fbpx

الروائي التركي أورهان باموك يُحرَمْ من جائزة إرضاء لأردوغان

سُحب اسم باموك حين عُرض الأمر على مجلس البلدية .أما السبب في ذلك فقد أوضحه مدير الدار دامير اوزنزفيتش، لقد تدخل "حزب العمل الديموقراطي" وعدل الجائزة بسبب خشيته من إغضاب تركيا الأردوغانية، التي أصبح لها نفوذ قوي في البوسنة، بحكم العلاقة الشخصية بين أردوغان، وبكر عزت بيغوفيتش والمصالح المشتركة بينهما.

في كل عام يكشف الاحتفال بـ “يوم الاستقلال” في البوسنة (1 آذار/ مارس) عن المفارقة بين شطري البوسنة : جمهورية الصرب (49%) التي لا تأبه به، لأنها تعتبر وجودها في هذه الدولة بالإكراه الدولي، و فدرالية البشناق والكروات (51%) التي تحتفي كثيراً بهذا اليوم، وتوزع فيه الجوائز المختلفة لشخصيات بارزة من داخل البوسنة وخارجها .
هذه المرة كان العيد مختلفاً لما شابه من مفاجآت حول جائزة “المواطن الفخري لسراييفو”، التي تمنح عادة لشخصية أجنبية، عبّرت عن اهتمامها بسراييفو، أو قدّمت إسهاماً ما لهذه المدينة العريقة التي توصف بـ “القدس الأوروبية”.
عشية العيد الذي تُعلن فيه أسماء الفائزين بالجوائز، نشرت وسائل الإعلام رسالة قوية اللهجة، من مجموعة من الفائزين بجائزة نوبل للأدب، إلى الرئيس التركي رجب طيب اردوغان، تنتقد هدر حرية التعبير في تركيا في الفترة الأخيرة، مستشهدة بوقائع عديدة. وقد وقّع على هذه الرسالة الأدباء الذين فازوا بجائزة نوبل للأدب وجوائز أخرى من مختلف القارات والثقافات والأديان، مثل وول سونيكا (1986)  وفيديار نايبول (2001) وجون كوتزي (2003) وإلفرايده يلينيك (2004) وهيرتا مولر (2009) وماريو فارغاس لوسا (2010) وسفيتلانا ألكسيفيتش (2015) وكازو اشيغورو (2017) .
اللافت أن الكاتب التركي الوحيد الفائز بجائزة نوبل للأدب أورهان باموك، لم يكن بين الموقعين، رغم أنه من المعارضين المعروفين لسياسة أردوغان ومن المنددين بالجرائم التي ارتكبت بحق الأرمن والأكراد في تركيا. سرعان ما خطف باموك الأضواء، بعد أن أُعلن عن فوزه بجائزة “المواطن الفخري لسراييفو”، ومن ثم سحب هذه الجائزة منه بعد تدخلات سياسية سريعة.
وكانت دار النشر المعروفة “باي بوك” Bybook، قد رشحت الكاتب باموك لهذه الجائزة بمناسبة زيارته المرتقبة لسراييفو في ربيع هذا العام، وكذلك المدير السابق للفرقة الفيلوهارمونية أمير نوهانوفيتش، وهو الترشيح الذي صوّت عليه الأعضاء السبعة للجنة، التي تختار واحدا من المرشحين لهذه الجائزة . وما أن تسرّب الخبر، حتى مورست الضغوط من طرف الحزب الحاكم (حزب العمل الديموقراطي الذي أسسه الرئيس الأسبق علي عزت بيغوفيتش ويرأسه الآن ابنه بكر عزت بيغوفيتش عضو مجلس الرئاسة لجمهورية البوسنة)، ما دفع بأربعة من أعضاء اللجنة، إلى سحب أصواتهم التي منحوها للكاتب باموك، وبالتالي  سُحب اسم باموك حين عُرض الأمر على مجلس البلدية .أما السبب في ذلك فقد أوضحه مدير الدار دامير اوزنزفيتش، لقد تدخل “حزب العمل الديموقراطي” وعدل الجائزة بسبب خشيته من إغضاب تركيا الأردوغانية، التي أصبح لها نفوذ قوي في البوسنة، بحكم العلاقة الشخصية بين أردوغان، وبكر عزت بيغوفيتش والمصالح المشتركة بينهما.
ولأجل البحث عن مخرج، اقترح رئيس البلدية عبد الله سكاكا، أن تمنح هذه الجائزة للرئيس الكرواتي الأسبق ستيبه ميسيتش، ولكن هذا الاقتراح / القرار تسرب إلى وسائل الإعلام بسرعة ليحدث مشكلة أخرى، تمثلت في رفض الرئيس ميسيتش قبول هذه الجائزة المسحوبة من الكاتب أورهان باموك لـ “أسباب مبدئية”. فالرئيس ميسيتش، كان آخر رئيس ليوغسلافيا التيتوية (1991)، وهو يحظى بالاحترام في دول البلقان، لاعتداله وانفتاحه على شعوب المنطقة، وهو ما تمثل في رئاسته كرواتيا خلال ولايتين متتالتين (2000-2010). ومع تعلقه بسراييفو، فقد كان توريطه بهذا “لفيلم” كما سمّاه، إحراجاً كبيراً له وللجائزة وللمناسبة (يوم استقلال البوسنة) . وفي مقابلة له مع الجريدة البوسنية المعروفة “دنفني أفاز”، قال ميسيتش، إنه سمع في وسائل الإعلام عن فوزه بهذه الجائزة ، أي دون أن يتصل به مسبقاً أي طرف رسمي، وأنه عرف فوراً بملابسات هذا القرار المفاجىء (بعد سحب الجائزة من اورهان باموك الذي “يتمتع بشهرة عالمية”  كما قال)، ولذلك آثر الاعتذار لرئيس بلدية سراييفو عن قبوله لهذه الجائزة لـ “أسباب مبدئية” .
ومن الواضح هنا أن الأمر يتعلق بامتحان لنفوذ تركيا الأردوغانية في البوسنة، وهو نفوذ يتصاعد منذ  صيف ،2016 بعد فشل المحاولة الانقلابية في تركيا. فقد سعى أردوغان إلى استئصال المؤسسات التعليمية والثقافية والاعلامية في البوسنة، التي يعتقد بأن خصمه الداعية فتح الله غولن وراء تمويلها، وإلى إغراء بكر عزت بيغوفيتش بتوفير بدائل لها .
وفي هذا السياق حدثت فضيحة مماثلة لما حدث مع أورهان باموك في تشرين الأول/ اوكتوبر 2016، حين قررت بلدية سراييفو منح جائزتها السنوية (بوستر سراييفو)، للبروفسور التركي في جامعة “بوسنة سما”  في سراييفو . فبعد اسبوعين من الإعلان عن الجائزة، قامت بلدية سراييفو بسحب الجائزة منه مبررة ذلك بأن “مدينة سراييفو تحرص على العلاقات الودية مع مدن تركيا”.وقد أدى هذا القرار المفاجىء إلى توجيه مجموعة من الأكاديميين والمثقفين البوسنيين رسالة احتجاج قوية اللهجة، تنتقد قرار بلدية سراييفو، لمجرد اشتباه تركيا الأردوغانية بأن هذه الجامعة التي كانت تمتدح في سراييفو، لها صلة ما بالداعية غولن، كما تنتقد ما حلّ في تركيا من اعتقالات لأكاديميين بعد فشل محاولة الانقلاب في صيف 2016 بتهم شتى .
ويبدو أن نفوذ تركيا الأردوغانية المتزايد في البوسنة، الذي يرتبط بحزب العمل الديموقراطي وبرئيسه بكر عزت بيغوفيتش، قد أخذ بعداً عثمانياً أردوغانياً جديداً في تشرين الأول / اوكتوبر الماضي، عندما فاجأ أردوغان المشاركين في منتدى الحضارات العالمي في اسطنبول، بأن الرئيس الراحل علي عزت بيغوفيتش قال له قبل وفاته، “أنت حفيد السلطان محمد الفاتح وهذه البلاد أمانة في عنقك فحافظ عليها” !

[video_player link=””][/video_player]

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
حسين الوادعي – كاتب وحقوقي يمني
اشتباك العالم الإسلامي مع حرية التعبير طويل وشائك.ويبدو أن الحملة التي تتشكلُ حالياً تحت شعار “إلا رسول الله” هي إضافةٌ أخرى للاشتباك غير الضروري بين الإسلام وحرية التعبير.

3:36

3:36

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني