fbpx

فيكشن: محضر تحقيق مع ميشال عفلق في العراق 1941

قرأ السيرجنت البريطانيّ وليم ماكغريف الاسم بصوت مرتفع، "ميشال أفلك". وأضاف بشيء من البرود، "الرجاء إدخاله إلى غرفة التحقيق". ذاك اللقاء الذي دام ساعة، مهّد لحوار وصفه لاحقاً صحافيّ عراقيّ بالقول: "لقد اجتمع في غرفة واحدة عتوّ وصلف إمبراطوريّان لا يُطاقان وهزال وتفاهة عربيّان يصعب وصفهما". حدث ذلك في أواسط مايو/ أيار 1941، بعد أن تمكّن الجنود البريطانيّون من إلحاق الهزيمة بالمحاولة الانقلابيّة التي نفّذها رشيد عالي الكيلاني وضبّاط "المربّع الذهبيّ"...

قرأ السيرجنت البريطانيّ وليم ماكغريف الاسم بصوت مرتفع، “ميشال أفلك”. وأضاف بشيء من البرود، “الرجاء إدخاله إلى غرفة التحقيق”.
ذاك اللقاء الذي دام ساعة، مهّد لحوار وصفه لاحقاً صحافيّ عراقيّ بالقول: “لقد اجتمع في غرفة واحدة عتوّ وصلف إمبراطوريّان لا يُطاقان وهزال وتفاهة عربيّان يصعب وصفهما”.
حدث ذلك في أواسط مايو/ أيار 1941، بعد أن تمكّن الجنود البريطانيّون من إلحاق الهزيمة بالمحاولة الانقلابيّة التي نفّذها رشيد عالي الكيلاني وضبّاط “المربّع الذهبيّ”.
ماكغريف أشار بيده إلى الشابّ الذي أحضروه إليه داعياً إيّاه أن يجلس، فيما كان يقلّب أوراقه بيد أخرى:
“اسمك ميشال أفلك… أليس كذلك؟”.
الشابّ الذي كان يرتجف من خوفه صحّح: “ميشال عفلق”.
ماكغريف ردّ ضاحكاً، “للأسف، نحن لا نملك في لغتنا الإنكليزيّة هذين الحرفين اللذين تملكهما لغتكم الغنيّة: العين والقاف (ثمّ لفظَهما بكثير من الصعوبة والافتعال). لكنّني آمل يا سيّد أفلك أن يكون هذا هو سوء التفاهم الوحيد بيننا، مع شكّي في ذلك. حسناً… أنت سوريّ وأستاذ مدرسة في الحادية والثلاثين من عمرك. ما الذي جاء بك إلى بغداد لكي تقاتل ضدّنا؟”.
“أنا، يا مستر، أنتمي إلى أمّة – يعني – عربيّة واحدة”.
“آه، هذا الذي كنّا نريد أن نصنعه في دمشق قبل أكثر من عشرين سنة في ظلّ فيصل بن الحسين، ولم نوفّق فيه. لكنْ قل لي، ماذا يعني ذلك بالضبط؟”.
“يا مستر، لستُم أنتم من صنع لنا هذا. أنتم – يعني – قوّضتموه بوعودكم ومعاهداتكم السرّيّة…”.
“لا يا سيّد أفلك. نحن الذين صنعناه لكم، وأنتم الذين قوّضتموه. هل تظنّ أنّ بريطانيا العظمى كانت مستعدّة لمواجهة فرنسا عسكريّاً فيما أنتم تتصارعون في دمشق: عودة أبو تايه وأعمال النهب والسلب، والضبّاط العراقيّون مقابل السوريّين، وتجّار المدينة مقابل علمائها الدينيّين… على أيّ حال، ليس هذا موضوعنا الآن، مع تقديري الكامل بأنّكم لو نجحتم في إقامة نموذج معقول في دمشق لغيّرتم أسوأ المخطّطات البريطانيّة حيالكم”. وبعد صمت قصير ونظرة تفحّص في الأوراق المتناثرة على طاولته، مضى السيرجنت ماكغريف: “قل لي لماذا أنت هنا؟”.
“لكي – يعني – أقاتل”.
“لكنّ المعلومات هنا تقول إنّك وصلت، أنت وباقي رفاقك من سوريّا، بينما كان ينتهي القتال ويبدأ استسلام المتآمرين”.
“لم نقدّر أنّ الثورة ستفشل بهذه – يعني – السرعة…”.
“أكثر من هذا، تقول المعلومات التي لديّ إنّ الجنود المتمرّدين حين أعطوك بندقيّة رميتَها أرضاً وارتعدت فرائضك خوفاً فأتوكَ بكوب من العصير المبرّد… فلماذا إذاً جئتَ لـ “نصرة العراق” كما تدّعي؟ من الذي اختارك لهذه المهمّة”.
هنا، انتشر لون أحمر ينمّ عن الخجل على وجه عفلق الذي قال بصوت منخفض نسبيّاً:
“اختارتني أمّتي. يعني – اختارني التاريخ والقدر…”.
لكنّ ماكغريف استلقى على ظهره وهو يضحك، “يا سيّد أفلك، قد تختارك أمّك، أو خالتك في أبعد الحدود. أمّا أن تختارك أمّتك، فهل صوّتتْ أمّتك على ذلك؟ والأدهى أن يختارك القدر. يا إلهي! هل رأيتَ القدر وهو يختارك؟ ثمّ إذا افترضنا أنّ هذا التخريف الذي تقوله صحيح، فلماذا وقع اختيار الأمّة والقدر عليك أنت، أيّها الشابّ المسكين البائس الواقف أمامي والذي خاف من البندقيّة ورماها أرضاً؟”.
“نحن – يعني – لا نفكّر هكذا يا مستر”.
“كيف تفكّرون إذاً؟”.
“أنا، مثلاً، لم آت إلى العراق لأقاتل بالمعنى الذي – يعني – فهمتَه حضرتك. هناك مقاتلون كثيرون في العراق. جئت لأقاتل بالأفكار، لأنشر أفكاري عن العروبة وعن الأمّة العربيّة – يعني”.
“تقصد أفكاراً كالتي ذكرتَها لتوّك عن القدر وما إلى ذلك. حسناً، حدّثني عن المزيد منها…”.
“إنّنا – يعني – نؤمن بأنّ اللغة والتاريخ يوحّدان العرب…”.
“اللغة يا سيّد أفلك؟ هل تقصد إذاً أنّنا نحن في بريطانيا ينبغي أن نتّحد في أمّة واحدة ودولة واحدة مع الأميركيّين والأستراليّين والكنديّين؟ إنّك تدعونا باسم وحدة اللغة لأن نعود إلى مستعمرات سابقة استقلّت عنّا فنعيد توحيدها. هذه سخافة محضة. ثمّ في حالة العراق، ماذا نفعل بقوميّات وإثنيّات كبرى لها لغاتها المستقلّة؟ أمّا التاريخ، فهناك حقب في تاريخ العراق وأيّ بلد عربيّ آخر لا تقلّ عن حقبته العربيّة وقد تفوقها… ماذا عن تلك العصور المديدة التي سبقت قدوم الإسلام من شبه الجزيرة العربيّة، ماذا عن حضارات ما بين النهرين الشهيرة؟”.
“نحن – يعني – لا نفكّر هكذا يا مستر…؟”.
“إذاً قل لي بحقّ الله كيف تفكّرون. أمرك عجيب يا سيّد أفلك”.
“ما تقوله، واعذرني – يعني – إذا قلتُ هذا، ينتمي إلى التزييف الذي ألحقَه الاستعمار والاستشراق بالحقيقة العربيّة، بعدما فعل الشيء نفسَه الشعوبيّون من أتراك وفرس… لهذا، لا بدّ – يعني – من انقلاب في الحياة العربيّة، انقلابٍ يبعث من جديد إلى الوجود أصالة الأمّة العربيّة وخصوصيّتها ورسالتها – يعني – الخالدة”.
“إذاً تريدون تنفيذ انقلابات عسكريّة كثيرة لتغيير الأوضاع، وهذا ما جاء بكم إلى العراق؟”.
“لا، لا، فعلاً نحن لا نفكّر مثلكم يا مستر. الانقلاب الذي نقصده انقلابٌ في الحياة العربيّة، تنتصر معه – يعني – الحياة على العدم”.
“لقد تعلّمتُ خلال إقامتي في عدد من البلدان العربيّة مثلاً شعبيّاً أحبّه كثيراً يقول، “اقعدْ أعوجْ واحكِ جالس”. بالله عليك يا سيّد أفلك أن تحكي جالس. الانقلاب هو الانقلاب. وفي الواقع العمليّ، فإنّ الذين سيصدّقون كلامك عن “الانقلاب في الحياة العربيّة” و”انتصار الحياة على العدم” وباقي هذه الترّهات سيكون أوّل ما يفعلونه، إذا استطاعوا ذلك، تنفيذ انقلاب عسكريّ. أليس كذلك؟”.
“لا أقصد هذا”.
“ماذا تقصد؟”.
“أقصد – يعني، يعني، يعني-“. هنا قاطعه السيرجنت البريطانيّ الذي بدا كأنّ صبره بدأ يخونه:
“كلمة يعني هذه، التي تكرّرها كثيراً، هل هي جزء من العقيدة التي تقول بها أنت والشبّان الذين يشبهونك في سوريّا؟”.
“لا، أبداً هي – يعني – مجرّد طريقة خاصّة في الكلام…”.
“آه، وأنت بحسب المعلومات التي توفّرت لنا عنك لديك الكثير من الطرق الخاصّة في السلوك على ما يبدو. فأنت، مثلاً، تقضي ساعات طويلة في بيت الخلاء. هل هذا صحيح؟”.
“نعم، يا مستر. أنا أقرأ عدداً من الصحف كما – يعني – أكتب مقالات وأحضّر الدروس التي أتلوها على طلاّبي في الحمّام”.
“الأمر يستدعي محلّلاً نفسيّاً يراجع مراحل تطوّرك الجنسيّ يا سيّد أفلك. لكنْ ألا تخشى أن يكون قد علق شيء من أجواء المراحيض بالكتابات التي تؤلّفها هناك؟ هذا أمر ينبغي أن يكون مقلقاً ولمن يؤيّدونك!”.
حيال هذه الملاحظة الساخرة، غضب عفلق غضباً أنساه خوفه وحرّر لسانه من “يعني”:
“أرجوك يا مستر… أنا أنشأتُ شبيبة “الإحياء العربيّ” التي ستصير في يوم ما “حزب البعث العربيّ”. بعض الشباب بدأوا يطلقون عليّ تسمية “فيلسوف القوميّة العربيّة”…”.
“أنتَ ستُحيي العرب! لا تؤاخذني يا سيّد أفلك إذا قلتُ إنّك تفتقر إلى الحياة. وجهك بالغ الاصفرار تسرح فيه الكآبة والألم، وشفاهك لا تجيد الابتسام، وهذا فضلاً عن تفضيلك الحمّامات على كلّ مكان آخر. كيف تُحيي الملايين وأنت نفسك تفتقر إلى الحياة! وفوق هذا، أنتَ فيلسوف القوميّة العربيّة! أنت! يا إلهي!” وأضاف بالإنكليزيّة
Damn it
وبعد لحظة سريعة أضاف ثانيةً بالإنكليزيّة
Bloody hell
السيرجنت ما لبث أن سيطر على اندهاشه الكبير مستعيداً رزانته، ثمّ حدّق بعفلق وسأله:
“من هم أولئك الذين يسمّونك فيلسوف القوميّة العربيّة وينتظرون الإحياء على يديك؟”.
“طلاّبي، طلاّب مدرسة التجهيز، أهمّ مدرسة في سوريّا”.
“يا إلهي. يا إلهي. يا للهول. هؤلاء إذا كبروا كان الله في عون سوريّا. أصارحك القول إنّني سأوصل توصية إلى رؤسائي بأن يُطيلوا انتدابهم على العراق ما أمكنهم ذلك. وأن يحاولوا إقناع الفرنسيّين بأن يفعلوا الشيء نفسه في سوريّا. شبّان يسمّونك أنت فيلسوف قوميّتهم ويتوقّعون إحياءهم على يديك ينبغي عدم تركهم وحدهم… هذا خطر عليهم، وقد يغدو خطراً على العالم كلّه”.
سادت الغرفة حالة من الكآبة، قطعها ماكغريف بقوله:
“ربّما لاحظتَ يا سيّد أفلك أنّني تحدّثت معك في كلّ شيء إلاّ الشيء الذي يُفترض أن أستجوبك بشأنه. لماذا فعلتُ هذا؟ لأنّني أحسست من البداية أنّك لا تمثّل شيئاً جدّيّاً بغضّ النظر عن تسميتهم لك بالفيلسوف، وأنّك لم تلعب أيّ دور في مؤامرة الانقلاب. لقد مثّلتَ لي ما أعرفه عن أحوال كثيرين ممّن تسمّيهم مثقّفين في بلدانكم. لهذا سمحت لنفسي بأن أتسلّى معك قليلاً علّي أحسّن معرفتي بهذه الفئة التي أنت منها. لكنّ السؤال الذي أودّ أن أسألك إيّاه: كيف جئتَ إلى العراق لتدعم طرفاً معجباً بأدولف هتلر ويعوّل على دعمه؟”.
“هذا لا يعنيني يا مستر. ألمانيا لا تحتلّ بلاد العرب. أنتم الإنكليز والفرنسيّون تحتلّونها”.
“لكنّ هتلر وحش بشريّ. أليست لديك فكرة عن حكمه وتوسّعه، بل عن موقفه من العرب أنفسهم؟”.
“هذا لا يعنيني…”.
“هل يمكن لفيلسوف ألاّ يعنيه هتلر ما دام لا يحتلّ بلده؟”.
“أنتم الذين تستعمرون بلداننا يا مستر…”.
“نحن هنا مُنتدَبون بقرار من عصبة الأمم. أمّا أنتم، يا سيّد أفلك، فمرتزقة من الخارج تسمحون لأنفسكم باستباحة كلّ شيء باسم القوميّة، القوميّة التي أنت فيلسوفها. اسمعني جيّداً يا سيّد أفلك. أنا لن أعتقلك لأنّك لا تستحقّ أن تُعتقل. اذهب إلى دمشق. اذهب من حيث أتيت. لا أريد أن أرى وجهك ثانية في هذا البلد. انقلع عن وجهي”.

[video_player link=””][/video_player]

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
ميريام سويدان – صحافية لبنانية
انفجار بيروت الذي انقض على أفراحها الصغيرة وتلك الكبيرة أيضاً، لم يسلم منه أحد، لم يسلم منه شيء، حتى اللوحات الهانئة والتحف الفنية… فيما الدولة غائبة، تتصرّف وكأنّ لا شيء حدث، تشتري المزيد من الوقت على حساب خسائرنا، وحسب.
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني