ترحيل قسري إلى منتصف المحرقة… قهر مستمر للعمال اليمنيين في السعودية

تتعامل السلطات السعودية مع العمالة اليمنية بحساسية مفرطة منذ بداية العام الحالي تحديداً، وأيّ خطأ مهما كان بسيطاً وأي مخالفة بقوانين الإقامة والتجديد، يعني الترحيلَ الفوري.

أصبح فكري عبدالرقيب عاطلاً من العمل، بعد ترحيله بشكل فجائي من السعودية حيث كان يعمل في مخبز في مدينة مكة.

ويروي فكري قصته لـ”خيوط”: “جاءت قوات سعودية إلى مكان عملي، وسألوني: أنت فكري؟ ثمّ عصبوا عيني، وتم اصطحابي إلى مركز شرطة قريب ولم يسمحوا لي برؤية محامٍ أو السؤال عن تهمتي، واتصلوا بكفيلي الذي حضر للتوقيع على أوراق ترحيلي، والذي لم يتم إلا بعد 7 أشهر أمضيتها في السجن”.

تستمر تداعيات تسريح العمال اليمنيين من السعودية وترحيلهم يوماً بعد يوم، وتتكاثر قصص قهر المغتربين ومعاناتهم مع الكفيل والإجراءات المتخذة بحقهم، إذ يؤدي تسريحهم بهذه الكثافة إلى فقدان الكثير من الأسر اليمنية مصدر دخلها الوحيد.

ويواجه كثر من المغتربين عمليات ترحيل قسري للزج بهم في منتصف المحرقة، ليعيشوا جوعاً وفقراً وانعداماً للخدمات وغلاء وتلاعباً بقوت اليمنيين، وتغيرات اجتماعية واسعة، إلى فقدن الأمان والتأثيرات الكارثية التي يتعرض لها الاقتصاد اليمني، في ظل صمت الحكومة المعترف بها دولياً، وتناول خجول للقضية في وسائل الإعلام الرسمية.

تسريح متواصل

تتحدث العنود صالح كيف تم إجبارها وعائلته على مغادرة السعودية، في أعقاب تسريح والدها من عمله في إحدى الشركات في الجنوب السعودي، واضطرارهم إلى العودة إلى اليمن في شباط/ فبراير الماضي.

توضح العنود أن عمها (شقيق والدها) سافر إلى دولة أوروبية قبل أربع سنوات فقط، وحاليّاً حصل اثنان من أطفاله على جنسية البلد ويعيشون في ظل قانون عادل يعاملهم معاملة جيدة، بينما هي من مواليد السعودية، وترعرعت وكبرت هناك لعشرين سنة، وعندما تم تسريح والدها عادوا جميعاً مجبرين إلى اليمن.

عائلات كثيرة عادت من السعودية بعدما فقد أربابها ومعيلوها أعمالهم بسبب امتهان الكفيل وزيادة الجبايات ورفع رسوم الإقامة، وما تمارسه السلطات هناك من تضييق على المغتربين وإجراءات تعسفية قاسية يتم تنفيذها في سوق العمل، بحجة توطين المهن والأعمال، إذ يعد المغترب اليمني أكبر المتضررين من هذه الإجراءات، وكأنها تنفذ لاستهدافه مباشرة. 

يقول فهد سلطان صحافي وناشط لـ”خيوط”، إن السلطات السعودية بدأت تنفيذ هذه الإجراءات عام 2017، وكما يبدو- وفق معلومات متداولة- فإنها تنوي تخفيض عدد اليمنيين فيها إلى 250 ألفاً فقط بحلول 2030، وتثبت الإجراءات المتخذة حاليّاً ضد المغتربين اليمنيين صحة ذلك. 

ويتعرض العاملون اليمنيون المتعاقدون في المحافظات الجنوبية المحاذية للحدود الشمالية لليمن لاستهداف متواصل منذ العام الماضي. ولم تصدر السعودية أي قرار رسمي واضح بالترحيل، بل تركت الأمر لمنصة “قوى” الإلكترونية التي تديرها وزارة الموارد البشرية السعودية، والتي أصدرت بياناً في يوليو/ تموز الماضي، بتعليمات تطالب الشركات بالحدّ من نسبة عمالها من الجاليات الخارجية، بما في ذلك نسبة 25 في المئة كحد أقصى للجالية اليمنية، في مشروع سمّته “توطين العمل”.

يتعجب فهد سلطان من تعامل السعودية مع اليمنيين على أراضيها، لافتاً إلى أن الدول المجاورة لمناطق الصراع تتحمل مسؤولية أخلاقية في استقبال نازحين فارّين من الموت، وتقيم مخيمات لجوء، وتسمح للمنظمات الدولية بالعمل على أراضيها، وتقدم للاجئين منحاً مالية ومساعدات مختلفة؛ بينما تعمل السعودية خلاف ذلك، ولم تمنح اليمني أيّ ميزة تذكر، بل يعمل هناك بفيزا يتم شراؤها بآلاف الريالات السعودية.

كما يدفع المغترب تجديداً دائماً للإقامة وبنظام الكفالة غير العادل، في حين يعتمد اليمنيون هناك على أنفسهم بالكامل، ولا تقدم لهم أي تسهيلات، إضافة إلى أنهم فئة منتجة في المجتمع السعودي، وساهمت كثيراً في الإعمار والتنمية، وتتم مجازاتهم بالنكران، ناهيك بكونها أحد أهم أطراف النزاع في اليمن.

تغير كبير في التعامل

تتعامل السلطات السعودية مع العمالة اليمنية بحساسية مفرطة منذ بداية العام الحالي تحديداً، وأيّ خطأ مهما كان بسيطاً وأي مخالفة بقوانين الإقامة والتجديد، يعني الترحيلَ الفوري، على عكس ما كان سابقاً، بحسب مغتربين. 

يؤكد أكاديمي يمني، كان يعمل في جامعة في إحدى المناطق جنوب السعودية، لـ”خيوط”، أن الجهة التي يعمل فيها أخطرته أنها لن تجدد عقد عمله، في إشارة للاستغناء عنه.

من جانبه، يقول محمد عمر (اسم مستعار)، عامل مغترب في جنوب السعودية، إن الكفيل أخبره بضرورة نقل عمله إلى إحدى المناطق شمال المملكة في غضون أشهر، وإذا لم يستطع إيجاد عمل هناك فسيقدم عنه الكفيل بلاغ هروب، وعندها إن أمسكت به السلطات فسيتم ترحيله على الفور بلا مستحقات أو حقوق نهاية خدمة، مشيراً إلى أنه يعمل جاهداً على نقل العمل إلى منطقة غير الجنوب، وإذا لم ينجح فسيعود إلى اليمن. 

وتعيش عشرات الآلاف من الأسر اليمنية في الداخل على تحويلات ذويهم المغتربين في الخارج، والتي تحتضن السعودية النسبة الأكبر منهم، كما تساهم في رفد الاقتصاد اليمني في ظل تعطل موارد كثيرة كانت ترفد الموازنة العامة للدولة.

تعيش عشرات الآلاف من الأسر اليمنية في الداخل على تحويلات ذويهم المغتربين في الخارج، والتي تحتضن السعودية النسبة الأكبر منهم، كما تساهم في رفد الاقتصاد اليمني في ظل تعطل موارد كثيرة كانت ترفد الموازنة العامة للدولة.

يؤكد وفيق صالح، باحث اقتصادي، أن التحويلات المالية للمغتربين تمثل وتد الخيمة بالنسبة إلى اقتصاد اليمن، وتشكّل عاملاً نسبيّاً في التوازن بين العملة اليمنية والعملات الأجنبية. وبحسب وزارة التخطيط والتعاون الدولي في اليمن، فقد شكّلت التحويلات المالية لليمنيين المغتربين في السعودية ما نسبته 61 في المئة من إجمالي تحويلات الخارج عام 2018.

ويضيف أن العودة تعني رفع معدلات البطالة، وزيادة الضغوط على الاقتصاد اليمني المنهار أصلاً، في ظل استمرار الحرب بين الأطراف المتنازعة. 

وتعلن السعودية، على الدوام، تقديم منح مالية لليمن، كما تعلن عن دعم مشاريع، وخصوصاً في الجنوب اليمني. وتحاول دوماً في المحافل الدولية والمؤتمرات العالمية إظهار حجم الدعم، وتسعى للحصول على صورة جيدة في المجتمع الدولي، لكن هذه الإجراءات تزجّ بآلاف اليمنيين في الجحيم ولهب الحرب المشتعلة، بحسب حقوقيين.

وكان الاتحاد العام للجاليات اليمنية في 23 آب/ أغسطس الماضي، قد استنكر ما تقوم به السلطات السعودية تجاه اليمنيين، في جنوب المملكة. 

بدورها، انتقدت منظمة “هيومن رايتس ووتش” الحقوقية، الإجراءات السعودية، وقالت: “إن العمّال اليمنيون معرضون لخطر الإعادة القسرية الجماعية”.

علماً أن السعودية لم توقّع أي اتفاقيات تخص حقوق العمال والمهاجرين، بما في ذلك الاتفاقية الدولية لحماية حقوق جميع العمال المهاجرين وأفراد أسرهم 1990، والاتفاقية الخاصة بوضع اللاجئين 1951. 

ويوضح المحامي أنس أبو هادي لـ”خيوط”، أن معاناة المغتربين اليمنيين في السعودية قضية مهمة تجب إثارتها وتحويلها إلى قضية رأي عام، وتكثيف الدعوات للأمم المتحدة والمبعوث الأممي الجديد لليمن، للنظر إلى معاناة المغترب اليمني هناك. 

ويوضح، أن الترحيل هناك له قوانين سيادية تخص السلطات التنفيذية تستقي موادها من ولي العهد، وفقاً لما يخدم مشاريعه واستراتيجياته، ولا تتدخل السلطة القضائية في ذلك. منوّهاً إلى أن قرارات الترحيل شأن داخلي ويخضع فيها المغترب اليمني لقوانين الدولة التي يعمل فيها، لكن بالنسبة إلى السعودية فهناك اتفاقيات مبرمة بين الطرفين من ضمنها اتفاقية الطائف 1934 واتفاقية جدة 2000، والتي تنصّ على تسهيلات خاصة بالأيدي العاملة.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
ليلى محمود
جميع الأهالي لا يملون من انتظار أبنائهم الغائبين، بينما تزداد أعداد المختفين قسراً يوماً بعد يوم.
Play Video
الشابة اللبنانية المسلمة فاطمة هاشم نمير التي تزوجت مدنيا شابا مسيحيا، والمحامية والحقوقية النسوية ليلى عواضة التي ساهمت خلال عملها بمنظمة كفى بصياغة قانون احوال شخصية مدنية، تناقشان موضوع الزواج المدني وصوغ قوانين أحوال شخصية مدنية لا دينية في لبنان، في هذه الحلقة من بودكاست “نون” بعنوان “زواج مدني؟ الويل والثبور”، مع ديانا مقلد.

42:09

Play Video
حلمي إني أدرس…”، مع انهيار قيمة الليرة اللبنانية وتأزّم الوضع الاقتصادي في لبنان، برزت قضية عمالة الأطفال، إذ أخرطت أُسر كثيرة أطفالها في سوق العمل لتأمين مدخول مادي إضافي. هنا قصة الطفل أحمد الذي كبر قبل أوانه…

1:59

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني