“هكذا أسرق موتوسيكلاً”:
بورتريه لصّ في ضواحي بيروت 

اللّصوص الذين يعيشون ويمارسون عملهم في الضّواحي ليسوا أسطورة. الجميع يعرفهم أكثر ممّا يعرفون أنفسهم، وباستطاعة أيّ شخص يسكن معهم في الحيّ نفسه أن يتعرّف عليهم.

هذه القصص هي واحدة من عشرات القصص المتعلّقة بسرقة الدرّاجات الناريّة في ضواحي مدينة بيروت التي باتت من الظواهر اللصيقة بالضواحي والتي تفاقمت مع تصاعد الأزمة في لبنان حتى تكاد تكون مشهداً يومياً.

القصص متشابهة، تبدو وكأنّها مقتطعة من فيلم أميركيّ أو هنديّ، إلا أنّها حقيقيّة بحجم معاناة ضحايا تلك السرقات اليومية.

“أنا حاء. حاء ولم أكن أفعل شيئاً”

استيقظ عند الثّانية عشرة ليلاً، ارتدى قناعه الأسود، نظر إلى ساعته متأكّد أن الوقت لم يداهمه بعد. أخذ مسدسه عن الطاولة ووضعه في جيب بنطاله الجينز الخلفيّ، مرّ أمام المرآة لكي يتأكّد من تسريحته، تذكّر أن القناع يغطّي شعره وأنّه لم يعد مهمّاً كيف يبدو شكله أسفل القناع. المهم ألّا يتعرّف إليه أحد.

نزل إلى الشارع ليجد أن صديقه في انتظاره على الدرّاجة. يتقن كلّ منهما دوره جيّداً، الأوّل يبقي كلتا يديه على مقود الدرّاجة دون أن ينزلهما، والثّاني يراقب الشّارع بحذر مبقياً يده على زناد المسدس تحسّباً لأيّ طارئ.

بعد ساعة على الأقلّ من البحث المضني، قام شاب متهوّر برمي نفسه فجأة أمامهما. لم يكن في نيّته سوى أن يسألهما عن هويّتهما. ترجّل صاحب القناع عن الدرّاجة شاهراً مسدّسه بدقّة في وجهه، حينها علم الشاب أن البطولات في الضواحي لا تعني شيئاً.

لم يكن ذلك الشاب وحيداً آنذاك، كان بصحبة شابّين، أحدهما تقدّم ليقف بينه وبين المقنّع، والثالث وقف بعيداً من غير أن يتلفّظ بحرف واحد.

في تلك الأثناء سمع صوت تلقيم مسدس آخر. الشاب الذي كان يقف في الخلف كان أكبر حجماً من الجميع، أخرج مسدسه الـ”colt 45″ مصوّباً إيّاه إلى رأس المقنّع. من ثمّ أطلق عبارة من العيار الثقيل:

“اكشف عن وجهك”…

هذه قصّة حقيقيّة. أطلعني عليها الشبّان الثلاثة الذين شهدوا على حدوثها معاً في الحيّ الذي يقطنون فيه. لكنّ القصّة ليست حقيقية بالكامل، بحيث أنّني لا أعرف شيئاً عن حياة الشاب الذي استيقظ وارتدى قناعه ليلاً.

جرّبت أن أسأل عن هويّته. لم أعلم شيئاً سوى أنّ الحروف الأولى من اسمه هي نفسها الحرف الأوّل من لقب “حرامي”.

إقرأوا أيضاً:

حاء.حاء

ربّما تكون تلك هي المهنة الأسهل على الإطلاق، لا تتطلّب منه سوى سلاح وعين ساهرة لا تنام، ربّما لا يحتاج إلى طلقات لكي يحشو بها مسدسه حتّى، وبإمكانه أن ينسى أمر المسدس، إذ إنّه يعدّ باهظ الثمن، يمكنه مثلاً استبداله بمسدس بلاستيكيّ قد يجده في أيّ دكّان قريب للألعاب الرخيصة أو بحوزة ولد صغير يتباهى به أمام أصدقائه في الحيّ صبيحة العيد.

القناع هو أهمّ غرض في هذه المهنة. هو الهويّة الكاملة والوحيدة لهؤلاء، هو الوجه الذي اعتادوا على وجوده ليس لأنّهم يخافون من أن يتعرّف إليهم أحد، بل لأنّهم لا يملكون العيون اللّازمة التي لا تخجل من النظر في عيون الضحايا إذا ما صادفوهم في وضح النهار، لأنّهم يعرفونهم حقّ المعرفة، هم أصدقاؤهم وجيرانهم وعائلاتهم وأبناء الحيّ نفسه الذي يشاركونهم السكن فيه.

لا يمكنك أن تصل إلى أيّ من أولئك اللّصوص بتلك السّهولة، أمامك بضع حلول ليست عمليّة بالطّبع، أن تعرض عليهم بعض المال للإجابة على بضعة أسئلة بإستطاعة أيّ شخص أن يجيبك عنها، أو أن تركن درّاجتك النّاريّة أمام بوابات أحد المباني في شوارع الضّاحية ليلا، مكشوفة وبلا أيّ حماية، كطعم لاستدراجهم.

لكنّك لا تملك درّاجة ولا مالاً للقيام بأيّ من الأمرين.

اللّصوص الذين يعيشون ويمارسون عملهم في الضّواحي ليسوا أسطورة. الجميع يعرفهم أكثر ممّا يعرفون أنفسهم، وباستطاعة أيّ شخص يسكن معهم في الحيّ نفسه أن يتعرّف عليهم.

جميع من قابلتهم من ضحايا سرقات الدراجات الناريّة قالوا الشيء نفسه. نعرفهم بالاسم والشكل وعنوان السكن.

لكن لا أحد باستطاعته فعل أيّ شيء حيال ذلك.

الدرّاجات الناريّة لا تزيّف غيابها، لا تترك ورقة بيضاء كتب عليها: ثمّة لصّ كسر مقودي ونجح في سرقتي. لم يحتج الأمر إلى أدلّة دامغة لكي يعرف صاحب الدرّاجة المسروقة الذي يقطن في الشارع حيث يعيش والداي، أنّ درّاجته قد سرقت، فعندما استيقظ في السابعة صباحاً ليذهب إلى عمله في هندسة الميكانيك في الجمّيزة لاحظ أثر طلقات ناريّة على أرضيّة مدخل المبنى، أدرك حينها أنّ درّاجته قد سرقت.

من يحفظ أماكن الدرّاجات الناريّة التي تسكن في زواريب الضواحي الضيّقة، لا بد أنّه يعمل هناك أو يسكن في المحيط.

امّا تلك التي يركنها أصحابها في مداخل المباني وخلف بوابات الحديد محكمة الإقفال، فهي بالتأكيد درّاجات تحتاج سرقتها إلى إصرار كبير ومعرفة دقيقة بالمكان، بيد أنّ اللّص لا يدخل منطقة إلّا بعد مراقبتها بشكل مستمرّ.

لذلك هؤلاء موجودون بيننا، يعيشون وينامون ويعملون معنا، في طريقنا إلى الضواحي الفقيرة وفي خروجنا منها، لا يخيفهم شيء إلّا أن يقطع طريقهم بشكل نادر وعرضيّ، رجل ضخم بحجم رامبو يملك مسدساً، بضعف حجمهم، أو شابّ في مخابرات الجيش يرتدي سترة “فيلد” عسكريّة صودف مروره من أمامهم بينما كانوا يحاولون سرقة درّاجة ابن جارنا من داخل المبنى، قبل أن يحصل تبادل لإطلاق النّار. 

 ماذا لو قام شخص ما بسرقة درّاجتك التي تستخدمها للفرار بعد عمليّات السرقة؟ كيف ستفرّ حينها؟ أليس الفرار جزءاً مهماً من مهنتك ومن هويّتك كلصّ؟ 

ربما ما من رابط يجمع تلك القصص، سوى أنّها حدثت في المنطقة نفسها، في شارعين متقاربين، مع لصّين مختلفين ربّما، أو شخصين مرتابين صودف مرورهما من الشارع الخطأ، أحدهما يضع قناعاً قرأ منذ يومين جملة لفرانز كافكا يقول فيها: 

خجلتُ من نَفسي عِندما أدركتُ، أنّ الحياة حفلةٌ تنكَرية، وأنا حضرتُها بوجهي الحقيقي.

لديّ أسئلة جاهزة لكي أوجّهها لأحد لصوص الدرّاجات في الضواحي، في حال اعترضت أو اعترض أحدهم طريقي. هي أسئلة مشابهة للأسئلة التي يطرحها مقدّمو البرامج التلفزيونيّة على ضيوفهم.

من أنت؟ هل ترتدي قناعاً أسود طوال الوقت؟ من الشخص الذي خلف القناع؟ هل تسمّي ما تقوم به مهنة حقيقيّة أم مجرّد تسلية؟ ماذا لو قام شخص ما بسرقة درّاجتك التي تستخدمها للفرار بعد عمليّات السرقة؟ كيف ستفرّ حينها؟ أليس الفرار جزءاً مهماً من مهنتك ومن هويّتك كلصّ؟ 

إذا كنت على معرفة شخصيّة بأحد أصحاب الدرّاجات النارية التي قمت بسرقتها، كيف ستنظر إلى وجهه إذا ما صادفته في الطريق؟ أيّ شعور سيعتريك؟ هل حدث أن بكيت حين تذكّرت أن صاحب إحدى تلك الدرّاجات التي قمت بسرقتها يعتاش من تلك الدرّاجة؟ يذهب إلى عمله الحقيقيّ، بوجهه الحقيقيّ، لا يختبئ من عجزه عن توفير المال الكافي لسدّ الأقساط ودفع الضرائب الباهظة التي لا ترحم. ربّما صاحب تلك الدرّاجة هو أحد أغنى أغنياء البلاد، لكنّ الأغنياء لا يسكنون في الضواحي، ولا يملكون درّاجات ناريّة إلّا بهدف تستيفها خلف واجهات معارضهم.

هرع عنصر مخابرات الجيش للاختباء خلف سيّارة مجاورة، سقط هاتفه أرضاً، ثمّ همّ اللّصوص بالفرار من غير أن تكتمل عمليّة السرقة ومن دون أن يصاب أحد بأيّ أذى. بعد شهرين عاد اللصّين ونجحا في سرقة الدرّاجة التي اشتراها صاحبها بمبلغ قدره 950 دولاراً منذ 7 أشهر. هذه المرّة لم يعترض طريقهما أحد، وعندما نجح صاحب الدرّاجة بالاتصال بأحد اللّصين، طلب منه 500  دولار فدية لإخلاء سبيلها.

لم يستردّها بالطّبع، لأنّه كان يعلم بأنّه حتّى لو دفع فديتها واستردها، سيعاودون سرقتها من جديد.  

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
ميزر كمال- صحافي عراقي
بمعدل 22 حادثاً مرورياً في اليوم الواحد، و6 قتلى، تتفوق حوادث السير على معدلات العنف الناتجة من العمليات الإرهابية في العراق.
Play Video
باستخدام أدوات تكنولوجية مختلفة، كالقصص التفاعلية وتقارير 360 درجة ومقاطع فيديو ورسوم متحركة، استطاعت منصة Tiny Hand تغطية المعاناة والأثر الذي تتركه الحرب على الأطفال وايصالهما الى العالم.

4:41

Play Video
الكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية والناشطة اللبنانية غوى أبي حيدر والناشط السياسي الكويري ضومط قزي الدريبي ضيفا هذه الحلقة من بودكاست “نون” للحديث عن المثلية الجنسية وتصاعد الحملات المعادية لها في الآونة الاخيرة. المحزن ان ملاحقة العلم او الراية بات يشبه حملات مطاردة الساحرات في منطقتنا. تكثر الاخبار من حولنا عن سحب رواية، منع فيلم، مطاردة شعار، ومصادرة ألعاب أطفال لأنها تحمل ألوان قوس قزح، فضلا عن خطابات التحريض والكراهية والملاحقات القانونية والوصم الاجتماعي، وهو ما تكرر في أكثر من دولة بذرائع أخلاقية ودينية. غوى أبي حيدر وهي ناشطة وكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية. كتبت سلسلة مقالات عن انتحار الناشطة المصرية سارة حجازي قبل عامين بعد ان سجنت بسبب رفعها علم قوس قزح/ شعار مجتمع الميم وتم اضطهادها ونفيها بسببه الى ان انتحرت. اما الناشط السياسي ضومط قزي الدريبي، فقد شارك في كثير من نشاطات الحراك الاعتراضي السياسي في لبنان في السنوات الاخيرة، لكنه واجه حملات ضده مستغلين هويته الجنسية.

51:48

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني