لا أهلاً ولا سهلاً بسعد لمجرد في بغداد!

سيحصل لمجرد على استقبال الأبطال، وعلى احتفاء نجوميّ، كما يفعل العراق مع جميع زواره من فنانين ومثقفين، هكذا وكأن منظمي الحفل لم يطّلعوا على سيرة لمجرد الذاتية ولم يقرأوا خبراً واحداً عن القضايا الجنسية المرفوعة ضده. 

ابتهاج وتحضيرات رسمية وإعلانات ممولة، وحماسة لاستقبال جماهيري هائل على ارض “السندباد”، مدينة الالعاب الضخمة وشبه الرسمية، التي أخذت على عاتقها إعادة العاصمة بغداد إلى حضن الفن والحفلات الغنائية، من خلال تنظيمها حفلات لفنانين معروفين عربياً، وإعادة شيء من روح الفن والموسيقى للمواطنين.

في هذا السياق، قررت إدارة الفعاليات الفنية في “السندباد” إقامة حفل غنائي في الثاني من حزيران/ يونيو، للفنان المغربي سعد لمجرد الذي تسبقه أخباره وقضاياه، وكأن هذا ما ينقص العراق تحديداً لتكتمل سلسلة خيباته.

سعد لمجرّد المتهم بعدد من قضايا التحرش والاغتصاب في أكثر من دولة حول العالم، سيقف على المسرح ببساطة ويغني، بصرف النظر عما يعنيه ذلك من سقطة أخلاقية للمنظمين وللبلاد وللجماهير الحاشدة، التي ستهرع لالتقاط “السيلفي” معه، وكأن لا شيء حصل على الإطلاق، وكأن سعد لمجرد مجرد فنان يزور العراق.

يأتي الحفل بعد أسابيع من إطلاق لمجرد أغنية مشتركة مع الفنانة اللبنانية إليسا، وكأن هناك محاولة لتعويم لمجرد مرة أخرى ومنحه فرصة براءة اجتماعية وفنية، بما أن براءته القضايا تعذّرت.

استغلال حاجة المواطن للفن 

لا يمكن صرف النظر عن حاجة العراق إلى الفن في ظل الصراعات الحاصلة والأزمات السياسية والاقتصادية، والتي حوّلته إلى بلاد متخمة بالحزن والموت. رغم كل شيء لم يتوقف العراقيون عن الرقص ومحاولة إيجاد أسباب للفرح وسط المآسي كلّها. 

لكن في قضية حفل سعد لمجرد، تبدو القصة ذات بعد آخر، إنها قضية إنسانية وقضية أخلاقية، لا يمكن تجاوزها ببساطة، لا سيما أن للمجرد دعاوى ما زالت عالقة بانتظار الأحكام النهائية، وما زالت الضحايا بانتظار الحصول على حقهنّ.

للأمانة، لم أكن أعرف بشأن قدومه إلى العراق، إلا حين صادفتني إحدى الرسائل في “إنستغرام”، كتب لي أحد الأصدقاء، “آية سعد لمجرد المغتصب، سيحضر الى بغداد، هل ستفعلين شيئاً؟ افعلي شيئاً”. وماذا أفعل؟ هل سيستمعون إلي وهم يعدّون أموال تذاكر الحفل؟ 

سيحصل لمجرد على استقبال الأبطال، وعلى احتفاء نجوميّ، كما يفعل العراق مع جميع زواره من فنانين ومثقفين، هكذا وكأن منظمي الحفل لم يطّلعوا على سيرة لمجرد الذاتية ولم يقرأوا خبراً واحداً عن القضايا الجنسية المرفوعة ضده. 

وعلى رغم حملة المقاطعة التي قادها عراقيون ضد زيارة لمجرد، إلا أن الجزء الأكبر من الناس يتعاملون مع الأمر بلا مبالاة، وكأنّ تورط لمجرد بقضايا اعتداء على نساء، ليس أمراً بغاية الأهمية، ويمكن غض النظر عنه من أجل تحقيق الأرباح، على أساس “لا تكبروا الموضوع ودعوا الناس تستمتع”، وعلى أساس أن قضايا النساء “قضايا عائلية” وغالباً ما يسهل رمي الاتهام على الضحايا إثر الاعتداء عليهن، لتبرير المعتدين الرجال.

ثورة نسوية عراقية ضد لمجرد 

مقابل الاحتفاء بزيارة لمجرد، كانت لافتة التغريدات المعارضة، التي ملأت صفحات “تويتر”، فـ”المعلم” غير مرحب به، ولا أحد يريد تعلم شيء منه، بخاصة الفتيات، اللواتي لا تتعدى أعمارهن 25 سنة، إذ كن شجاعات جداً وهنّ يواجهن عقدة الذكورية وسخرية المعتادين على أن تكون قصص الاعتداء على الفتيات أمراً طبيعياً. ولم يقتصر الأمر على الناشطات النسويات، بل تجاوزه إلى اعتراض آلاف العراقيات عبر “تويتر” على حفل لمجرد. 

وعليه، أجّلت إدارة “السندباد” الحفل، مبررة ذلك بتزامنه مع مناسبة دينية وهي أربعينية الإمام علي التي لم يسمع بها العراقيون قبل الآن. لكن تأجيل الحفل لا يعني إلغاءه، ولا يعني أن إدارة “السندباد” خضعت لضغط النشطاء على “تويتر”، إذ إن لمجرد سيقف على المسرح وسينال مجداً وتصفيقاً ويتقاضى أموالاً، وستشرق الشمس وسيأتي يوم آخر.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
ميزر كمال- صحافي عراقي
بمعدل 22 حادثاً مرورياً في اليوم الواحد، و6 قتلى، تتفوق حوادث السير على معدلات العنف الناتجة من العمليات الإرهابية في العراق.
Play Video
باستخدام أدوات تكنولوجية مختلفة، كالقصص التفاعلية وتقارير 360 درجة ومقاطع فيديو ورسوم متحركة، استطاعت منصة Tiny Hand تغطية المعاناة والأثر الذي تتركه الحرب على الأطفال وايصالهما الى العالم.

4:41

Play Video
الكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية والناشطة اللبنانية غوى أبي حيدر والناشط السياسي الكويري ضومط قزي الدريبي ضيفا هذه الحلقة من بودكاست “نون” للحديث عن المثلية الجنسية وتصاعد الحملات المعادية لها في الآونة الاخيرة. المحزن ان ملاحقة العلم او الراية بات يشبه حملات مطاردة الساحرات في منطقتنا. تكثر الاخبار من حولنا عن سحب رواية، منع فيلم، مطاردة شعار، ومصادرة ألعاب أطفال لأنها تحمل ألوان قوس قزح، فضلا عن خطابات التحريض والكراهية والملاحقات القانونية والوصم الاجتماعي، وهو ما تكرر في أكثر من دولة بذرائع أخلاقية ودينية. غوى أبي حيدر وهي ناشطة وكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية. كتبت سلسلة مقالات عن انتحار الناشطة المصرية سارة حجازي قبل عامين بعد ان سجنت بسبب رفعها علم قوس قزح/ شعار مجتمع الميم وتم اضطهادها ونفيها بسببه الى ان انتحرت. اما الناشط السياسي ضومط قزي الدريبي، فقد شارك في كثير من نشاطات الحراك الاعتراضي السياسي في لبنان في السنوات الاخيرة، لكنه واجه حملات ضده مستغلين هويته الجنسية.

51:48

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني