اللجوءُ الأوكراني  من منظور ِلبنانيٍّ عايشَ اللجوءَ السوري

آلية التدخل هنا مختلفة عن تلك المعتمدة في باقي الازمات وليس السبب أن هذه المنظمات تفرق بين لاجئ ابيض مع عيون ملونة وآخر أسمر او عربي  بل لأن الأزمة تحصل في بلاد مجهزة ومحضرة لجميع انواع الكوارث وتعرف جيدا كيفية إدارة الأزمات. يظهر ذلك جليّا اذا ما قارنّا بين كيفية تعامل لبنان او الأردن مع أزمة النزوح السوري وكيف تدير الدول الأوروبية أزمة النزوح الأوكراني.

“كل حقول القمح، كل السجونِ، كل القبور البيض، كل الحدودِ، كل المناديل التي لوَحتْ ،كل العيونِ كانت معي”.

لا أدري إن كان محمود درويش يعرف عندما كتب هذه الابيات انها تنطبق على كل اللاجئين في العالم في كل زمان ومكان. 

أنظر في عيون اللاجئين الأوكرانيين، أمهات وأطفال، واتخيّلهم يردّدنوها. أرددها في رأسي واتخيّل حقول القمح التي تركوها خلفهم. اتخيّل الحدود التي عبروها واتخيّل لحظات الوداع التي عاشوها. يأتون بالمئات إلى المركز حيث أعمل في وارسو- بولندا، وهو مركز استقبال اللاجئين أنشئ على عجل بالقرب من محطة للقطارات يستقبل يوميا مئات العائلات الهاربة من جحيم الحرب. اغلب القادمين هم نساء واطفال وعجزة او اشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصة، نادراً ما نرى شبابا بين القادمين وذلك لانخراطهم في الحرب ضمن وحدات الدفاع. 

بالرغم من ضخامة المركز والأعداد الكبيرة من اللاجئين والموظفين والمتطوعين الموجودين داخله لكن الهدوء مخيف، تكاد لا تصدق ان مئات الاشخاص موجودين في الداخل، كأنّهم أناس بلا أصوات، أقول لنفسي إنهم ربما تركوا أصواتهم في قراهم ومدنهم، داخل جدران منازلهم لعلها تبقي شيئا من ذاكرتهم هناك. حتى وجود الأطفال في المساحات المخصصة لهم وبالرغم من وجود عدد كبير منهم  تراهم يلعبون بصمت. الصوت الوحيد الذي يكسر صمت هذا المكان هو صوت عجلات حقائب السفر على الاسفلت الذي ينذرنا بقدوم أحدهم، وكلما ارتفع هذا الصوت استطعنا تقدير حجم الوافدين إلى المركز. 

هذا كلّ ما يأتون به: حقيبة سفر تتكدس فيها الثياب وبعض الحاجيات الاساسية التي تساعدهم على تحمّل البرد والصقيع والرحلة الطويلة. اختلس النظر أحيانا عندما تفتح حقيبة، اتخايل رؤية ألبومات صور وذكريات وضّبوها معهم على عجل عندما دفعتهم الظروف إلى المغادرة. لا شيء من ذلك. تركوا خلفهم كل شيء، هذا الأمر تلاحظه على وجوه شاحبة، صفراء، سارحة، لا تنطق حرفاً، رؤوس مرخيّة الى الوراء وتنهدات. حتى الأطفال تراهم يتمسكون بامهاتهم رافضين حتى اللعب في الزاوية المخصصة لهم والتي من المفترض أن تكون مغرية لهم. حتى الطفل الذي يقتنع باللعب تراه يرافق أمه بعينيه أو يرفع رأسه كل ثانية ليتأكد أنها لا تزال موجودة. 

اوّل شيء يسألون عنه لحظة وصولهم هو الانترنت، يريدون التواصل مع عائلاتهم لطمأنتهم و ليسمعوا عن أحوال من تركوهم خلفهم. مع انني لا افهم اللغة الاوكرانية ولكنني اتخايل محور الحديث الذي غالبا ما يترافق مع بكاء وتوتر. تراهم يمسكون بهواتفهم ويستمعون الى موسيقى او اناشيد، يبدو واضحاً من لحنها أنها اغاني وطنية وحماسية تبعث فيهم الكثير من الذكريات. أخبرتني المرأة الأوكرانية التي تعمل في المطبخ المخصص لإطعام النازحين انّ ولديها الاثنين بقيا في اوكرانيا وانضمّا الى وحدات الدفاع. تريني احدث صورة أرسلاها لها، مددّجين بالسلاح مع إبتسامة كبيرة تعلو وجهيهما وإشارة النصر تنظر الى الصورة وتقول لي انهم مجانين وسعداء، تعاود النظر مرة اخرى إلى الصورة وتمرّر اصابعها ببطء على وجهيهما وتنسحب بسرعة ربما لكي لا أرى دموعها.

أقارن تلك الصوّر مع ما أشاهده هنا من استماتة المنظمات الدولية والجمعيات المحلية بالاضافة إلى الحكومات المحليّة لتأمين خدمات لائقة تحفظ كرامة النازحين. فتحت لهم المنازل، فعليا وليس وفق البروباغندا اللبنانية التي روّجت أن العائلات اللبنانية استقبلت النازحين في منازلها. 

 في الحديث بين بعضهم يخبرونني أن السلطات الاوكرانية طلبت منهم حمل حقيبة واحدة وذلك لإفساح المجال أمام عدد أكبر من الهاربين في القطارات ووسائل النقل بالإضافة الى سهولة التنقل بحقيبة واحدة خصوصا انه في اغلب الاحيان الرحلة ليست سهلة، فهم يضطرون إلى المشي ساعات طويلة بسبب قصف القوات الروسية للجسور والطرقات وسكك الحديد بالاضافة الى خطورة المرور في بعض المناطق فيضطرون إلى سلوك الغابات أو الالتفاف حول المدن ليتمكنوا من الوصول الى الحدود الآمنة. 

أخبرتني سيدة كانت برفقة ولدين وقطة أن رحلتها استغرقت 14 يوما من قريتها الواقعة قرب ماريوبول الى الحدود البولندية. اضطرت إلى السفر ليلاً وببطء شديد مخافة تعرضهم للقصف او الحجز من قبل ميليشيات موالية لروسيا. سبب آخر يدفعهم إلى السفر مع حقيبة واحدة هو اقتناعهم أن هذه الحرب ستكون سريعة وستنتهي مأساتهم قريبا وسيعودون الى بلادهم، هذا السبب هو الذي يدفع أغلبهم إلى البقاء في البلدان المجاورة لأوكرانيا كبولندا او رومانيا ورفض العروضات الكثيرة والتسهيلات التي تأتيهم للذهاب الى اسبانيا او فرنسا او فنلندا والكثير من الدول الأوروبية التي تعمل جاهدة على استقطابهم وتوزيعهم بعدل على الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي كيّ لا تتحمل دولة واحدة عبء النزوح. 

الاغلبية تريد البقاء بالقرب من أوكرانيا ليتسنى لها العودة السريعة وهذا الأمر تترجمه أرقام العائدين فمنذ أكثر من شهر انخفض عدد الوافدين بشكل كبير مع ارتفاع ملحوظ في أعداد العائدين إلى أوكرانيا الى مناطق تعتبر الى حد الآن امنة نسبيا ليرتفع عدد النازحين داخليا لحوالي  7 مليون  بالاضافة الى 6.5 مليون نزحوا الى دول الجوار حيث استقبلت بولونيا حوالي  3.7 مليون تليها رومانيا بحوالي مليون ونصف وهذه الأرقام بحسب مكتب التنسيق التابع للأمم المتحدة.

عقبات أخرى يواجهها زملاء في الفريق والذين يدخلون إلى أوكرانيا بشكل دوري لإجلاء المرضى او المصابين بامراض مزمنة وحتى بعض مصابي الحرب فبالاضافة الى المخاطر المرتبطة بالحرب والقصف هناك صعوبة في إقناع البعض بالمغادرة. يخافون إن غادروا أن لا يستطيعوا العودة ويأملون انه في القريب ستنتهي الحرب. إحدى السيدات التي استغرقت عملية نقلها حوالي يومين بسبب صعوبة الوصول الى قريتها وبالرغم من إصابتها بالسرطان وحاجتها الى استكمال العلاج المفقود في أوكرانيا بسبب الحرب كانت ترفض المغادرة قائلة إن الحرب ستنتهي وإنها تريد الموت في قريتها وعلى سريرها. 

لاقت ازمة النزوح الأوكراني تعاطفا دوليا ومجتمعياً كبيرا اكثر من ايّ ازمة نزوح أخرى. تصلنا يوميا كميات كبيرة من المساعدات العينية من كل الدول، احيانا البعض يقود سيارته لأيام لإيصال شحنة من المساعدات. مثلاً مجموعة من البريطانيين اطلقوا حملة مساعدات لاوكرانيا وفي غضون أيام استطاعوا ملأ شاحنة قادوها من بريطانيا إلى وارسو لايصال المساعدات الى من هم بحاجة. مئات المتطوعين يوميا يأتون من مختلف دول العالم للمساعدة، اطباء، معالجون نفسيون، أشخاص بمجرد أن بدأت الحرب وجدوا أنفسهم على الحدود يعرضون أي مساعدة ممكنة. الأوروبيون الذين اعتادوا التعامل مع هذه الأزمات خارج حدودهم، يتعاملون معها اليوم في باحتهم الخلفية، ويكادون لا يصدقون انها تحصل. واغلب العاملين في المنظمات الدولية الذين يمتلكون الخبرة في التعامل مع هذا النوع من الأزمات في أفريقيا وفي الدول العربية لا ينفكون يرددون ان هذه الازمة شكلت لهم صدمة. آلية التدخل هنا مختلفة عن تلك المعتمدة في باقي الازمات وليس السبب أن هذه المنظمات تفرق بين لاجئ ابيض مع عيون ملونة وآخر أسمر او عربي  بل لأن الأزمة تحصل في بلاد مجهزة ومحضرة لجميع انواع الكوارث وتعرف جيدا كيفية إدارة الأزمات. يظهر ذلك جليّا اذا ما قارنّا بين كيفية تعامل لبنان او الأردن مع أزمة النزوح السوري وكيف تدير الدول الأوروبية أزمة النزوح الأوكراني.

اتذكّر الفوضى التي خلفتها موجات النزوح السوري الى قرى عكار والظروف اللاإنسانية التي عاناها هؤلاء لإيجاد مأوى أو اضطرارهم الى السكن داخل خيّم او مستودعات لا تصلح للعيش وصوّر الأطفال الحفاة في مخيمات البقاع التي تحولت إلى مستنقعات بسبب الأمطار والثلوج. 

أقارن تلك الصوّر مع ما أشاهده هنا من استماتة المنظمات الدولية والجمعيات المحلية بالاضافة إلى الحكومات المحليّة لتأمين خدمات لائقة تحفظ كرامة النازحين. فتحت لهم المنازل، فعليا وليس وفق البروباغندا اللبنانية التي روّجت أن العائلات اللبنانية استقبلت النازحين في منازلها. 

هنا العائلات الاوكرانية تعيش جنباً الى جنب مع العائلات البولندية. يتقاسمون معهم المنامة والمأكل والمشرب، يستعملون المواصلات العامة بالمجّان، أطفالهم التحقوا بالمدارس مع الاطفال البولنديين. 

لحسن حظ الاوكران أن البولنديين لا يخافون من التغيير الديموغرافي، كما هي الحال مع بعض اللبنانيين، مع أن لنازح اورثوذوكسي والبيئة المستقبلة كاثوليكية، على سبيل المزاح!

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
ليلى محمود
جميع الأهالي لا يملون من انتظار أبنائهم الغائبين، بينما تزداد أعداد المختفين قسراً يوماً بعد يوم.
Play Video
الشابة اللبنانية المسلمة فاطمة هاشم نمير التي تزوجت مدنيا شابا مسيحيا، والمحامية والحقوقية النسوية ليلى عواضة التي ساهمت خلال عملها بمنظمة كفى بصياغة قانون احوال شخصية مدنية، تناقشان موضوع الزواج المدني وصوغ قوانين أحوال شخصية مدنية لا دينية في لبنان، في هذه الحلقة من بودكاست “نون” بعنوان “زواج مدني؟ الويل والثبور”، مع ديانا مقلد.

42:09

Play Video
حلمي إني أدرس…”، مع انهيار قيمة الليرة اللبنانية وتأزّم الوضع الاقتصادي في لبنان، برزت قضية عمالة الأطفال، إذ أخرطت أُسر كثيرة أطفالها في سوق العمل لتأمين مدخول مادي إضافي. هنا قصة الطفل أحمد الذي كبر قبل أوانه…

1:59

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني