لا ملاذ آمن: إجبار لاجئين سوريين في لبنان على العودة قسراً

يبدو أن للآلام مدة صلاحية ترتبط بأهواء السياسيين، وهو أمر مخيبٌ. أن يرتبط مفهوم الإنسانية بالسياسة ويتحول إلى مجرد أداة، من جهة أخرى سياسات بلدين كسوريا ولبنان هي شديدة التشابه.

يواجه اللاجئون السوريون في أكثر من بلد وملاذ محاولات حثيثة للتخلص منهم وإرسالهم الى المجهول بذريعة توقف القتال وأن الوضع آمن. 

مع تطبيع عدد من الدول مع النظام السوري يبرز ملف اللاجئين السوريين المنتشرين في دول مثل تركيا والأردن ولبنان وآخرين بحثوا عن ملاجئ في دول ومهاجرى أخرى. 

ينسى أصحاب شعارات إعادة اللاجئين الى سوريا أن عدم الأمان لا يشمل الحرب العسكرية المباشرة فقط، إنما يتمثل في ممارسات منهجية للنظام السوري كمنظومة دكتاتورية وقمعية، تقصي الآخر وتتعامل معه على اعتباره إرهابياً لمجرد رفضه النظام.

من هنا تتسلل من حين لآخر أنباء لم تعد تثير الكثير من ردود الفعل، وآخرها ما أقدمت عليه بلدية لبنان.

فبحسب المركز اللبناني لحقوق الإنسان، أجبرت بلدية “الدكوانة” اللبنانية لاجئين سوريين على توقيع تعهدات تقضي بعودتهم إلى بلدهم، وقامت البلدية بعمليات مداهمة وتوقيف تعسفي للسوريين وعائلاتهم ومنهم مسجّلون لدى المفوضية السامية للاجئين التابعة للأمم المتحدة أو مقيمون على الأراضي اللبنانية ويعيش في نطاق البلدية. 

المركز نقل عن عدد من الذين طالتهم الاجراءات أنه تم توقيفهم في مخفر البلدية حيث صُودرت هوياتهم/نّ والإقامة وأي أوراق قانونية وثبوتية بحوزتهم/نّ وهُددوا بعدم ردّها في حال رفض التوقيع على التعهّد غير القانوني، وتعتبر التعهّدات التي أُجبر اللاجئون واللاجئات على توقيعها غير قانونية.

ملاحقات في الداخل والخارج

يواجه السوريون تضييقاً في جميع أنحاء العالم، وفي أحيان يجبرون على العودة إلى بلادهم أو وضعهم في المخيمات كتركيا والدنمارك وبريطانيا على الرغم من الخطر الذي قد يتعرضون له إذ عمد النظام بالفعل إلى اعتقال عدد مِمَن عادوا بمجرد دخولهم الحدود. 

يتحول اللاجئ عموماً والسوري خصوصاً إلى ورقة في لعبة سياسية تمارسها الدول بعيداً عن أي اعتبارات لحقوق الإنسان، إذ ينتظر السوري اليوم مصيره، دون حول ولا قوة، مصيرٌ مجهول، فقد يرسل إلى مخيمات الشمال السوري، أو يرحل من تركيا والدنمارك أو يرسل إلى رواندا، ينتظر السوريون قدرهم المرتبط بسياسة الدول لا بوجودهم الإنساني وبما يحلمون بعيشه. 

ما فعلته بلدية الدكوانة اللبنانية ممثلة برئيسها يخالف المادة 25 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان 1948 والذي وقّع عليه لبنان، والمتعلق بِمَن تعرضوا للتهجير إذ لكلِّ شخص حقٌّ في مستوى معيشة يكفي لضمان الصحة والرفاهة له ولأسرته، وخاصَّةً على صعيد المأكل والملبس والمسكن والعناية الطبيّة والخدمات الاجتماعيّة الضروريّة.

تتكرر الحوادث العنصرية  في لبنان ضد السوريين، إذ نسمع بشكل مستمر عن حظر تجول أو إصدار تعليمات غير قانونية بحقهم وقد يكون آخرها إصدار قرار بمنع تجولهم أثناء الانتخابات النيابية اللبنانية في إحدى البلدات اللبنانية. 

ما يحصل في الحقيقة للسوريين في لبنان ليس استثناء إذ تنتشر الحوادث العنصرية ضدهم في عدد من الدول الأخرى، يبدو أنه ومع الوقت حتى القضايا الإنسانية شديدة الحساسية تُنسى وتتحول إلى عبء ليحل محلها السخط والغضب على أناس لا ذنب لهم إلا أنهم لاجئون، فلا أحد يود أن يكون لاجئاً أو أن يعيش داخل خيمة أو بعيداً عن مسقط رأسه.

إقرأوا أيضاً:

قد يكون غضب العامة جراء التدهور الاقتصادي باعثاً للقلق على المستقبل ويضعف التعاطف مع اللاجئ في ظل الضغط الهائل الذي يعيشه المواطن اللبناني. لكن المشكلة تكمن في كيفية تصوير الطبقة السياسية للواقع عبر ترويج معلومات مغلوطة وأخبار كاذبة. تلجأ السلطة في لبنان الى التهرب من مسؤولياتها عن التدهور الذي أصاب البلد فتحاول أطراف أساسية بتوجيه اللوم نحو الفئة الأضعف وهم اللاجئون، فيصبح السوري هو من سرق لقمة اللبناني، وهكذا يغدو اللاجئ هو المجرم بينما ينجو المسؤولون عن نهب مصارف لبنان ووضع البلد وسط هذه الأزمة الخانقة. تدخّل جهات رسمية بهذه الطريقة ليس أمراً غير قانونياً وحسب بل هو دليل على محاولة التستر على أخطاء كبيرة ترتكبها الحكومات بحق شعوبها، إذ يحدث الأمر عينه في سوريا، فيدعي النظام أن أسباب التدهور الاقتصادي تعود إلى الحرب وعقوبات قانون قيصر، من جهة أخرى يتجاهل النظام عدم قيامه بأي خطوات جدية على الصعيد الاقتصادي أو السياسي للتعامل مع الأوضاع الراهنة، في وقت يتمكن من استيراد معدات ثقيلة وسيارات وأجهزة الكترونية والتي تصل فقط إلى دائرته أو حديثي النعمة في سوريا.

من السهل على هذه الدول أن تتعاطف في بداية الحرب مع السوريين أي منذ نحو 11 عاماً، لكن يبدو أن للآلام مدة صلاحية ترتبط بأهواء السياسيين، وهو أمر مخيبٌ. أن يرتبط مفهوم الإنسانية بالسياسة ويتحول إلى مجرد أداة، من جهة أخرى سياسات بلدين كسوريا ولبنان هي شديدة التشابه. 

تقوم السياسة في لبنان وسوريا على المراوغة وإقناع الناس بوجود خطر لا علاقة للحكومات به، والمتمثل في الآخر وهو أمر شديد الخبث، إذ يحول من العنصرية سلاحاً وأداة لتوجيه أنظار الناس نحو خطر غير حقيقي.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
ليلى محمود
جميع الأهالي لا يملون من انتظار أبنائهم الغائبين، بينما تزداد أعداد المختفين قسراً يوماً بعد يوم.
Play Video
الشابة اللبنانية المسلمة فاطمة هاشم نمير التي تزوجت مدنيا شابا مسيحيا، والمحامية والحقوقية النسوية ليلى عواضة التي ساهمت خلال عملها بمنظمة كفى بصياغة قانون احوال شخصية مدنية، تناقشان موضوع الزواج المدني وصوغ قوانين أحوال شخصية مدنية لا دينية في لبنان، في هذه الحلقة من بودكاست “نون” بعنوان “زواج مدني؟ الويل والثبور”، مع ديانا مقلد.

42:09

Play Video
حلمي إني أدرس…”، مع انهيار قيمة الليرة اللبنانية وتأزّم الوضع الاقتصادي في لبنان، برزت قضية عمالة الأطفال، إذ أخرطت أُسر كثيرة أطفالها في سوق العمل لتأمين مدخول مادي إضافي. هنا قصة الطفل أحمد الذي كبر قبل أوانه…

1:59

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني