طالبو اللجوء الإريتريون بين رحى القاهرة وأسمرة…
عشرات تم ترحيلهم واختفوا بلا أثر

يونيو 3, 2022
يحتجز طالبو اللجوء قبل ترحيلهم من مصر في مراكز شرطة ومراكز احتجاز مزدحمة لفترات تتراوح بين بضعة أشهر وسنوات، حرموا فيها من الحصول على ما يكفي من الغذاء والمياه والصرف الصحي والرعاية الطبية، بحسب الأمم المتحدة. 

أدان تقرير حديث للأمم المتحدة، إعادة السلطات المصرية طالبي اللجوء الإريتريين قسراً إلى إريتريا، حيث تم احتجازهم، في ظروف شملت التعذيب وسوء المعاملة والاختفاء القسري والاتجار بالبشر والاحتجاز التعسفي. رحّلت السلطات المصرية ما لا يقل عن 68 مواطناً إريترياً بينهم أطفال، انقطعت أخبار كثيرين منهم ولم يُعرف مصيرهم، ويُعتقد أنهم محتجزون في سجون انفرادية بحسب ما ذكر التقرير.

علي عبدالرحمن، رئيس “لجنة اللاجئين الاريتريين في مصر”، أكد لـ”درج”، أن السلطات المصرية قامت بترحيل 8 طالبي لجوء إريتريين جدد في 26 أيار/ مايو 2022، وذلك بعد أسابيع قليلة من صدور بيان أممي يدين قيام مصر بترحيل العشرات إلى العاصمة الإريترية أسمرة. 
جميع طالبي اللجوء الإريتريين الذين تم ترحيلهم قسراً من القاهرة إلى العاصمة الإريترية أسمرة، منذ بدء عمليات الترحيل وحتى الآن، لم تصل إلى عائلاتهم أي معلومات عنهم منذ لحظة وصولهم، ومصيرهم هو الاحتجاز في السجون، كما أوضح عبد الرحمن.

نور خليل، الباحث المتخصص في شؤون وسياسات الهجرة واللجوء، قال لـ”درج”، إنه تم توثيق 5 عمليات ترحيل قسرية بحق طالبي اللجوء الإريتريين، وذلك بعد احتجازهم في مراكز شرطة في أوضاع سيئة ودون غذاء كاف او رعاية طبية مناسبة، وإن بعض المحبوسات كن حوامل، وفقدت إحداهن طفلتها بسبب سوء الرعاية وسوء ظروف الاحتجاز، وإن عملية الترحيل الأخيرة هي السادسة. 

ورحلت السلطات المصرية منذ تشرين الأول/  أكتوبر 2021، وحتى آذار/ مارس ما لا يقل عن 68 إريترياً، بينهم رضع وأطفال ونساء، وذلك دون تقييم مخاطر انتهاكات حقوق الإنسان التي قد يواجهونها عند عودتهم إلى إريتريا، ودون تمكينهم من تقديم طلبات اللجوء، ويشير نور، إلى أن عدد المرحلين قد يكون أكبر، وأن ذلك العدد هو ما تم توثيقه، في ظل نقص المعلومات والتعتيم الذي تفرضه الحكومتان المصرية والإريترية بشأن أعداد المرحلين ومصيرهم.

واحدة من العائلات التي تم توثيق ترحيلها كانت تضم جداً وجدة وأبناء وأحفاداً، وتم احتجازهم جميعاً في قسم شرطة القصير في محافظة البحر الأحمر، منذ عام 2019، وحتى ترحيلهم في تشرين الأول/ أكتوبر 2021، وهم كالمرحلين الآخرين غير معلوم مصيرهم حتى الآن.

أدان تقرير حديث للأمم المتحدة، إعادة السلطات المصرية طالبي اللجوء الإريتريين قسراً إلى إريتريا، حيث تم احتجازهم، في ظروف شملت التعذيب وسوء المعاملة والاختفاء القسري والاتجار بالبشر والاحتجاز التعسفي.

لماذا يفر الإريتريون من بلادهم ولماذا ترحلهم مصر؟ 

تفرض الحكومة القمعية في إريتريا، على جميع المواطنين الذين تقل أعمارهم عن 50 عاماً الخدمة الوطنية أو العسكرية إلى أجل غير مسمى، وغالباً ما تمتد لسنوات بعد الـ18 شهراً المحددة بالقانون، بحسبهيومن رايتس ووتش”.

وأشارت المنظمة، في تقرير انتقد سياسات مصر بشأن إعادة طالبي لجوء إريتريين معرضين للخطر قسراً، إلى أن التجنيد في إريتريا، ينطوي على انتهاكات لأجل غير مسمى ويبدأ في المدرسة الثانوية، حيث يُجنَّد كل عام آلاف طلاب المدارس الثانوية الإريترية، منهم فتيات وفتيان دون الثامنة عشرة.

وتعتبر إريتريا، أي شخص في سن التجنيد يغادر البلاد دون تصريح خروج فارّاً، ويكون معرضاً للسجن في ظروف غير إنسانية في كثير من الأحيان، فضلاً عن العمل القسري والتعذيب. 

لا أسباب واضحة لتوجه الحكومة المصرية، لمخالفة التزاماتها الدولية وترحيل اللاجئين الاريتريين، ومخالفة التزامات رئيسها المعلنة حول كون الهجرة أحد حقوق الإنسان، ولكن الباحث نور خليل، يرى أن السبب قد يكون اتفاق غير معلن بين الحكومتين المصرية والإريترية. 

وأضاف نور، أن الهدف أيضاً قد يكون ترهيب طالبي اللجوء وقمع موجات النزوح المحتملة من إريتريا، بخاصة مع اشتعال الصراع في إقليم تيجراي، وفي معسكرات اللجوء في السودان، مؤكداً أن السبب غير معلن أو محدد بخاصة أن مصر لا ترد على تقارير الأمم المتحدة في ذلك الشأن. 

بينما يرى علي عبدالرحمن، رئيس “لجنة اللاجئين الاريتريين في مصر”، أن صعوبة إجراءات اللجوء، وغياب دور المحامين في مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في متابعة حالات طالبي اللجوء الإريتريين من بين أسباب استمرار عمليات الترحيل، برغم مطالبة الأمم المتحدة للسلطات المصرية بوقف عمليات ترحيل طالبي اللجوء الإريتريين نظراً إلى خطورة الأوضاع في إريتريا وتعرض المرحلين لمصير مجهول.

بين يوم وليلة… ترحيل 31 معظمهم رضع ونساء

 أحد أعضاء الفريق الإعلامي لمنصة اللاجئين في مصر، قال لـ”درج”، إن طالبي اللجوء الذين تم ترحيلهم محتجزون بمعزل عن العالم وتعرضوا لانتهاكات بعد إعادتهم، وعلى رغم مطالبة المنصة الحكومة الإريترية، بالكشف عن مصير اللاجئين الذين تم ترحيلهم منذ وصولهم أسمرة، إلا أنه لا رد حتى الآن.

وطلب عضو منصة اللاجئين، الاحتفاظ بسرية معلوماته، خشية تعرضه للخطر، مشيراً إلى أن أعضاء المنصة ونشطاءها في مجال دعم اللاجئين وتوثيق الانتهاكات بحقهم، وبينهم الإريتريون يتلقون تهديدات من السلطات المصرية، بسبب نشر تقارير وبيانات تندد بعمليات الإعادة القسرية للاجئين الإريتريين. 

ومن بين عمليات الترحيل التي وثقتها المنصة، عمليتا الترحيل، في 16 و17 آذار إذ رحّلت السلطات المصرية 31 طالب لجوء، بينهم نساء وأطفال ورضع بعضهم من الأسرة ذاتها، وقد تم نقلهم من المطار بمعرفة أجهزة الأمن الإريترية إلى مكان غير معلوم، ولا تستطيع عائلاتهم معرفة مصيرهم حتى الآن. 

5 سيدات و6 أطفال حديثي الولادة إلى فتاتين تحت السابعة عشرة، كانوا بين المجموعة الأولى التي تم ترحيلها في 16 آذار، والتي ضمت 24 طالب لجوء، وتقول منصة اللاجئين، إن هذا ما استطاعت توثيقه في ظل التعتيم وحجب المعلومات الذي تفرضه السلطات المصرية. 

كان من بين السيدات المرحلات قسرا سيدة بكماء لا تستطيع التحدث أو السمع، وقد تم ترحيلها مع زوجها وطفليهما، ولكنها تركت هنا طفلة أخرى لم ترها حية، إذ كانت السيدة حاملاً وقت احتجازها بقسم شرطة دراو، في محافظة أسوان، وذلك حتى موعد ولادتها إذ جرى نقلها  إلى مستشفى، في حالة صحية سيئة للغاية. 

بعد الولادة أخبرها الحراس أن ابنتها تعاني من مشكلات صحية وسوف تبقى في وحدة الرعاية الخاصة بحديثي الولادة (الحضانة)، لم تتمكن السيدة من رؤية الطفلة وأعيدت إلى مقر الاحتجاز مرة أخرى، وبعد يومين تم إبلاغها بوفاة طفلتها، ولم تستطع السيدة التعرف إلى جثمان الصغيرة كما طلب منها الضباط، وأخبرتهم أنها منعت من رؤيتها بعد الولادة، ليتم دفنها لاحقاً. 

لم تكتف السلطات المصرية، بما فعلته بحق 24 طالب لجوء تركوا للمجهول أو ما هو أسوأ، فقامت مساء اليوم التالي 17 آذار بترحيل سبعة آخرين، بينهم خمسة فتيات ومراهقان.

وطالبت المنصة، السلطات المصرية، بوقف الاعتقال التعسفي والترحيل القسري الممنهج لطالبي اللجوء الإريتريين إلى بلد يخشى فيه على حياتهم، معتبرة أن الاختيار بين قبول الترحيل أو الاحتجاز المطول دون مبرر قانوني ثم الترحيل القسري يمثل انتهاكاً للمعاهدات والمواثيق التي وقعتها مصر وصدقت عليها ومخالفة للدستور والقوانين المصرية. 

إقرأوا أيضاً:

“اسمهم ضيوف”!

“مش بنسميهم عندنا  لاجئين  اسمهم  ضيوف… معندناش معسكرات لاجئين في مصر وبيتعلموا في مدارسنا وبنوفرلهم اللقاحات”… كان ذلك جانباً من  كلمة الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، في قمة “فيشجراد” في المجر، والذي يفاخر دوماً وخصوصاً في المناسبات الدولية باستضافة مصر 6 ملايين لاجئ من دول أفريقية تعاني من عدم الاستقرار. 

قبل شهر تقريباً من ترحيل المجموعة السادسة من طالبي اللجوء الإريتريين، دعت نيفين الحسيني، نائبة مساعد وزير الخارجية لشؤون الهجرة واللاجئين ومكافحة الاتجار بالبشر، إلى زيادة الدعم الدولي للحكومة المصرية فى ضوء استضافتها لأعداد كبيرة من اللاجئين، وأن يتم توجيه الدعم للمؤسسات الحكومية التى تقوم بتوفير الخدمات الأساسية للاجئين بخاصة في مجالي التعليم والصحة بما يخدم مجتمعات اللاجئين والمجتمعات المصرية المضيفة.

وتضفي مفاخرة السيسي، وإعلانه الترحاب باللاجئين، ومطالبة حكومته بزيادة الدعم الدولي المرتبط باستضافة اللاجئين، مزيداً من الغموض والتساؤلات عن سبب ضيق السلطات المصرية من بضع عشرات من طالبي اللجوء الإريتريين الذين يمثل ترحيلهم القسري جريمة دولية ويعرض حياتهم للخطر. 

ويقدر خبراء الأمم المتحدة، عدد الإريتريين المحتجزين في مصر حالياً بـ70 إلى 200 إريتري، من بينهم أطفال، ويواجهون جميعاً خطر الترحيل. 

 الأمم المتحدة، أدانت عمليات الطرد الجماعي الأخيرة والمستمرة لطالبي اللجوء الإريتريين في مصر، معتبرة أنها تمثل سياسة طرد تعسفي وجماعي للإريتريين، وحذرت السلطات المصرية من أن عمليات الترحيل تنتهك التزامات مصر الدولية، وأن عليها الوقف الفوري لأي عمليات إعادة قسرية أخرى.

يحتجز طالبو اللجوء قبل ترحيلهم من مصر في مراكز شرطة ومراكز احتجاز مزدحمة لفترات تتراوح بين بضعة أشهر وسنوات، حرموا فيها من الحصول على ما يكفي من الغذاء والمياه والصرف الصحي والرعاية الطبية، بحسب الأمم المتحدة. 

ولم يبلغ اللاجئون الذين تم احتجازهم أبداً بما إذا كانوا قد اتُهموا بارتكاب جرائم جنائية، وحُرموا من الاتصال بمحامين أو من الوصول إلى المفوضية العليا لشؤون اللاجئين أو اتخاذ أي إجراءات رسمية أخرى للجوء. 

وبرغم الانتقادات الدولية والأممية، وتصريحات الرئيس المصري المفاخرة باستقبال اللاجئين كضيوف، وإلقاء عشرات من طالبي اللجوء في السجون وتعريض حياتهم للخطر، فإن 8 من طالبي اللجوء انضموا للقائمة التي تتسع الآن لـ76 طالب لجوء عرضتهم السلطات المصرية لخطر جسيم مخالفةً التزاماتها وتعهداتها الدولية. 

يقدر خبراء الأمم المتحدة، عدد الإريتريين المحتجزين في مصر حالياً بـ70 إلى 200 إريتري، من بينهم أطفال، ويواجهون جميعاً خطر الترحيل. 

جرائم دولية

 نور خليل، الباحث بشؤون وسياسات الهجرة واللجوء، يرى أن معظم عمليات احتجاز طالبي اللجوء غير قانونية، إذ تتم في أقسام الشرطة ومعسكرات الأمن المركزي، ولا يتم إبلاغهم بالاتهامات الموجهة إليهم، كما لا يسمح لهم بالتواصل مع محامين، أو التواصل مع مفوضية اللاجئين، أو تمكينهم من إجراءات اللجوء، وإجبارهم على التوقيع على أوراق لا يعرفون محتواها. 

تمثل تلك الممارسات انتهاكاً صريحاً لالتزامات مصر الدولية، والقانون الدولي، والاتفاقيات الدولية التي تخص عدم معاقبة طالبي اللجوء ومنع ترحيلهم، كما أن الدستور المصري يحظر ترحيل طالبي اللجوء.

 تضارب تشريعي يتسبب في الإضرار بطالبي اللجوء، نبه له نور، فبينما يرفع قانون رقم 82 لسنة 2016 عن طالبي اللجوء المسؤولية الجنائية ويعتبرهم ضحايا، يتسبب قرار رئيس الجمهورية رقم 444 لسنة 2014، والخاص بتوسيع نطاق المناطق العسكرية في تعريص طالبي اللجوء للمسؤولية القانونية لوجودهم داخل أماكن محظورة، وتتم إحالتهم للمحاكمة العسكرية. 

“الإجراءات بحق طالبي اللجوء الإريتريين تمثل جرائم دولية” هذا ما يؤكده الباحث بشؤون وسياسات الهجرة واللجوء، مطالباً بالتوقف الفوري عن ترحيل طالبي اللجوء والإفراج عن المحتجزين، وتمكينهم من إجراءات التماس اللجوء، وتمكين المنظمات الدولية من التواصل معهم، والتحقيق في عمليات الترحيل السابقة، وتدخل البرلمان تشريعياً لحل التناقض القانوني بين القرار 444 والقانون 82 والاتفاقيات الدولية. 

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
جمانة عماد – صحافية فلسطينية
“كان كل شيء في حياتي، ولكن خليل رحل عني إلى الأبد، وسوف أعيش بدون ضحكاته التي ألفتها طوال 19 عاماً، وسوف أتناول طعام الإفطار لوحدي، ولن أجد من يواسيني، ويحضنني عندما أكون حزينة كما كان يفعل”.
Play Video
“كأنه ابني مبارح مات…”، نكأت ذكرى انفجار مرفأ بيروت جرح أهالي ضحاياه. لكن المشهد الأبرز في الرابع من آب كان انقسام أهالي الضحايا إلى أكثر من 3 مسيرات، إذ كانوا ضحية مساعي السلطة لتسييس ملف الجريمة.

1:36

Play Video
“القوى المُعادية للتحقيق تتعمّد استخدام أساليب مختلفة لعرقلة التحقيقات وتأخيرها، من التذرّع بالحصانات وصولاً إلى دعاوى الردّ…”، 7 أشهر على تجميد التحقيق في جريمة انفجار مرفأ بيروت، ولا تزال القوى السياسية تتعمّد تعطيل التحقيقات وتأخيرها بهدف منع المحاسبة. ما جديد التحقيق في انفجار 4 آب؟

2:52

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني