الميليشيات تحاصر “شبكة الإعلام العراقي”:
هل تُعتقل مع سرمد الطائي؟ 

يونيو 3, 2022
سرمد الطائي لم يأت بكلام جديد، وكل ما ذكره يتفق عليه- ويعرفه- جميع العراقيين، ويتداولونه حتى في جلسات الشاي عند انقطاع الكهرباء. 

كان الشارع المؤدي إلى “شبكة الإعلام العراقي”، شبيهاً بجبهة محاطة بالجنود وأسلحتهم ومدرعاتهم المهيئة للتصادم، نتيجة تلقّي برنامج “الحياد” الذي يُعرض على قناة العراقية الاخبارية ويقدّمه الإعلامي العراقي سعدون محسن هجوماً وتهديداً شرسين، من قبل “ميليشيات الحشد الشعبي”، الموالية لإيران. 

التهديد جاء على خلفية استضافة الاعلامي سرمد الطائي، الذي عرض رأيه السياسي، وقال كلاماً يعتبره أنصار إيران في العراق “محرّماً”، عن أن العراق أكبر وأهم من المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي وقائد فيلق القدس السابق قاسم سليماني (قتل في غارة أميركية على مطار بغداد)، الذي وصفه سرمد بـ”القاتل”، متهماً رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان بانحيازه إلى إيران في القرارات المصيرية للبلاد. بالطبع، لا يمر رأي جريء كهذا مرور الكرام في زمن الميليشيات، خصوصاً أنه قيل على هواء القناة العراقية الرسمية. وهذا أمر يعني تمتّع هذه القناة بشيء من الحرية بعيداً من السطوة الإيرانية، وهو ما أثار جنون أنصار إيران في العراق بعد المقابلة. 

القناة العراقية الرسمية تأسست بعد حل قنوات صدام حسين عام 2003، وأصبحت الاولى التي يشاهدها الشعب العراقي في مرحلة ما بعد الديكتاتور. ميزانيتها من خزينة الدولة، كأي مؤسسة دولة اخرى، وبرغم أن القانون الخاص الذي تم تشريعه مع انطلاقها عام 2003، يشترط ألا تكون تحت اي سلطة او تقييد، إلا أن الاحزاب التي سيطرت على الأرض وظفت اتباعها، وجعلت من القناة “مزماراً” يعزف لأفعى الطائفية والخراب في العراق على مدار سنوات طويلة، ما جعلها قناة منبوذة ومكروهة جداً بين معظم العراقيين. 


التهديد من حصة الجميع 

منذ عرض حلقة “المحايد” مع سرمد الطائي، وكادر البرنامج بأكمله يواجه سيلاً من التهديدات والترهيب، “لا نخشى أفعالهم بنا، اضطررنا إلى المبيت خارج منازلنا، ليس خوفاً منهم، بل حرصاً على عائلاتنا” يبين أحد العاملين في البرنامج، ويشير إلى أن الكثير من الارقام والحسابات الوهمية بدأت فعلياً بالتهديد باقتحام مبنى القناة، وردّ الاعتبار لقاسم سليماني. 

وبدلاً من التعامل مع التهديد الميليشياوي الذي يواجهه كل من الطائي وضمد وكادر البرنامج وشبكة الإعلام بأكملها، فإن رئيس المحكمة الاتحادية فائق زيدان، الذي يستحوذ على المنصب منذ عام 2017، وجّه بكتاب رسمي، “اساءة” معنونة لشبكة الإعلام العراقي ورئيسها الإعلامي نبيل جاسم، مفتتحاً خطابه بتشديده على الإيمان بحرية الإعلام، منهياً جملته باتهام البرنامج بإشاعة الأكاذيب والفوضى في المجتمع، فقط لأن سرمد الطائي اتهمه بطاعة إيران، وتقرّر إيقاف البرنامج وصدور مذكرة إلقاء قبض بحق الضيف الذي كان أصلاً يتحدث عبر “سكايب”. 

من المفارقات أن محكمة النشر أصدرت قراراً عام 2015، ينصّ على عدم ‎ مسؤولية الإعلاميين عما يرد على ألسنة ضيوفهم. وقال قاضي المحكمة محمد حبيب الموسوي وقتها إن “المحكمة أصدرت قراراً بأن مقدم البرامج التلفزيونية أو المراسل غير مسؤول عمّا يرد على لسان ضيوفه وإن كان يتضمن قذف او سب وشتم”. وأضاف الموسوي أن “مهمة الإعلامي تفرض عليه نقل ما يرد على لسان الآخرين وبالتالي لا تمكن مساءلته قانوناً”، لافتاً إلى أن “القرار تم تصديقه من محكمة الجنايات بصفتها التمييزية”. ومع ذلك تلاحق القناة والبرنامج بسبب كلام صادر عن أحد الضيوف. 

حزب الدعوة الإعلامي؟

أحد العاملين في برنامج “الحياد” يؤكد لـ”درج” أن قناة العراقية كانت وعلى مدار 17 سنة، ناقلاً حصرياً لأخبار السياسيين و”حزب الدعوة” الحاكم تحديداً، ذلك بسبب سياسة المحاصصة التي تفرض توزيع وتقسيم الوزارات العراقية، مثل كعكة، على حجم المقاعد النيابية والنفوذ السياسي: 

“سيطر حزب الدعوة على رئاسة الوزراء لعقد ونيف من تاريخ العراق، وهذا جعلهم يستحوذون على شبكة الاعلام العراقي، لانها الرسمية، والأكثر متابعة، ولها ميزانية ضخمة، والاهم، للسيطرة على الاعلام وجعله تحت رحمة ميولهم”. 

يكشف الموظف أن جميع رؤساء الشبكة السابقين، كانوا تابعين لـ”حزب الدعوة”، فتحولت الى منصة محلية، تعيش تأخراً اعلامياً، وفجوة كبيرة بين المشاهدين وموظفي القناة “الذين لا حول لهم ولا قوة”.  

من البدهي، يتابع الزميل، “أن يكره الشعب ولسنوات طويلة قناتنا، فمن سيحترم قناة تعرض افلام الكارتون في وقت التظاهر وقمع المتظاهرين على مدار سنوات، على الرغم من تقديمنا أكثر من 70 عاملاً فيها سقطوا في المعارك طوال هذه المدة؟”.

بعد الدعوة… الأمل؟

وبعد مجيء، نبيل جاسم، الإعلامي المستقل، وغير التابع لأي جهة سياسية بعد تسلم مصطفى الكاظمي كرسي رئاسة الوزراء، أضفى حضوره شيئاً من التفاؤل، وحاولت المؤسسة بشكل تدريجي وبطء واضح تغيير سياستها ونظامها، لتغدو اكثر قرباً من الشعب ومعاناته. 

يعلّل بعض العاملين في الشبكة التغير البطيء، بتراكم المشكلات التي تركها عصر “حزب الدعوة” في القناة، لكنهم يعيشون اليوم صدمة، بسبب إيقاف برنامج “الحياد”، ويخشون عودة نهج الدكتاتورية الإعلامية. وكالعادة فإن أول ما يتم التفريط به ككبش فداء، هو مقدم البرنامج. فلم يخرج من مجلس الأمناء البالغ عددهم ستة اشخاص أي موقف مساند لزميلهم، حتى رئيس شبكة الاعلام نبيل جاسم على رغم معرفته، أن التهديد يستهدفه هو أيضاً، بعدما لاحظت الميليشيات تغيراً في أداء المحطة لجهة غياب المقدسات التي كانت تفرضها الميليشيات بقوة السلاح والمال. 

سرمد الطائي لم يأت بكلام جديد، وكل ما ذكره يتفق عليه- ويعرفه- جميع العراقيين، ويتداولونه حتى في جلسات الشاي عند انقطاع الكهرباء. 

وصمد، مقدّم البرنامج، لا يقاطع ولا يكمم الافواه وهذا أسلوبه المعروف في برنامجه، على عكس فترات سابقة كان حتى العاملون في المحطة يتعرضون للقمع، وكانت عقوبة الفصل جاهزة لكل من يؤيد التظاهرات في عامي 2011/ 2015 ولو من خلال منشور على مواقع التواصل الاجتماعي:  “تم إجبار العاملين على إخراج البرامج السطحية عند اتعس اللحظات المصيرية في العراق ما سبب وبشكل مستمر هجوماً من المواطنين، كما أن بعض رؤساء الشبكة كانوا يمنعون دخول أشخاص محددين، معارضين للمالكي مثلاً، إلى استوديوهات القنوات، والإدلاء بآرائهم، حتى إن إياد علاوي بنفسه، مُنع من الظهور على شاشة العراقية في عهد المالكي”، بحسب أحد العاملين في القناة.

يؤكد هذا الزميل، الذي يطلب بحرص ألا نكشف عن هويته، أن بقاء الموظفين أمر مسلم به، فهم لطالما، تذمروا، وكرهوا حياتهم داخل هذه المؤسسة التي لم تكن ديموقراطية ولا تمثل الصحافة مطلقاً وكانوا يخشون لسنوات من إظهار شعار قناتهم بين الناس، بخاصة في فترة الحرب الطائفية، واستمر اخفاؤهم هويتهم بسبب المواقف المحرجة التي قد يتعرضون لها، فهم يعيشون تحت ضغط نفسي موجع بين نارين، ولا يحبون فكرة نسبهم -بالغصب- إلى الحكومة: “الحكومة هي التي هيمنت على العراقية، وجلبت مديرين كثر بالواسطة، لكن يبقى البقاء في القناة الحكومية اسهل من العمل تحت رحمة القنوات الخاصة، كالعمل مع المالكي في قناة آفاق او تحت جناح سلطة خميس الخنجر في قناتي دجلة و يو تي في، او مع حنان الفتلاوي في السومرية؟ ام مع محطة العهد التابعة لقيس الخزعلي، أو قناة الفرات التابعة لعمار الحكيم… القائمة طويلة، بالتأكيد سنفضل العمل في مؤسسة دولة قابلة للتغيير على العمل المباشر مع قتلة”. 

عودة الضغوط على العاملين في الشبكة 

موظفة أخرى في القناة، طلبت أيضاً إخفاء هويتها، تعمل محررة في إحدى قنوات شبكة الإعلام، تظهر خيبتها من قرار إيقاف البرنامج، مؤكدة أنها “خطوة نحو الوراء وانصياع وخضوع جديد لسلطة السلاح المنفلت”. 

عام 2019، وقبيل استقالة عادل عبد المهدي، تتذكّر الزميلة كيف واجهت مع رفاقها القمع والضغط: “وصل الأمر إلى أن يتشاجر زملاؤنا مع مديريهم من أجل الخروج والتظاهر، حتى إن بعضهم فرض وقتاً للدخول والخروج من مكاتب العمل، لضمان عدم تظاهرنا، وصدر كتاب بمعاقبة كل من يتظاهر أثناء دوام العمل الرسمي، وخصموا من رواتبنا”. 

“شبكة الإعلام العراقي”، تضم اكثر من خمس قنوات رسمية، ومنها “العراقية”، و”العراقية الإخبارية”، وعدد من الإذاعات وابرزها “إذاعة جمهورية العراق”، وهي الأقدم في الشرق الأوسط، وصحيفة “الصباح”، ومجلة “الشبكة العراقية”، وقد انضم إلى عائلة الشبكة متحف الإعلام العراقي. 

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
كارمن كريم – صحفية سورية
يبدو أن الدول التي دعمت المعارضة بشكل صريح وجدت نفسها أمام حقيقة لم تحسب لها حساب: بقي الأسد في الحكم، وبعد 11 عاماً، لا بدّ من مراجعة الكثير من الحسابات على الساحة السياسية ووضع الجانب الإنساني للأزمة السورية جانباً.
Play Video
“فلقة” جديدة يتلقّاها أطفال سوريين في بلدة غزة البقاعية في لبنان. نشر الصحافي هادي الأمين فيديو يُظهر تعنيف شاويش لأطفال سوريين لأنهم “يقصّرون في عملهم”. وفي كل مخيم للاجئين في لبنان، يتعيّن شاويش سوري ليكون بمثابة مسؤول عن هؤلاء الأطفال. في وقتٍ يتعرض فيه هؤلاء الأطفال لانتهاكات عدة من تسرب تعليمي وعمالة مبكرة و تعنيف لفظي وجسدي، يأتي هذا الفيديو ليؤكّد ذلك. حيث ترتفع وتيرة خطاب رسمي وإعلامي تمييزي تجاه السوريين في لبنان الذين تتراكم حولهم معلومات مغلوطة. فيما هناك حوالى 30 ألف طفل لاجئ يعمل في مهن قاسية الأطفال اللاجئين الذين أقحموا في سوق العمل خصوصاً الزراعة. وبعد انتشار الفيديو ألقت القوى الأمنية، بإشارة من مدعي عام البقاع القاضي منيف بركات، القبض على الشاويش وأحالته إلى القضاء المختص.

1:23

Play Video
يرصد هذا التحقيق أبرز التعقيدات التي ترافق دفن اللاجئين السوريين في دول الجوار، بدايةً من تعثّر الحصول على قبر لاستقبال الرفات، مروراً باستحالة إعادة الرفات إلى سوريا، وليس نهايةً بظروف الدفن غير الطبيعية، في غياب أفراد من الأسرة أو بعيداً منهم، أو في مقابر “طوارئ” مشيّدة على وجه الأرض، أو في مقابر على سفوح الجبال أو ضمن أراضٍ طينية.

1:56

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني