الميليشيات العراقية لسعد لمجرّد:
“انت معلّم واحنا منّك نتعلّم”! 

على الغالب فإن سعد المجرّد راض بعنف المليشيات، لأنه لا يحقق العدالة، ولأنه يجعله هو نفسه ضحية للعنف في نظر كثيرين ممن يغمضون عيونهم عن ارتكاباته في حق نساء.

يغشّ الخبر من يقرأ عنوانه للوهلة الأولى: “إلغاء حفل سعد لمجرد في بغداد”. يوحي العنوان ان الخبر يتعلق بقضية اعتراض عراقيين وعراقيات على غناء لمجرد في بغداد بسبب قضايا الاغتصاب التي يلاحق فيها في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية. وان الجهود والضغوط السلمية أضطرت منظمي المهرجان الغنائي إلى إلغاء حفل المجرّد انصياعاً للحق، ومراعاة لمشاعر ضحاياه، وكموقف من أفعال التحرّش والاغتصاب المجرّمة في معظم القوانين العالمية. 

لكن قراءة تفاصيل الخبر تكشف عن معضلة: فالحفل ألغي نتيجة هجوم عنفي من مجموعة تنتمي إلى ميليشيات عراقية. وطبعاً ليس العنف وحده ما يجعلنا ننفر من سلوك الميليشيات، بل أيضاً اسبابها لإلغاء الحفل، والتي لا تتعلق لا من قريب ولا من بعيد بقضايا الاغتصاب الملتصقة باسم المجرّد، بل ان جمهور الميليشيات يتجاوز هذا السبب، الذي لا يبدو أنه حرّك فيهم أي اعتراض، ليذهب بعيداً في المنع، لأسباب محض دينية تتعلق بتحريم الغناء، ورفض إقامة الحفلات في العاصمة العراقية، التي تعمل الميليشيات، عبر المطاوعة و”النهي عن المنكر”، على تحويلها إلى مدينة خالية من الغناء والفرح والكحول والحريات العامة، ودفنها في حفرة الظلام، على غرار مدن كثيرة تسلّل إليها قطيع العتم الإيراني.

بيد ان المعضلة التي تضعها أمامنا القضية، تغري بالمقارنة بين أخلاق المجرّد وأخلاق الميليشيات، وكلاهما يتعامل مع ضحاياه بالاسلوب نفسه من الاحتقار. وإذا كانا يختلفان على قضية كالغناء، فإنهما يتفقان على الرجعية في مقاربة قضايا عميقة وحسّاسة، كقضية الاغتصاب أو قضية الحريات العامة. وتضيع بينهما خطوط الاختلاف، اذ يلتقي الضدّان على مواجهة “عدو” واحد: الحرية. 

الفيديو الذي نقلته وسائل الإعلام لهجوم همج الميليشيات على الحفل الغنائي لمنعه بالقوة، ربما يكون قد شفى غليل بعض الغاضبات والغاضبين من سعد المجرّد وأفعاله الإجرامية. لكن هنا يكمن الخطر: أن يصير فعل الميليشيات محموداً لأنه يستهدف بالبلطجة بلطجياً. وهذا أمر يدعو إلى القلق، فلا يجب تحت أيّ ظرف تبرير الوحشية في معرض الصراع مع الوحش. ولو ان معادلة “اللهم اضرب الظالمين بالظالمين وأخرجنا منهم سالمين” مغرية في هذا المضمار، إلا أنها غير مضمونة، فخلال صراع يستخدم فيه طرفاه العنف، لا يجب ان ننزلق إلى مفاضلة عنف على آخر. ولا أن نصف عنفاً منهما بـ”الجيد”(ولو بشكل ظرفي). فما ان ندّعي القدرة على تمييز عنف “حميد” من آخر “خبيث”، حتى يفلت منا الاستخدام الصحيح للكلمة، على ما يقول الفيلسوف الفرنسي اللاعنفي جان ماري مولر في ورقته التي قدّمها للاونيسكو في العام 2002، ونستسهل توظيف هذه المعايير ليبرر كل منّا ممارساته العنفية الخاصة. 

من هنا، ليس “حميداً” عنف الميليشيات العراقية ضد عنف “المغتصب” سعد المجرّد. كلا العنفين خبيث، والتبرؤ من العنف ممكن، حتى عندما تكون المواجهة المفروضة على الضحية تتطلب عنفاً، لكنه يندرج تحت غطاء الدفاع عن النفس وصدّ العدوان. وهو ما يصنفه سلافوي جيجك ضمن “قوة الحياة”، فيما العنف العدواني يصنّفه تحت مسمّى “قوة الموت”. فالعنف، في حالة صدّ العدوان، ليس عدواناً، بحسب جيجك، بل “فائضه الذي يفسد السير الطبيعي للأمور من خلال التمادي الدائم في طلب المزيد”. 

هنا يكمن سرّ الوصفة في حالة المجرّد وما تعرّض له من عنف الميليشيات. ليست تلك العدالة المنشودة. ضحايا المجرّد تردن له عقاباً مستنداً إلى القوانين وبعيداً من البلطجة، ولا يتجاوز بفائضه المفرط حدود العدالة، ولا يسحق في طريقه الحرية والموسيقى والغناء. على الغالب فإن سعد المجرّد راض بعنف المليشيات، لأنه لا يحقق العدالة، ولأنه يجعله هو نفسه ضحية للعنف في نظر كثيرين ممن يغمضون عيونهم عن ارتكاباته في حق نساء. 

هذه خدمة تبرّعت الميليشيات العراقية، من حيث تدري أو لا تدري، بتقديمها إلى المجرّد. فلكأنها، في خضمّ سعارها العنيف في مواجهة الفنّ والغناء والجمال، تهتف وسباباتها موجّهة إلى المغتصب: “انت معلّم وإحنا منّك نتعلّم!”. 

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
ليلى محمود
جميع الأهالي لا يملون من انتظار أبنائهم الغائبين، بينما تزداد أعداد المختفين قسراً يوماً بعد يوم.
Play Video
الشابة اللبنانية المسلمة فاطمة هاشم نمير التي تزوجت مدنيا شابا مسيحيا، والمحامية والحقوقية النسوية ليلى عواضة التي ساهمت خلال عملها بمنظمة كفى بصياغة قانون احوال شخصية مدنية، تناقشان موضوع الزواج المدني وصوغ قوانين أحوال شخصية مدنية لا دينية في لبنان، في هذه الحلقة من بودكاست “نون” بعنوان “زواج مدني؟ الويل والثبور”، مع ديانا مقلد.

42:09

Play Video
حلمي إني أدرس…”، مع انهيار قيمة الليرة اللبنانية وتأزّم الوضع الاقتصادي في لبنان، برزت قضية عمالة الأطفال، إذ أخرطت أُسر كثيرة أطفالها في سوق العمل لتأمين مدخول مادي إضافي. هنا قصة الطفل أحمد الذي كبر قبل أوانه…

1:59

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني