أنغام التميمي: عميد ركن في الجيش العراقي تؤرق المنظومة

كانوا يصفونها بـ"أنغام دورة" كسخرية من الدورة الشهرية للنساء وأنها غير صالحة للعمل العسكري بينهم وان الجيش للرجال فقط فـ"الجيش الذي تقوده النساء لا خير فيه".

“هذه ساحة حرب لا وجبة غداء في المطبخ، لا بد من انهم احضروها من المطبخ مباشرة وسلموها الشارة العسكرية”.

بمثل هذه التعليقات تم التعامل مع تعيين أنغام التميمي في منصب عسكري قيادي في العراق. جرت العادة ان تكون رتبة “الأركان العسكرية” من نصيب مراتب الضباط المتقدمة من الرجال، كونها شارة ميدانية تتعلق بفنون إدارة الحرب وقيادة المعارك الحربية ولطالما ارتبط وجود الرجال في المؤسسات العسكرية بالسلطة والقوة الجسدية فلم يكن للنساء نصيب من هذا.

ويبدو أنه سيطر الرعب على أذهان كثيرين بعد اعلان تولي سيدة عراقية منصب عسكري برتبة عميد ركن وتحصل أنغام التميمي على شارة الاركان وتكون بذلك المرأة الأولى التي تشغل هذا المنصب في الجيش العراقي منذ غزو العراق عام 2003.

“لا للنساء في ساحات الحروب”

عانت السيدة أنغام من السخرية والمضايقات من قبل بقية اقرانها من القوات الأمنية فكان منصبها العسكري يشكل تهديدًا على امنهم و”رجولتهم” حتى ان بعضهم حمّلها مسؤولية وجود الجماعات المسلحة وتدهور الوضع الأمني للبلاد بسبب اشراك النساء في المناصب العسكرية والسخرية من إدراك النساء للخطط العسكرية .

أحد الضباط الذين خدموا مع أنغام  قال لـ”درج” إن بعض الضباط، زملاء أنغام، كانوا يصفونها بـ”أنغام دورة” كسخرية من الدورة الشهرية للنساء وأنها غير صالحة للعمل العسكري بينهم وان الجيش للرجال فقط فـ”الجيش الذي تقوده النساء لا خير فيه”، على حدّ تعبيرهم، وان “بنية النساء الضعيفة لا تحتمل المهام العسكرية الشاقة”.

يرى باسم مردان العامل في منظمة القلم المهتمة بحقوق الصحفيين حول العالم، “بالنسبة لجيش تعرض لكل هذا القدر من الهزائم منذ غزو العراق عام2003 وسيطرة تنظيم داعش، وتخلي قسم كبير من الجيش عن سلاحه في المناطق التي كانت تحت سيطرة التنظيم، ان اضافة اي نوع جندري اخر لصفوفه لتولي مهام قتالية قد يشكل تغييراً او تحسناً في سجله في مجال تحقيق اي انتصارات عسكرية في المستقبل الذي اتمنى ان يكون خالي من الحروب والاهانة للنساء في المؤسسات الامنية”.

 كانت السلطات العراقية عام 1968 قد افتتحت دورات تأهيل النساء للانخراط في المجال العسكري برتب ضباط، لكن التجربة لم تكن ناجحة بسبب العوامل الاجتماعية، وفي عام 1980، انضمت النساء لقطاع شرطة المرور فقط، ثم توقف انضمامهن لاحقًا.

بينما تٌلهم أنغام عراقيات كثير لتحقيق مناصب رفيعة عسكرية ومدنية، تختبئ اخريات داخل هذا الزي خشية من وصمة العار التي تلاحقها

وقد شهد عهد النظام السابق لصدام حسين، تبوّء نساء لمناصب قيادية في حكومة حزب البعث. وكانت من تنضم لحزب البعث آنذاك تدعى بـ”الرفيقة” وكانت اول مشاركة سياسية للمرأة عام 1980 في السلطة التشريعية عن طريق ترشيحها للبرلمان والحصول على عدد من المقاعد بموجب قانون رقم55 لسنة 1980 والخاص بانتخاب المجلس الوطني العراقي. فقد أجريت أول انتخابات برلمانية منذ ثورة1958، وفازت 33 امرأة في الجمعية الوطنية.

وفي خلال الحرب العراقية الإيرانية والتحاق الرجال بجبهات القتال فقد فتح الطريق أمام النساء لتسلم عدد من المهام العسكرية للنساء، وبموجب قانون أقر سنة 1977 أصبحت النساء يتقلدن رتبة ضابط، شرط حصولهن على شهادة جامعية ذات صلة بالمهن الطبية وتم توظيفهن كضباط في مؤسسات الجيش الطبية، وقد تسلمت عدد من النساء وظائف قتالية بعد عام 1981 في سلاح الجو أو قيادة الدفاع الجوي.

وتعرضت عدد من القيادات النسوية البارزة في حزب البعث للاغتيال والتصفية الجسدية خلال الفترة الأخيرة من عام 2003 بعد الغزو الأمريكي على العراق فيما هرب بعضهن خارج البلاد خشية الاعتقال من قبل الجيش الامريكي او القتل من المجاميع المسلحة أبرزهن هدى صالح مهدي عماش، والتي تم إطلاق سراحها عام 2005.

عمدت الحكومة العراقية بمشاركة قوات التحالف بعد عام 2003، إلى اشراك النساء في المؤسسات الأمنية والعسكرية، كوزارتي الدفاع والداخلية، وفي عام 2004، تخرجت الدفعة الثانية من أفراد الجيش العراقي الذين شكلوا قيادة الجيش الجديد وكان عددهم 843 ضابطا، بينهم 50 امرأة خضعن إلى دورات الضباط التأسيسية والقيادة الخاصة ودورة هيئة الأركان الخاصة، فضلاً عن تخرج 55 امرأة بصفة ضابط شرطة من المعهد العالي للتطوير الأمني والإداري في وزارة الداخلية عام 2008 لتصبحن أول دفعة من الضابطات الشرطيات في تاريخ العراق الحديث.

انضمت أنغام للجيش منذ عام2004 ونشطت في قسم الطبابة العسكرية وعانت بسبب عدم أداء التحية لها من قبل الرجال كبقية اقرانها، وبدعم الناتو وقوات التحالف دخلت كلية الاركان كأول سيدة عراقية في هذا المجال. ووجودها فتح الابواب للعشرات من النساء للانضمام الى المؤسسات العسكرية.

وتصف أنغام يومها قائلة “يتوجب عليَ الصراع يوميًا نفسيًا وجسديًا لاكن في هذا المكان، ببدلة عسكرية ورمز لنسر جمهوري على كتفيّ في مواجهة اجتماعية لصورة نمطية طالما ترسخت بين رجال الامن، فهناك من يصر على ان يرى هيئتي كامرأة، لا كرتبة عسكرية وهناك من يحاول ثنيي عن متابعة عملي، اسابق الأعراف داخل هذه المؤسسات التي ارفض ان يقال عنها رجولية فقط، طالما ان هناك نساءً يحملن السلاح ايضًا”.

 تنتقل أنغام، بين الوحدات العسكرية تارةً كعسكرية حازمة وتارة أخرى بأمومة مفرطة لتقدم يد العون لمن تراهم من الجرحى، و في نهاية اليوم تعود إلى منزلها وولدها الصغير ليرى والدته كشخصية خارقة خرجت من أفلام الرسوم المتحركة بزي عسكري يحاكي زي شخصياته المفضلة وهي تلاعبه.

وصمة العار الاجتماعية

بينما تٌلهم أنغام عراقيات كثير لتحقيق مناصب رفيعة عسكرية ومدنية، تختبئ اخريات داخل هذا الزي خشية من وصمة العار التي تلاحقها فتعمد سراب الطائي (اسم مستعار) 29 عاما من البصرة جنوب العراق، العاملة كشرطي الى تغيير ملابسها العسكرية بمدنية عند عودتها يوميًا الى منزلها لكيلا يراها أحد وتقول “لو عرف أحد من الجيران من أبناء منطقتي بماهية عملي فالعار سيلاحقني انا وعائلتي وربما سنجبر على ترك المدينة بسبب كلام الناس حيث يتم وصمي بأبشع التهم والالقاب لمجرد كوني شرطية”.

تواصل سراب: “لا يمكنك تخيل مدى القصص التي ستؤلف ضدي لو عرفت نسوة المنطقة انني احمل السلاح واتواجد في مراكز الشرطة بين الرجال يوميًا لذلك اخبئ ملابسي بكيس اسود كمجرم يحمل ممنوعات واحمله بين يدي لكيلا يفلت ويفضح امري”.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
ميزر كمال- صحافي عراقي
بمعدل 22 حادثاً مرورياً في اليوم الواحد، و6 قتلى، تتفوق حوادث السير على معدلات العنف الناتجة من العمليات الإرهابية في العراق.
Play Video
باستخدام أدوات تكنولوجية مختلفة، كالقصص التفاعلية وتقارير 360 درجة ومقاطع فيديو ورسوم متحركة، استطاعت منصة Tiny Hand تغطية المعاناة والأثر الذي تتركه الحرب على الأطفال وايصالهما الى العالم.

4:41

Play Video
الكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية والناشطة اللبنانية غوى أبي حيدر والناشط السياسي الكويري ضومط قزي الدريبي ضيفا هذه الحلقة من بودكاست “نون” للحديث عن المثلية الجنسية وتصاعد الحملات المعادية لها في الآونة الاخيرة. المحزن ان ملاحقة العلم او الراية بات يشبه حملات مطاردة الساحرات في منطقتنا. تكثر الاخبار من حولنا عن سحب رواية، منع فيلم، مطاردة شعار، ومصادرة ألعاب أطفال لأنها تحمل ألوان قوس قزح، فضلا عن خطابات التحريض والكراهية والملاحقات القانونية والوصم الاجتماعي، وهو ما تكرر في أكثر من دولة بذرائع أخلاقية ودينية. غوى أبي حيدر وهي ناشطة وكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية. كتبت سلسلة مقالات عن انتحار الناشطة المصرية سارة حجازي قبل عامين بعد ان سجنت بسبب رفعها علم قوس قزح/ شعار مجتمع الميم وتم اضطهادها ونفيها بسببه الى ان انتحرت. اما الناشط السياسي ضومط قزي الدريبي، فقد شارك في كثير من نشاطات الحراك الاعتراضي السياسي في لبنان في السنوات الاخيرة، لكنه واجه حملات ضده مستغلين هويته الجنسية.

51:48

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني