“حبسوني في بيت البنات مع الراهبات”: جزائي لأنني أحببت شاباً من غير ديني

لقد نجوت أقول لنفسي، فيما أسمع حكايات فتيات بقين سجينات تلك البيوت التابعة للكنيسة والمنتشرة في المحافظات، والجريمة واحدة، الحب والاختلاف.

في مجتمعي، حين تحب إنساناً عليك أولاً معرفة دينه. الدين قبل كل شيء، من بعده تأتي العائلة ثم المستوى الاجتماعي، سلسلة من الاعتبارات الفارغة.

 لم أكن أعلم حينها محدوديتي في الاختيارات.

ما إن رأته عيناي تحركت بداخلي مياه كانت راكدة، كان رجلاً طيباً ونبيلاً، لم يسئ معاملتي و كان يلبي رغباتي عن طيب خاطر. لم أفكر بمن هم أهله وما هو دينه. 

أنا قبطية، وأتفهم خوف المجتمع المسيحي المنكفئ على كينونته في مصر من بطش الصراعات التي تدور في كل زاوية من حوله، استقطاب الفتيات المسيحيات إلى الإسلام عن طريق الحب موجود، رأيته بعيني وعشته في الجوار مع إحدى الفتيات من بلدة جانبنا، الأمر أشبه بملعب “أمريكان فوتبول” كبير حيث فريق المسيحيين وفريق المسلمين، الكل يتطاحن في وسط الملعب، لا نعرف الكرة مع من منهم، وها هو لاعب فريق الخصم يتقدم فيتجاوز كل خصومة ليصل الى خط النهاية ويلقي بالكرة وتتغير الأرقام فوراً، معلنة تقدم الفريق المهاجم على الفريق المدافع.

 هكذا تجري الأمور، مساومات حقيرة ضحاياها فتيات صغيرات في معظم الأوقات.

 في مدينتي استيقظت ذات يوم على خبر ذهاب فتاة مسلمة مع شاب مسيحي إلى مكان ما، فركت عيني جيداً لا بد أنني عكست الأمور، لكن تم تأكيد الأمر ذهبت الفتاة وذهب معها حبيبها، والآن تدور المساومات وإن فشلت فعندها ستسفك الدماء.

لم تنكسر ذراعي قط، لكن قلبي انكسر. عندما اكتشف أهلي أنني أحب شاباً مسلماً، قطعوا حبل الاتصال بيني وبينه ومنعوني من النزول إلى الشارع. عزلوني في غرفتي كما لو كنت مجرمة. وكأن زلزالاً أصاب منزلنا، الجميع متنبهون متيقظون، وقد نظموا دوريات لمراقبتي. أبي ينام، أمي تستيقظ، أمي تنام، أبي يستيقظ، الوجبة الأساسية الآن هي تفادي الفضيحة.

ظهرت غريزة البقاء واضحة حتى و لو على حساب الابنة. نحن باقون حتى إن كانت الضريبة موتك، تخلصوا مني سريعاً وأرسلوني إلى بيت البنات التابع للكنيسة، هناك رأيت فتيات من مشارب مختلفة، أعمارهن متفاوتة، حكاياتهن درامية بشكل لا يتصوره عقل، أكثر فتاة حزنت عليها هناك كانت صغيرة جداً حتى أصغر مني، استدرجها شاب حتى أعطته مفاتيح محل الذهب الذي يملكه أبوها، أخذ كل شيء وهرب.

 تفاوتت بواطن قصصنا أيضاً بين التي راحت ضحية الغدر وضحية الحب، في كل الأحوال كنَّا ضحايا الأهل والمجتمع والدين.

كنت في الخامسة عشرة عندما أيقظتني أمي وأخبرتني بأن علي المغادرة، أحضرت بعض الأشياء. أسفل المنزل كان ينتظرني المجهول، ركبت السيارة حيث كانت راهبة وأمي وأبي إلى كيس ملابسي.

أبطأت السيارة وهبطنا أمام منزل كبير كُتِب عليه بدهان أحمر “بيت البنات” كان الليل بدأ يسحق النهار، دخلنا كلنا إلى ردهة طويلة على جانبيها حديثة متسعة.

 في نهاية الردهة غرفتان ثم مدخل كبير، كلها مصفوفة على مستوى واحد، دخلنا إحدى الغرفة، فاستقبلتنا راهبة أخرى، حدث كل شيء في لمح البصر، فتشت الكيس الذي في يدي، نثرت سراويلي الداخلية على سفرة، كانت تمد يدها في الكيس كأنها تمد يدها في جوفي، تتفحصني باستمرار، مسكت دفتر يومياتي وبدأت تقرأ في سرها وأنا أحاول منعها بينما هناك قطة سوداء صغيرة تحاول مسح جسدها في رجلي. انتقلت الأوراق التي كتبت عليها وجعي إلى يدي أبي، الذي باشر القراءة أيضاً. 

اختاروا لي سريراً بجانب شباك حديد، هناك جلست بين الأسرّة المتلاصقة وشعرت بأنني على حافة الموت. لم أعرف إن كان القمر قد طلع في تلك الليلة حقاً، كان الشباك أضيق من أن أشاهد السماء. بعد قليل، دخلت سيدة، عرفت لاحقاً أن عليّ مناداتها “طنط سعاد”، بدت شبيهة في المكان، كما لو كانت هنا منذ الأزل وستبقى فيه إلى الأبد. طلبت مني أن أنزل إلى الطبقة السفلية. عرفت منذ تلك اللحظة أنها تملك سلطة لا متناهية على جسدي وفكري.

تسلموا جميع مقاليد حياتي، الاستيقاظ في السابعة صباحاً، صلاة باكرة ثم الإفطار، توزيع مهمات البيت الفسيح علينا، كنا عشرين فتاة و”طنط سعاد”، ثم الصلاة والغداء، دراسة الكتاب ثم صلاة الغروب والتسبيح، والنوم عند السابعة مساءً.

لم يكن يسمح لنا بتكوين الروابط القوية بيننا أو تناول قصصنا الخاصة لكن في الخفاء، كنا نعلم عن بعض الكثير، كانت قصص تعيسة تملؤها الدموع، هي قصص حب، انتهت بالقمع والإذلال.

ذات يوم صدر القرار بتزويجي من دون علم أهلي حتى، عزمت على قتل نفسي، وحين عرف أهلي جاءوا بسرعة، أعادوني إلى البيت، هناك قبّلت التراب من فرحتي، وصرخت: “أنا حرة أنا حرة!”.

لقد نجوت أقول لنفسي، فيما أسمع حكايات فتيات بقين سجينات تلك البيوت التابعة للكنيسة والمنتشرة في المحافظات، والجريمة واحدة، الحب والاختلاف. إنها طريقة للتأديب داخل المجتمع المسيحي، فبدل قتل الفتاة يتم سجنها داخل هذه “المعسكرات” ويتم احتجاز حريتها وحقها في الاختيار.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
ميزر كمال- صحافي عراقي
بمعدل 22 حادثاً مرورياً في اليوم الواحد، و6 قتلى، تتفوق حوادث السير على معدلات العنف الناتجة من العمليات الإرهابية في العراق.
Play Video
باستخدام أدوات تكنولوجية مختلفة، كالقصص التفاعلية وتقارير 360 درجة ومقاطع فيديو ورسوم متحركة، استطاعت منصة Tiny Hand تغطية المعاناة والأثر الذي تتركه الحرب على الأطفال وايصالهما الى العالم.

4:41

Play Video
الكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية والناشطة اللبنانية غوى أبي حيدر والناشط السياسي الكويري ضومط قزي الدريبي ضيفا هذه الحلقة من بودكاست “نون” للحديث عن المثلية الجنسية وتصاعد الحملات المعادية لها في الآونة الاخيرة. المحزن ان ملاحقة العلم او الراية بات يشبه حملات مطاردة الساحرات في منطقتنا. تكثر الاخبار من حولنا عن سحب رواية، منع فيلم، مطاردة شعار، ومصادرة ألعاب أطفال لأنها تحمل ألوان قوس قزح، فضلا عن خطابات التحريض والكراهية والملاحقات القانونية والوصم الاجتماعي، وهو ما تكرر في أكثر من دولة بذرائع أخلاقية ودينية. غوى أبي حيدر وهي ناشطة وكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية. كتبت سلسلة مقالات عن انتحار الناشطة المصرية سارة حجازي قبل عامين بعد ان سجنت بسبب رفعها علم قوس قزح/ شعار مجتمع الميم وتم اضطهادها ونفيها بسببه الى ان انتحرت. اما الناشط السياسي ضومط قزي الدريبي، فقد شارك في كثير من نشاطات الحراك الاعتراضي السياسي في لبنان في السنوات الاخيرة، لكنه واجه حملات ضده مستغلين هويته الجنسية.

51:48

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني