمي الحرب وأعطاهم حقاً شرعياً بتصدّر المشهد السياسي في لبنان على مدى 47 عاماً، إلا أن تقريراً أعدّته جمعية “الحركة القانونية العالمية – LAW” بعنوان “اغتصبونا بجميع الطرق الممكنة بطرقٍ لا يمكن تصوّرها: جرائم النوع الاجتماعي خلال الحرب الأهلية اللبنانية”، عرض الحقيقة المروّعة لجرائم قائمة على النوع الاجتماعي ارتُكبت ضد نساء وفتيات خلال الحرب الأهلية اللبنانية (1975 – 1990). 


يُورد التقرير تفاصيل التجارب المروّعة للعنف، بما في ذلك الاغتصاب الجماعي، والصعق بالكهرباء، والعري القسري، المستخدمة من قبل الميليشيات لاضطهاد نساء وفتيات بعضهن لا تتجاوز أعمارهن التاسعة. وعلى رغم مرور كل ذلك الوقت، إلا أن أغلب النساء اللواتي وُثّقت شهاداتهن لم يتحدثن أبداً عن تجاربهن من قبل، لأنهن “لم يُسألن أبداً”، وفق ما ورد في التقرير المنشور في صحيفة “الغارديان”. 

“اغتصبوهن بقناني القازوز” 

“كنت طفلة حينها، لكنني أذكر تفاصيل ذلك اليوم جيداً، سمعتُ من أُختي الكبرى أن ميليشيا الكتائب أوقفت فتيات على أحد الحواجز الأمنية وأجبرتهن على خلع ملابسهن والمشي عراة في الشارع، قبل أن تغتصبهّن بزجاجات الكوكاكولا… أذكر العبارة التي تردّدت على كل لسان في المنطقة آنذاك: اغتصبوهن بالقازوز”، تقول إيمان (اسم مستعار) لـ”درج”، وهي إحدى الشاهدات على جريمة اغتصاب عناصر من أحزاب سياسية لفتيات في منطقة عين الرمانة في بيروت.   

  

تقول إيمان إن الانتقال من منطقة إلى أخرى خلال فترة الحرب الأهلية كان رعباً حقيقياً لدى النساء، لا سيما مع نصب كل طرف سياسي حينها حواجز أمنية على خطوط التماس. تلك الحواجز شاهدة على جرائم عناصر الفصائل السياسية، الذين مُنحوا حصانة بعدما صدر قانون عفو عام في عام 1991، ما سمح بتطوّر ثقافة الإفلات من العقاب وغياب المساءلة. 

ما روته إيمان لـ”درج” يتقاطع في كثير من التفاصيل مع ما ورد في تقرير “الحركة القانونية العالمية”. خلُص التقرير إلى أنّ “العناصر الحكومية والمليشيات الموالية للدولة والمليشيات غير الموالية للدولة قد ارتكبت العنف الجنسي والعنف القائم على النوع الاجتماعي على نطاق واسع، بما في ذلك الاغتصاب والاغتصاب الجماعي والاغتصاب متعدّد الجناة، وتشويه الأعضاء التناسلية، والتعذيب، والإذلال الجنسي والإكراه على ممارسة الجنس، وقتل النساء والفتيات بعد اغتصابهنّ واختطافهنّ… في جرائم تُعتبر انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني”.  

التقرير ترافق مع جلسة روت فيها الناجيات قصصهن لأول مرّة على العلن، لكن المفارقة أن النساء تحدّثن عن تلك الجرائم وكأنها جراح لم تندمل: “لمسنا ذلك أثناء عملنا مع نساء عايشنا الحرب الأهلية، كثر يعتقدن أن الحرب لم تنتهِ بعد، لا سيما أن غياب المحاسبة يشعرهن بأن ما تعرضن له مرّ مرور الكرام”، تقول المسؤولة الميدانية في مشروع “بناء السلام والتعامل مع الماضي من منظور جندري” نتاليا حاوي لـ”درج”. 

في الملف الذي وثّقت من خلاله منظمة “كفى” ذاكرة الحرب الأهلية من زاوية نسوية، تبيّن أن النساء لعبن أدواراً إيجابية لم تُقدّر أبداً خلال الحرب، كما غيّرت في كثير من الأحيان مجرى التاريخ اللبناني من دون أي إشارة لنضالاتهن. هذا ما يُفسّر، وفق حاوي، اندثار وقائع الجرائم الجنسية التي تعرّضت لها نساء: “الاغتصاب أبشع جريمة قد تحصل في الحروب لأنها تنتهك أكثر مساحة خاصة، وهي الجسد… ذلك يترافق مع تدني القيمة الذاتية والشعور بالعار، وإذا لم يحصل الفرد على دعم مجتمعي، قد لا يتكلم عن تجربته أبداً، وحينها ستكون الجريمة طيّ النسيان”، تقول حاوي. 

الاغتصاب كجريمة “أقلّ ضرراً”

قصص الناجيات التي كُشفت أخيراً في لبنان ليست غريبة عن جرائم انتهكت أجساد نساء على مرّ سنين من الحروب.  

“نحن لا نقتل النساء بل نغتصبهن فقط”، قال أحد الجنود لماري ابنة قرية النوير التي فرت مع عائلتها في حزيران/ يونيو 2014 من الحرب الدائرة بين قبيلتها وقبيلة “الدينكا”، خلال تنافسهما على حكم جنوب السودان، إلى أميركا، وهناك روت قصتها لمجلة “تايم” لأول مرّة. 

الاغتصاب في الحروب قديم قدم الحروب ذاتها، لكن نادراً ما يُلقى عليه الضوء أو تخرج ناجية إلى العلن لتضع الجميع في مأزق أخلاقي، بين ما يصنفونه جريمة وما يمكن تناسيه وتجاهله للحفاظ على صورة المجتمع المحافظ. يُشار إلى جرائم الحرب بقوة في القتل والإبادة، لكن المفارقة أن الاغتصاب دائماً يُذكر على استحياء، كسلاح أقل ضرراً يوجّه إلى النساء، هذا إذا ذُكر.

تتعامل غالبية المجتمعات مع الاغتصاب على أنه عار يلصق بالضحية أكثر من الجاني، لذا تتجاهله وتغضّ الطرف عنه، وهو ما يجعل توثيق حالات الاغتصاب أثناء الحرب أمراً بالغ الصعوبة، إذ تأبى معظم الضحايا ذكر الواقعة.

يزداد الأمر تعقيداً في لبنان. إذ لم يعش اللبنانيون فترة انتقالية بين الحرب والسلم بسبب إقرار “العفو العام”، الذي صالح الضحايا مع جلّاديهم عمداً، وكرّس مبدأ تفشي الإفلات من العقاب، والذي ساهم بدوره في تطبيع العنف ضد النساء والفتيات. 

في تقرير أعدّته منظمة “العفو الدولية”، يُشار إلى أعمال السّلب والنهب التي كانت تميز الحروب والنزاعات في قرون سابقة استُبدلت بالاعتداء الجنسي واغتصاب النساء والاتجار بالبشر في الحروب الحديثة. مؤكّدةً أن “الاغتصاب أصبح إستراتيجية عسكرية متعمّدة تهدف لزعزعة استقرار المجتمعات وبث الرعب وفرض السيطرة في المناطق المتصارع عليها”.

قد يكون تقرير “جرائم النوع الاجتماعي خلال الحرب الأهلية اللبنانية” خطوة أولى لتغيير سرديّة الحرب التي روّجت لها السلطة على مرّ سنوات عبر إخفاء وقائع مرتبطة بالاعتداء على نساء، كما قد تكون مبادرة لمصالحة حقيقية لنساء مع ماضيهن، لكن الثابت الوحيد هو عزم السلطة على طمس الحقيقة، لأنها شريكة في ارتكاب هذه الجريمة. 

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
ليلى محمود
جميع الأهالي لا يملون من انتظار أبنائهم الغائبين، بينما تزداد أعداد المختفين قسراً يوماً بعد يوم.
Play Video
الشابة اللبنانية المسلمة فاطمة هاشم نمير التي تزوجت مدنيا شابا مسيحيا، والمحامية والحقوقية النسوية ليلى عواضة التي ساهمت خلال عملها بمنظمة كفى بصياغة قانون احوال شخصية مدنية، تناقشان موضوع الزواج المدني وصوغ قوانين أحوال شخصية مدنية لا دينية في لبنان، في هذه الحلقة من بودكاست “نون” بعنوان “زواج مدني؟ الويل والثبور”، مع ديانا مقلد.

42:09

Play Video
حلمي إني أدرس…”، مع انهيار قيمة الليرة اللبنانية وتأزّم الوضع الاقتصادي في لبنان، برزت قضية عمالة الأطفال، إذ أخرطت أُسر كثيرة أطفالها في سوق العمل لتأمين مدخول مادي إضافي. هنا قصة الطفل أحمد الذي كبر قبل أوانه…

1:59

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني