لغز علي البخيتي:
كيف خرج حوثي منشقّ و”ملحد” شاكس تركي آل الشيخ من السعودية بـ”سلام”؟

صحيح أن ما يحصل بالسعودية من انفتاح اجتماعي غير مسبوق في تاريخ البلد لكنه مرهون بمزاج وإرادة شخص، ويمكن أن يرتد أي سوء تصرف أو تعليق خصوصاً في السياسة وبالاً على الشعب السعودي برمّته.

لغط كثير أحيط بالزيارة الطويلة للسياسي اليمني والمتحدث السابق باسم جماعة الحوثي أو “أنصار الله” علي البخيتي قبل أن ينشق عنها، ويطلب اللجوء السياسي في بريطانيا. 

والبخيتي شخصية حاضرة بقوة في المجال العام وله تعليقات وآراء جدلية عبر صفحاته على السوشيال ميديا حيث يتجاوز عدد متابعيه على تويتر مليون متابع. خلال إقامته في السعودية شارك البخيتي بشكل جريء في آراء تتعلق بالشأن السعودي المحلّي برزت من خلال انتقاده لـ”معالي” المستشار تركي ال الشيخ، رئيس الهيئة العامة للترفيه، الرجل النافذ الذي لا تجرؤ شخصيات سعودية على انتقاده، كونه أحد الأذرع المقربة من ولي العهد محمد بن سلمان. 

بل إن البخيتي خاض سجالات حول مجاهرته بإلحاده علناً مع الأمير محمد بن مساعد الذي دعا إلى طرده من السعودية. 

لكن في المقابل يحرص البخيتي على التوازن من خلال تكرار مديحه لمواقف ولي العهد السعودي ورؤيته للسعودية ورغم أنه ينتقد بعض المقربين منه لكنه لا يشمل بانتقاداته بن سلمان بل يقصرها على بعض الوجوه الرسمية المعروفة.

علي البخيتي

البخيتي غادر السعودية قبل أيام وثبت مغادرته عبر فيديو بثه على صفحته على “تويتر”. وهذه المغادرة أتت بعد جدل كبير بسبب تصريحاته بأنه لاديني يعيش في بلد يلقب ملكها بـ”خادم الحرمين الشريفين”، وزار مكة التي يُمنع دخولها على غير المسلمين للقاء الشيخ أحمد بن قاسم الغامدي المدير السابق لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في منطقة مكة وهو شخصية إشكالية كونه يعتبر منفتحاً مقارنة بغيره من الشخصيات الدينية السعودية. 

تعرض البخيتي إلى هجوم لاذع إعلامياً من قبل مسؤولين سعوديين، دعا بعضهم إلى اعتقاله وطرده، لتنتهي الرحلة بمغادرة البخيتي وسط مخاوف وقلق محبيه واسرته من تعرضه للاعتقال، وفقا لمقطع نشره من المطار اثناء مغادرته ليطمئن الجميع قائلا: “السعودية لا تعتقل ضيوفها”! وبالرغم من ذلك فإن ابتعاد او إبعاد البخيتي من السعودية  لم يكن سوى حدث جغرافي، اذ لا يزال اسمه يتصدّر النقاشات في الساحة السعودية. لماذا يا تُرى؟ 

 لكل حادثة جديدة مثيرة للجدل في السعودية، خلفية أسباب وانعكاسات مستقبلية، ففي دولة الرجل الواحد لا يمكن للأمور أن لا تكون مفتعلة. 

حادثة الفتاتين السعوديتين “المؤثرتين” اللتين ظهرتا في فيديو من المالديف تتعاليان فيه على سكان البلاد بكونهما سعوديتين، ثم أعلنت القنوات التلفزيونية المحلية السعودية تغريمهما مبلغ ٤٠٠ ألف ريال سعودي، ليست حادثة عابرة. ولا يمكن لي أن أصدق انها حادثة عفوية لا في بدايتها ولا حتى في العقوبة المنزلة بحق الفتاتين. 

بدت طريقة إثارة قضية الفتاتين بمثابة محاولة لتعويم مظاهر الحياة المنفتحة اجتماعيا خصوصاً لجهة التابوهات في مجتمع يصارع موجات الانفتاح المفتعلة بعد عقود طويلة من التضييق والخنق السياسي والديني. 

هذه هي الطريقة المتبعة في سياسة الحكومة السعودية بقيادة ولي العهد السعودي، الذي كسر تابوهات كثيرة بتوقيع بسيط من قلمه. صحيح أن ما يحصل بالسعودية من انفتاح اجتماعي غير مسبوق في تاريخ البلد لكنه مرهون بمزاج وإرادة شخص، ويمكن أن يرتد اي سوء تصرف او تعليق خصوصاً في السياسة وبالاً على الشعب السعودي برمّته، شهدنا له أمثلة كثيرة.

هذا الواقع يلخص الأحداث الحاصلة في قضية تواجد البخيتي في السعودية، فزيارة اليمني البريطاني إلى السعودية كانت تسير بطريقة طبيعية بالنسبة إليه، اذ تجول خلالها والتقى بشخصيات سعودية معروفة وأبرزها الناشط السعودي الذي أفرج عنه مؤخرا بعد استكماله حكمه رائف بدوي. أما بالنسبة للسعوديين في الخارج والداخل فقد كانت الامور تبدو غريبة ومربكة، وكأنّ البخيتي يقول إنه فوق القانون، وإنه يستطيع التعبير بحرية في ظل حرمان المواطن السعودي من أبسط حقوقه، إلى أن غرد بمقاطع فيديو عبر حسابه في تويتر من مطار جدة أثناء مغادرته قائلا: السعودية لا تعتقل ضيوفها، ضاربا بعرض الحائط أبناء جلدته المعتقلين في السعودية وغيرهم من سعوديين ومن جنسيات تتميز بضعف مواقف سفاراتها لمتابعة مواطينها، أمثال مواطنه مروان المريسي الذي بالكاد يعرف أهله أخباره، او أشرف فياض الشاعر الفلسطيني الذي أنهى محكوميته منذ تشرين أول/ أكتوبر الماضي وما يزال خلف القضبان، او المعتمرون الإيغور الذين تهددهم السعودية بإعادتهم للصين بدلا من عودتهم إلى حيث جاؤوا من تركيا وغيرهم. 

البخيتي يؤكد أيضاً من خلال تصريحه هذا، حقيقة اعتقال سعوديين اثر تغريدات ومواقف لا تعجب السلطة الحاكمة، مقارنة بفتح الباب له للمغادرة، رغم استخدام التيار المخالف له تغريدته الجريئة جداً وفقا لمقاييس أمن الدولة السعودي، والتي غردها عام ٢٠١٣ واصفا فيها آل سعود بـ”الورم السرطاني الذي يُمول الفتن والمشاكل في كل مكان”. ما يعني أن البخيتي لم يغادر السعودية لكونه ملحداً ولا بسبب انتقاده لبرنامجها السياحي والترفيهي، ولكن لتعديه السابق على الأسرة الحاكمة، أي أن هذا هو التابو الوحيد اليوم.

نعم “السعودية لا تعتقل ضيوفها ” واسمحوا لي أن أضيف: ضيوفها الذين تشتري ذممهم ثم تتخلص منهم حين ينتهي دورهم، ويشترون راحتهم ليناموا في فنادقها ويأكلون بالمجان على حساب المواطن السعودي البسيط الذي يعاني الأمرّين في دفع الضرائب المرتفعة من دون أن يكون له أي حق في التمثيل السياسي او حتى التعبير عن احتياجاته.  

هكذا فقط يمكن أن تكون التغريدة تلك هي الأصدق في “تايم لاين” علي البخيتي بأكمله.

أضف إلى ذلك أن حوارات علي البخيتي في مساحات تويتر التي لا يغيب عنها المحامي السعودي عبدالرحمن اللاحم وغيره من الاسماء السعودية المعروفة بحملها رسائل لأحد أجنحة الحكم الحالي، فضلا عن ملاسناته مع مراسل العربية محمد العرب، قد تلخص الكثير من المشهد الحالي، فهذا يمني وذاك عراقي وكليهما يتلاسنان ويحتدّان في النقاش الذي يبلغ حد تبادل الشتائم والاتهامات استناداً إلى دلائل يدعي كل طرف منهما أنه يملكها تثبت حصول اختلاسات مالية وارتزاق على حساب قضايا انسانية. كل ذلك يحدث وسط متابعة سعودية أشبه بمتابعة مباراة كرة قدم، ولا هدف ولا غاية ولا اي فائدة حقيقية من كل هذا للمواطن السعودي.

هكذا تحول الحديث الذي برز خلال الاسابيع الماضية عقب أنباء مربكة عن صحة العاهل السعودي، وعن اقتراب ولي العهد من تولي العرش، ولقائه المرتقب برئيس الولايات المتحدة لاستكمال خطوات التطبيع -الملف الذي يُقال إنه مثار خلاف بين الملك وولي عهده-، إلى ملاسنات البخيتي واللاحم والعرب وغيرهم عبر مساحات تويتر. هذا هو ملخص السياسة في السعودية، فرّق تسد واشغل الناس بأتفه الأمور وسط أزمات اقتصادية عالمية ومتابعة لحروب بين قوى عظمى، فلا يسأل المواطن عن قدرته على تغطية تكاليف عيشه، بل تطرح اسئلة من نوع: هل ستسمح السعودية ببيع الكحول وهل دخول ملحد الى مكة يعني فتح أبوابها لغير المسلمين؟

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
نادية مبروك
“غسّلت أبنائي الثلاثة فمن يُغسّلني؟”… قد تجد كنيسة القديس أبو سيفين متبرعين من أثرياء الأقباط في مصر لإعادة ترميمها وتأمينها لكن مئات الكنائس -المقننة وغير المقننة- في مصر تبقى مسرحاً محتملاً لحرائق تلتهم ضحايا أبرياء في كل موسم صلاة أو صوم.
Play Video
نشرت مجلة “الإيكونوميست” البريطانية في 28 تموز/ يوليو الماضي افتتاحية لمقال بعنوان “لماذا النساء أكثر بدانة من الرجال في العالم العربي”، يتحدث عن بدانة النساء في الشرق الأوسط مرفقاً بصورة الفنانة العراقية إيناس طالب، من دون استئذانها، ضارباً تقارير المسح الخاصة عن البدانة في العالم الصادرة عن المؤسسات الصحية العالمية عرض الحائط، ما أحدث تبايناً في الآراء عبر وسائل التواصل الاجتماعي العربية والغربية، إذ اعتبر كثيرون استخدام صورة إيناس جزءاً من خطاب مزوجيني معاد للنساء.

3:08

Play Video
على مدى ٣٣ عاماً خاض الكاتب سلمان رشدي الكثير من النقاشات العلنية حول كتابه “آيات شيطانية” وحدود حرية التعبير خصوصاً بعد فتوى هدر الدم التي عاش بموجبها سنوات طويلة في الخفاء والخوف حتى لحظة تعرضه لمحاولة قتل قبل يومين. رشدي دافع بشراسة عن حرية التعبير وهنا في هذا الفيديو وفي لقاء مفتوح له في العام 2018 يقول، “يقع الناس في فخ تصديق أنه من المحق الحدّ من حرية التعبير … إذا سلكنا هذا الطريق لن يتمكن أحد من التحدث بتاتاً”

2:00

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني