ابنتي لا تُشبهني!

ابنتي لم تشبهني في شيء. لماذا لا تحب المدرسة؟ لماذا لا تبرع في الرياضيات؟ لماذا تغير صديقاتها طوال الوقت؟ لماذا تسمّي معطف الفراء الذي أريد أن أورثها إياه بكل فخر "الحيوان المقتول"؟ لم لا تقلدني؟ ماذا تريد هذه الطفلة؟ ولم تتغلّب على إرادتي دون أي مجهود؟

آمنت بها ولم تؤمن بي، حتى الآن.

حلمت بهذه الطفلة كثيراً. شكّلتها في عقلي آلاف المرات قبل أن ترى النور. فكرت بكل تفاصيلها وكنت أحصي أصابع قدميها قبل أن أنام. طبختُ أحلامي ومستقبلها ببهارات استقدمتها من بلاد لم يطأها أحد. ثم ألغيت كل خططي بمجرّد قدومها. فرضتْ علي نزواتها من الصرخة الأولى. وبدأت قصة حياتي تأخذ منحى جديداً. 

في المدرسة شكت المدرسات من أنها تثرثر كثيراً. لم أكن أصدق ذلك لأنها في البيت لا تكلمني أبداً. ربما كانت تقلّد صمتي؟ تمنيت ذلك فأنا قليلة الكلام.

دافعت عنها وعن مواقفها دون أن أتحقّق من عدالتها. جعلت من شعورها بالرضا والسعادة هدفي في الحياة. كنت أشكل منها “أنا” جديدة، “أنا” شابة وخالية من عيوبي.

لكن ابنتي لم تشبهني في شيء. لماذا لا تحب المدرسة؟ لماذا لا تبرع في الرياضيات؟  لماذا لا تحب رائحة الكتب المدرسية؟ لماذا تغير صديقاتها طوال الوقت؟ لماذا لا تحب خواتمي وأساوري؟ لماذا تسمّي معطف الفراء الذي أريد أن أورثها إياه بكل فخر “الحيوان المقتول”؟ لماذا لا تحب رائحة الكزبرة مع الثوم في طبخات الصيف؟ 

لم لا تقلدني؟ ماذا تريد هذه الطفلة؟ ولم تتغلّب على إرادتي دون أي مجهود؟

في دمشق، حيث رأيتُ النور، هناك سلسلة من البنات والأمهات والجدات تمتد إلى آلاف السنين. سلسلة تفخر بأنها تكرّر نفسها في كل جيل. تكرّر الأخلاق و الطاعات، تكرّر المطبخ و”الكبب والمحاشي”، ولا تريد أن تضيف أي شي على أي شيء. مقتنعة بأن كل شيء كامل بأصله. وكل إضافة تنتقص منه ولا تضيف إليه. وكنا لا نعترض على أي تفصيل.  هذا هو التراث الذي ثارت عليه ابنتي ورفضته بكل إصرار وقناعة.

لقد اختارت طريق التحرّر من بداية وعيها. 

بدأت تتعثّر في تقاطعاتها الشاقّة مرة تلو الأخرى. حاولت أن أمنعها بشتى الطرق لكنها غلبتني. فاخترت أن أبقى وراءها مراقبة قلقة لانطلاقتها المثيرة والمرعبة. أحمل أسلحتي وأنتظر أن تطلب المساعدة. علّمتني أن أشجّع خياراتها دون اعتراض. علّمتني كيف أبقى دوماً بحالة ترقب واستعداد لأن مفاجآتها لم تكن تنتهي. وهيامي بشخصيتها لم يعد يعرف حدوداً.

لقد علّمتني أن الطريق الذي تشقّه هو طريق النساء الوحيد نحو الكرامة وأنني برغم تضحية السنين الطويلة ما زال أمامي مهمات يجب أن أنجزها لا تتلخص في إنشاء أسرة تقليدية سعيدة.

وبدأت أفكر في تقصيري وجبني. وبدأت أرتّب أولوياتي من جديد. ولم تعد الحياة قدراً، صارت الحياة تحديّاً أواجهه كل صباح بخطّة جديدة.

والآن عندما أقرأ  أشعارها ، بلغة لا أتقنها تماماً، أشعر بأنها تكتب كلماتي. وعندما نلتقي ونتكلم بهذه الحماسة عن نص قرأناه أو فيلم شاهدناه، أتيقن أننا متماثلتان إلى حد التطابق . وعندما تهاجمها الدموع لأسباب سخيفة أنظر إلى وجهها وكأنني أرى مرآتي. وعندما تقودنا أقدامنا إلى مكتبة، أي مكتبة، ونضيع بين رفوف الكتب ونبدأ بحساب ميزانيتنا المتواضعة ونعيد بعض ما جمعناه ونتبادل نظرات حزينة، أعرف أننا رفيقات درب ومصير . 

 لكنني وأنا أدور في هذه الحلقة المفرغة ما زلت أحلم بابنة مطيعة كنتها لأمي في يوم من الأيام. وأحلم بأحفاد يشبهونني أعلمهم السباحة على الشاطئ في الإجازات الصيفية وأحضّر لهم أطباقاً تقليدية وقد أضيف عليها الكزبرة مع الثوم وقد يحبونها. 

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
ليلى محمود
جميع الأهالي لا يملون من انتظار أبنائهم الغائبين، بينما تزداد أعداد المختفين قسراً يوماً بعد يوم.
Play Video
الشابة اللبنانية المسلمة فاطمة هاشم نمير التي تزوجت مدنيا شابا مسيحيا، والمحامية والحقوقية النسوية ليلى عواضة التي ساهمت خلال عملها بمنظمة كفى بصياغة قانون احوال شخصية مدنية، تناقشان موضوع الزواج المدني وصوغ قوانين أحوال شخصية مدنية لا دينية في لبنان، في هذه الحلقة من بودكاست “نون” بعنوان “زواج مدني؟ الويل والثبور”، مع ديانا مقلد.

42:09

Play Video
حلمي إني أدرس…”، مع انهيار قيمة الليرة اللبنانية وتأزّم الوضع الاقتصادي في لبنان، برزت قضية عمالة الأطفال، إذ أخرطت أُسر كثيرة أطفالها في سوق العمل لتأمين مدخول مادي إضافي. هنا قصة الطفل أحمد الذي كبر قبل أوانه…

1:59

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني