منتدى فلسطين الرقمي: “حملة” للتحايل على خوارزميات منحازة لإسرائيل

شهد عام 2021 انتهاكات عدة للحقوق الرقمية الفلسطينية، وكان الهدف منها الحد من محاولة الفلسطينيين تقديم روايتهم إلى العالم.

حضرت شيرين أبو عاقلة، الصحافية الفلسطينية التي اغتالها قناص إسرائيلي، بقوة في منتدى فلسطين للنشاط الرقمي الذي ترعاه مؤسسة “حملة” للحقوق الرقمية، فشيرين حملت القضية الفلسطينية في ساحات التغطية وفي الفضاء الرقمي وعُرفت بجرأتها ورصانتها في نقل الحقيقة الفلسطينية.

و”حملة” مؤسسة أهلية غير ربحية تعمل على مناصرة الحقوق الرقمية الفلسطينية، تقوم، منذ عام 2017، سنوياً بإطلاق المنتدى للتوعية حول الحقوق الرقمية من جهة، ولمواجهة المضايقات الرقمية التي تفرضها الشركات العالمية بسبب الضغوط الإسرائيلية على المحتوى الفلسطيني من جهة ثانية.

تجلّت المضايقات الإسرائيلية في الفضاء الرقمي السنة الماضية بعد أحداث حي الشيخ جراح، والهبّة التي شهدتها القدس والضفة الغربية وجميع أراضي فلسطين وذلك إثر قرار ترحيل 28 عائلة فلسطينية من الحي المقدسي، وأعادت الهبّة حينها القضية الفلسطينية إلى الواجهة العالمية من جديد، وكان للفضاء الرقمي دور بارز فيها، ولتشكيل تضامن عالمي مع سكان حي الشيخ جراح، ولكن ما هي أبرز التحديات التي واجهها النشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي حينها لمواجهة الرواية الإسرائيلية وتقديم الرواية الفلسطينية!؟

شهد عام 2021 انتهاكات عدة للحقوق الرقمية الفلسطينية، وكان الهدف منها الحد من محاولة الفلسطينيين تقديم روايتهم إلى العالم، وتعاونت المؤسسات العالمية مع الطلبات الإسرائيلية للحد من التضامن الفلسطيني، بغية تقويض تلك النشاطات التي كان هدفها الإضاءة على انتهاكات المستوطنين بحق فلسطينيي الداخل ومحاولاتهم المتكررة تهجيرهم من منازلهم.

وكانت “حملة” أصدرت تقريرها السنوي حول انتهاكات الحقوق الرقمية الفلسطينية خلال عام 2021، الذي شهد تصاعداً في انتهاكات الحقوق الرقمية الفلسطينية.

وذكر التقرير الانتهاكات التي ارتكبها الإسرائيليون ومنها استهداف مقصود للبنى التحتية لقطاع الاتصالات والإنترنت. فـ40 موزعاً للإنترنت في غزة استهدفهم القصف الإسرائيلي في حرب غزة الماضية خلال 11 يوماً. أما في المحتوى فإن الكنيست الإسرائيلي يقوم بسن قوانين للتضييق على حرية التعبير عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بالتزامن مع تصاعد وتيرة الرقابة التي فرضتها منصتا “فيسبوك” و”انستغرام” على المحتوى الفلسطيني، وبشكل أقلّ، نوعاً ما، “تويتر”. كل هذا أدّى إلى لجوء النشطاء الفلسطينيين إلى منصات جديدة كـ”تيكتوك”، لتقديم الرواية الفلسطينية.

وثّقت “حملة” في تقريرها 1033 انتهاكاً، 672 منها كانت تعليق حساب، وهذا يشير إلى الشراسة في الحملة الإلكترونية على مناصري القضية الفلسطينية، وتربعت منصة “فيسبوك” على عرش المنصات في ما يخص الانتهاكات في 585 حالة وبنسبة 57 في المئة، تليها منصة “انستغرام” التابعة للشركة نفسها بنسبة بلغت 28 في المئة، لتشكل المنصّتان إجمالي 85 في المئة من حجم الانتهاكات المرصودة على مختلف مواقع التواصل الأجتماعي بحق المحتوى الفلسطيني.

يأتي منتدى “فلسطين للنشاط الرقمي” للإضاءة على الانتهاكات التي يتعرض لها الفلسطينيون من قبل الإسرائيليين من جهة، إضافة إلى إبراز دور النشاط الرقمي  في دعم القضية الفلسطينية، ومن هنا أهمية المنتدى الذي يجيب عن أسئلة كثيرة حول كيفية التضامن وأنواعه، فضلاً عن إيجاد طرائق للالتفاف حول الرقابة على النشاط الرقمي الفلسطيني من قبل الشركات الكبرى التي تلبّي شروط إسرائيل.

كيف ساهم النشاط الرقمي والتضامن في الإضاءة مجدداً على القضية؟

هي إحدى أهم الجلسات التي انطلق بها المنتدى لعام 2022، وكان النشاط الرقمي عام 2021 على مستوى عالٍ جداً، لم تشهده فلسطين سابقاً، وساهم ذلك في إبراز أصوات فلسطينية شابة كثيرة، أوصلت صوتها وقضيتها إلى العالم.

“الفصل من العمل أو الدراسة كانت من أهم العناصر والتهديدات التي  استعملها الإسرائيليون بحق الفلسطينيين، بخاصة خلال هبّة أيار من العام الماضي”، يقول المحامي  لدى “عدالة- المركز القانوني لحماية حقوق الأقلية العربية في إسرائيل” ربيع اغبارية، وكانت منشورات “فيسبوك” وغيرها مكامن استعملتها سلطات الاحتلال لتقديم اتهامات بحق الفلسطينيين، ويضيف ربيع أن ظاهرة الفصل من العمل ظهرت خلال الحرب على غزة عام 2014، وهي إحدى الوسائل التي اعتمدها الإسرائيليون للتضييق على حرية الفلسطينيين في التعبير.

يضيف اغبارية: “التضييق على المحتوى الفلسطيني وإزالته، يكون من خلال وحدة السايبر، وهي وحدة  حكومية إسرائيلية، تتعاون مع شركات مواقع التواصل الإجتماعي، مثل فيسبوك، لإزالة محتوى من هذه المنصات، على خلفية ما يسمى “الإرهاب”، أو التحريض، وبذلك نكون قد تكلّمنا عن 3 أنواع من الملاحقات بسبب منشورات، وهي الملاحقة الجنائية، والفصل من العمل، أو إزالة محتوى والتضييق عليه”.

هذا ما يؤكد أن إسرائيل تحتل الفضاء الرقمي مثلما تحتل الأرض، بحسب نيفين أبو رحمون من “حملة”، التي تلفت إلى أهمية النقاش الدائر حول النشاط الرقمي الفلسطيني والتحديات التي تواجهه.

تخلل الجلسة نقاش حول أهمية استعمال مواقع التواصل الاجتماعي، لمواجهة البروباغندا الإسرائيلية. والفلسطينيون أصبحوا منخرطين جداً في العمل الصحافي على الأرض، من خلال نقل الصورة كما هي عبر هواتفهم الذكية، ومن خلال تقنيات اللايف على منصات مواقع التواصل الاجتماعي، وهذا يساعد على توثيق القضية الفلسطينية وتقديم الرواية الفلسطينية في الفضاء الرقمي.

تقول الصحافية منى حوّا: “الفلسطيني دائماً موجود على السوشيل ميديا، ويحاول ملء أي فراغ كي يستطيع إيصال صوته، لذلك نحاول استغلال أي فرصة ممكنة، ولكن ما الذي اختلف بعد هبة أيار/ مايو الماضية؟ في رأيي، أن تكثيف اللحظة رقمياً، هو ما قاد إلى المشهد، ويمكن القول إن هناك إعادة لمركزة القضية من خلال النشاط الرقمي، وهو نتيجة لجميع الجهود الأخرى، على الأرض وسواها”.

تشرح منى حوا أيضاً كيف أدخل النشاط الرقمي القضية الفلسطينية في مواقع جديدة وغير مسيسة، مثل انستغرام مثلاً وتقول: “هناك جيل جديد يؤمن بأن إسرائيل منطقة “مشرقة”، وهذا ساهمت فيه بعض الدول العربية أيضاً، ويوجد حالة عربية كانت تقدم إسرائيل على أنها حالة متقدمة في المنطقة، فكيف أصل الى هذا الجيل الجديد، أنا لدي منصة استعراض تسمى انستاغرام، وهي بعيدة كل البعد عن السياسة، وليس فيها خطاب وحضور، ونحن من خلالها علينا توجيه حال من الصدمة، كيف؟

نحضر هؤلاء النشطاء الفلسطينيين، الذين عملياً لم يكن يعرفهم أحد، مثل منى ومحمد الكرد، مع المؤثر العربي، ونضعهم على تواصل مع هذا الجمهور من خلال منصة جديدة هي انستاغرام، ونريهم المشاهد المرعبة التي يقوم بها الاحتلال من قمع وقتل وتهجير، وهذا معاكس لسياسة التطبيع المتبعة أخيراً، وهذا الربط ساعد بحضور القضية الفلسطينية عربياً، ومنها إلى العالمية في حينها، من خلال الاستعانة بمنافذ جديدة لإيصال الصوت”.

كيف تؤثر سياسات إدارة المحتوى في العصر الرقمي؟

ضياء كيالي، المدير المساعد للمناصرة في “منيمونيك” يقول إن “فلسطينيين تعرضوا للضرب راهناً من قبل الشرطة في برلين، بسبب ارتدائهم الكوفية في مظاهرة تضامنية مع فلسطين، وهذا يدل على أن كل التعديات التي تحدث على الإنترنت، ما هي إلا انعكاس للتعديات التي تحصل على أرض الواقع”.

تحت عنوان “العنف والإرهاب”، يتم محو الكثير من المحتوى الفلسطيني، بخاصة في أميركا، وأوروبا الغربية، بينما في الولايات المتحدة مثلاً، عندما حدثت جريمة وقتل فيها 10 أشخاص، لم تمحُ إدارة “فايسبوك” البث المباشر، ولم تعتبر مشاهد عنف أو إرهاب، كما يحدث عندما ينقل الفلسطينيون مشاهد القتل التي يتعرضون لها على يد الإسرائيليين”.

تطرقت الجلسة أيضاً إلى العلاقة بين شركة “ميتا” والحكومة الإسرائيلية، كما مع حكومات الخليج، التي  تؤثر أيضاً في رقابة المحتوى، وهو ما يضيّق أكثر على النشطاء الفلسطينيين في وسائل تعبيرهم وتضامنهم مع قضاياهم اليومية،

وليس المحتوى نفسه العامل الوحيد في التضييق بل الجغرافيا أيضاً. تقول ضياء إنها اتفقت مع أحد الأشخاص حتى يكتبا المنشور نفسه، هو من فلسطين وهي من أوروبا، منشورها بقي من دون مشكلات، فيما المنشور من فلسطين تمت إزالته، وهذا يكشف حجم القمع الذي يتعرض له الفلسطينيون رقمياً، للحد من التضامن مع قضيتهم، بخاصة أن هذا التضامن سبّب مشكلات لإسرائيل.

يقول نديم الناشف، المدير التنفيذي لـ”حملة”: “تعلمنا كثيراً من أحداث الشيخ جراح السنة الماضية، وكيف كان المحتوى يلغى، وهذا يعطي أشارة واضحة كيف تنظر تلك الشركات للفلسطينيين، ولكن في الوقت نفسه استمر الفلسطينيون بالتكلم عن حقوقهم الإنسانية، ومحاولة إيصال صوتهم إلى العالم، رغم إصرار المنصات على إبراز الرأي الإسرائيلي فقط”.

 “نخرج من حزن شديد الى فرح شديد، هذا هو التناقض الذي نعيشه في حياتنا وعلى السوشيال ميديا”، تقول منى الكرد في احدى الجلسات الحوارية معها، وتضيف: “الإنستغرام والفيسبوك كانتا منصتين أوصلتا أصواتنا إلى العالم، ولكن أوصلت صوتنا عن طريق صوتنا، لأنها منصات ليس إلا، واستطعنا التحايل على الخوارزميات لهذه الشركات التي تناصر إسرائيل، واستطعنا إيصال صوتنا إلى العالم”.

وتقول منى الكرد عن قضيتها الشهيرة مع المستوطن يعقوب الذي حاول سرقة منزلها في حي الشيخ جراح: “يعقوب يمكنني بحذر شديد القول إنه خدم قضية الشيخ جراح، ولكن ليس بغبائه، بل بوقاحته، لما مستوطن يقول لك أنا سارق، وإذا لم أسرقك، غيري من جماعتي سيقوم بسرقتك، فأنا وجماعتي قائمين على السرقة والاحتلال، ونحن كسارقين لا نبالي بما تقوله عنا، انت والعالم، لهذا يعقوب سارق صريح وواضح، بعكس ما تقول الرواية الإسرائيلية التي دفعت عليها المليارات لتحسين صورتها أمام العالم، وأتى يعقوب لينسف هذه الرواية”.

كان المنتدى متاحاً للجميع، وهو علني الآن، وموجود على “يوتيوب“، وهو يوفر معلومات وحقوقاً رقمية مهمة جداً للجميع. تقول منية ظاهر، منسقة الإعلام في مركز “حملة”، إن المنتدى يشهد تفاعلاً مع الإعلام العربي والإعلام البديل بشكل أكبر، والمنتدى يضيف قيمة، ويخلق مساحة مشتركة لمناصرة القضية الفلسطينية.

ومن أهمية المنتدى، تبادل الخبرات والتجارب حول الخروقات الرقمية التي ترتكبها إسرائيل، ليس بحق الفلسطينيين فحسب، بل بحق حرية التعبير في العالم أجمع، وذلك من خلال الضغوط التي تمارسها على الشركات الكبرى، لمحاصرة حملات مناصرة الفلسطينيين ومنعها.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
ميزر كمال- صحافي عراقي
بمعدل 22 حادثاً مرورياً في اليوم الواحد، و6 قتلى، تتفوق حوادث السير على معدلات العنف الناتجة من العمليات الإرهابية في العراق.
Play Video
باستخدام أدوات تكنولوجية مختلفة، كالقصص التفاعلية وتقارير 360 درجة ومقاطع فيديو ورسوم متحركة، استطاعت منصة Tiny Hand تغطية المعاناة والأثر الذي تتركه الحرب على الأطفال وايصالهما الى العالم.

4:41

Play Video
الكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية والناشطة اللبنانية غوى أبي حيدر والناشط السياسي الكويري ضومط قزي الدريبي ضيفا هذه الحلقة من بودكاست “نون” للحديث عن المثلية الجنسية وتصاعد الحملات المعادية لها في الآونة الاخيرة. المحزن ان ملاحقة العلم او الراية بات يشبه حملات مطاردة الساحرات في منطقتنا. تكثر الاخبار من حولنا عن سحب رواية، منع فيلم، مطاردة شعار، ومصادرة ألعاب أطفال لأنها تحمل ألوان قوس قزح، فضلا عن خطابات التحريض والكراهية والملاحقات القانونية والوصم الاجتماعي، وهو ما تكرر في أكثر من دولة بذرائع أخلاقية ودينية. غوى أبي حيدر وهي ناشطة وكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية. كتبت سلسلة مقالات عن انتحار الناشطة المصرية سارة حجازي قبل عامين بعد ان سجنت بسبب رفعها علم قوس قزح/ شعار مجتمع الميم وتم اضطهادها ونفيها بسببه الى ان انتحرت. اما الناشط السياسي ضومط قزي الدريبي، فقد شارك في كثير من نشاطات الحراك الاعتراضي السياسي في لبنان في السنوات الاخيرة، لكنه واجه حملات ضده مستغلين هويته الجنسية.

51:48

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني