“ياريتني ركبت القطر…” :
الفقر والدعاية الدينية يدهسان صغيرات مصر باسم الزواج

مراهقة في السادسة عشرة من عمرها، قررت الفرار من عائلتها ومن فستان زفاف جبري يكبر يجسدها، استقلّت القطار بلا وجهة سوى الهرب من مصير مشؤوم… أوقفت شرطة السكك الحديدية الصغيرة، لتعلن فرارها من والدها وشقيقيها لعزمهم على تزويجها عرفياً في عيد الفطر.

مراهقة القطار هي واحدة من 27 حالة زواج أطفال كان مقرراً عقدها في عيد الفطر، تم إحباطها بالتعاون بين المجلس القومي للطفولة والأمومة، والنيابة العامة، ووزارة الداخلية، ووقعت أسر الأطفال إقرارات بعدم إتمام إجراءات الزواج قبل بلوغهم السن القانونية، بحسب  المجلس القومي للطفولة والأمومة.

 صعيد مصر الأكثر فقراً والأقل حظاً في التعليم والتنمية، سجل 20 من بين 27 محاولة لتزويج قاصرات تتراوح أعمارهن بين 12 و16 سنة، تم إحباطها في الفترة الأخيرة، بحسب ما كشفه طارق توفيق، نائب وزير الصحة للسكان، والمشرف على المجلس القومي للطفولة والأمومة.

تزويج القاصرات ليس ظاهرة عابرة، وبرغم أهمية إحباط تلك الحالات، فإن أحداً لا يعلم كم طفلة تم تزويجها فعلياً، وبحسب مسح للجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، عن النساء في المرحلة (18 – 64 سنة)، فقد تزوجت 3 من كل 10 مصريات قبل بلوغهن الثامنة عشرة. 

“يا ريتني ركبت القطر”… أمنية من دهسهن الزواج المبكر

“يا ريتني ركبت القطر وهربت للأبد”… كان ذلك تعليق نور حين سألها “درج” عن الزواج المبكر، وهي شابة في الخامسة والعشرين، تم تزويجها في الثانية عشرة، من رجل يكبرها بـ25 سنة. 

من بين كل 10 فتيات تزوجن مبكراً ووثقن زيجاتهن العرفية عام 2018، ارتبطت 4 منهن برجال تتراوح أعمارهم بين 60 و75 سنة، بحسب دراسة أصدرتها مؤسسة المرأة الجديدة، بعنوان “الإطار القانوني لقضايا الزواج المبكر في مصر”. 

الزواج العرفي، هو الطريق الذي يسلكه أهالي الطفلات لإتمام جريمة تزويج بناتهن بالتحايل على السن القانونية للزواج، والتي لا يفترض أن تقل أن عن 18 سنة، على أمل أن يتم التصديق على عقد الزواج العرفي بعد بلوغ السن القانوني، وقد تم التصديق على أكثر من 100 ألف عقد زواج لفتيات بلغن الثامنة عشرة عام 2018. 

كانت نور، في المدرسة الإعدادية، في إحدى قرى محافظة قنا، حين زار بيت أسرتها رجل في النصف الثاني من الثلاثينيات عائداً من الخليج، ويريد الزواج من الطفلة الشقراء ذات العينين الملونتين “بشنطة ملابسها”… أغرى العرض الأب الذي كان يحمل هم تجهيز بناته الخمس للزواج، واللائي أتى بهن إلى العالم، بانتظار ابن ذكر وحسب. 

مع نهاية العام، انتقلت نور، بعقد زواج عرفي إلى بيت عائلة العريس، ولم تعد إلى المدرسة أبداً، تقول لـ”درج”، “بدأت أعيش الأيام الأكثر سواداً، كنت أخدم والدته ووالده وإخوته، وأعمل في الحقل وأرعى الحيوانات، ويسحبني ليلاً ليأخذ حقه (الشرعي) زي ما بيقول، ويضربني إذا شكوت”. 

يشمل العنف الذي تتعرض له نور الاغتصاب الزوجي والإجهاد الدائم، ولكنها لم تفكر رغم ذلك بالطلاق قائلة: “محدش هيقبل أطلق عشان الأسباب دي بيشوفوها عادية، ولو أطلقت هاروح فين بأربع عيال”. 

الحبس والغرامة لمواجهة الزواج العرفي للقاصرات

وافق مجلس الوزراء المصري، في نيسان/ أبريل الماضي، على مشروع قانون جديد يحظر زواج القاصرات، وذلك تمهيداً لإحالته للبرلمان لمناقشته وإقراره، واشترط مشروع القانون عدم جواز توثيق عقد الزواج لمن لم يبلغ 18 سنة، وعدم جواز التصديق على العقد عند بلوغ السن القانونية.

 يحاول مشروع القانون التعامل مع ثغرة الزواج العرفي التي يتسرب من خلالها زواج القاصرات بإلزام المأذون بإخطار النيابة العامة، بوقائع الزواج العرفي الذى يكون أحد طرفيه طفلاً لم يبلغ وقت الزواج، والتي تقدم للمأذون بغرض التصديق عليها، وأن يرفق بالإخطار صورة عقد الزواج العرفي، وبيانات طرفيه وشاهديه.

وتضمن مشروع قانون حظر زواج القصر، عدداً من العقوبات حال القيام بتزويج قاصر ولا يعد الطفل مسؤولاً جنائياً أو مدنياً عن هذه الجريمة، ويعاقب بالحبس سنة وغرامة لا تقل عن 50 ألف جنيه ولا تزيد عن 200 ألف جنيه، كل من تزوج أو زوَّج ذكراً أو أنثى، لم يبلغ أي منهما 18 سنة، وقت الزواج.

أما المأذون أو الموثق، فسيكون مهدداً بالحبس مدة لا تقل عن 6 أشهر، وغرامة لا تقل عن 20 ألف جنيه، ولا تزيد على 50 ألف جنيه، والعزل، حال مخالفة نص المادة (2) من مشروع القانون، والخاصة بإخطار النيابة العامة، عن حالات الزواج العرفي الذي يكون أحد طرفيه طفلاً.

إقرأوا أيضاً:

الأكثر فقراً والأسوأ حظاً

آية، شابة في التاسعة عشرة من عمرها، من إحدى قرى محافظة أسيوط، وهي أكثر محافظات مصر فقراً، تم تزويجها في الخامسة عشرة بعقد زواج عرفي، ككثيرات من فتيات قريتها.

 تطلقت آية، بعد عام واحد من الزواج، دون توثيق عقد زواجها، وتتعرض واحدة من كل خمس فتيات يتم تزويجهن مبكراً للطلاق، بحسب دراسة أصدرتها مؤسسة المرأة الجديدة، بعنوان “الإطار القانوني لقضايا الزواج المبكر في مصر”. 

تقول آية لـ”درج”، إنها كانت حاملا عند طلاقها، وإنها أنجبت طفلة بعد الطلاق، ولم تستطع استخراج أوراق رسمية لها بعدما سافر الأب ورفض توثيق الزواج والطلاق أو إثبات ولادة طفلته، واضطرت في النهاية إلى تسجيل الطفلة باسم جدها لأمها. 

أحمد مصيلحي، رئيس شبكة الدفاع عن أطفال مصر، أوضح لـ”درج” أن الزواج المبكر من أخطر أشكال العنف التي تمارس ضد الأطفال، معتبراً أن مشروع القانون الذي أقرته الحكومة مهم للغاية، وإن تغليظ العقوبات الوارد فيه هو أحد عناصر وقف الجرائم ومواجهتها. 

وأضاف مصيلحي، أن العنصر الأهم الآن هو تطبيق القانون وآليات تنفيذه وآليات الإبلاغ عن جريمة الزواج المبكر، وأن الاعتماد على القانون وحده ليس مجدياً للقضاء على هذه الظاهرة، وأن مواجهتها تحتاج إلى تضافر الجهود والتوعية من الأطراف المعنية المختلفة كالجهات الحكومية ورجال الدين ووسائل الإعلام. 

وأوضح رئيس “شبكة الدفاع عن أطفال مصر”، أن القانون يتعامل مع قضايا زواج القاصرات عبر 3 توصيفات، وهي “زواج بغرض التربح، والسترة، وأطفال الشوارع”، وأن لكل منها عقوبة مختلفة، فزواج التربح تصل العقوبة فيه للزوج وأهل القاصر إلى السجن 5 سنوات، أما زواج السترة فعقوبته 6 أشهر وهو النوع الذي يحاول ذوو القاصر عادة إثباته لتخفيف العقوبة، أما تزويج أطفال الشوارع فيعامل معاملة زواج التربح إذا ثبت التربح من ورائه، ويعتبر المشرع القاصر في هذه الحالات ضحية.

فقر ودعاية دينية ومجتمعية وراء تزويج القاصرات

“تخصص محاربة الحلال”، و”بنت ثمان وعليها الضمان”، و”الرسول تزوج السيدة عائشة وعمرها تسع سنوات”، و”13 سنة ليست طفلة… طالما بالغة تبقى مش طفلة”، “محاربة الدين والشرع”… كانت تلك بعض من آلاف التعليقات المفزعة التي تم تداولها على مواقع التواصل الاجتماعي، تعليقاً على خبر إحباط تزويج القاصرات.

الظروف الاقتصادية السيئة خاصة مع وقوع 30 في المئة من المصريين تحت خط الفقر، وتركز الفقر في محافظات الصعيد، والدعاية الدينية للزواج المبكر في المجتمعات الفقيرة، من أبرز العوامل المرتبطة بانتشار تلك المشكلة. 

ويتبنى قطاع غير قليل الترويج لزواج القاصرات، على اعتبار أنه شرعي وجائز ما دامت الفتاة قد بلغت أو زارتها الدورة الشهرية، وذلك برغم تأكيد دار الإفتاء المصرية، أن زواج القاصرات حرام شرعاً، ومخالف للقانون، لأنه يؤدي إلى كثير من المفاسد والأضرار في المجتمع. 

وينتظر المروجون لتزويج القاصرات، بحسب مشروع القانون، الذي وافق عليه الوزراء، عقوبات بالحبس سنة وغرامة لا تقل عن 50 ألف جنيه ولا تزيد عن 200 ألف جنيه، ولو لم يترتب على التحريض أثر، ولا تنقضي الدعوى الجنائية الناشئة عن هذه الجريمة بمضى المدة.

الآن آية، الشابة المطلقة والأم، هي رسميا عزباء لم يسبق لها الزواج و شقيقة لابنها الذي نسب لوالدها بعد رفض والده الاعتراف به أو بزواجه من أمه أو تطليقها، فيما تنتظر عشرات الآلاف غيرهن الإنقاذ من مصير مماثل بسد الفجوات القانونية التي يتسرب من خلالها تزويج القاصرات، ومحاربة الخطاب الديني الذي يلبس البيدوفيليا عباءة الدين. 

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
كارمن كريم – صحفية سورية
يبدو أن الدول التي دعمت المعارضة بشكل صريح وجدت نفسها أمام حقيقة لم تحسب لها حساب: بقي الأسد في الحكم، وبعد 11 عاماً، لا بدّ من مراجعة الكثير من الحسابات على الساحة السياسية ووضع الجانب الإنساني للأزمة السورية جانباً.
Play Video
“فلقة” جديدة يتلقّاها أطفال سوريين في بلدة غزة البقاعية في لبنان. نشر الصحافي هادي الأمين فيديو يُظهر تعنيف شاويش لأطفال سوريين لأنهم “يقصّرون في عملهم”. وفي كل مخيم للاجئين في لبنان، يتعيّن شاويش سوري ليكون بمثابة مسؤول عن هؤلاء الأطفال. في وقتٍ يتعرض فيه هؤلاء الأطفال لانتهاكات عدة من تسرب تعليمي وعمالة مبكرة و تعنيف لفظي وجسدي، يأتي هذا الفيديو ليؤكّد ذلك. حيث ترتفع وتيرة خطاب رسمي وإعلامي تمييزي تجاه السوريين في لبنان الذين تتراكم حولهم معلومات مغلوطة. فيما هناك حوالى 30 ألف طفل لاجئ يعمل في مهن قاسية الأطفال اللاجئين الذين أقحموا في سوق العمل خصوصاً الزراعة. وبعد انتشار الفيديو ألقت القوى الأمنية، بإشارة من مدعي عام البقاع القاضي منيف بركات، القبض على الشاويش وأحالته إلى القضاء المختص.

1:23

Play Video
يرصد هذا التحقيق أبرز التعقيدات التي ترافق دفن اللاجئين السوريين في دول الجوار، بدايةً من تعثّر الحصول على قبر لاستقبال الرفات، مروراً باستحالة إعادة الرفات إلى سوريا، وليس نهايةً بظروف الدفن غير الطبيعية، في غياب أفراد من الأسرة أو بعيداً منهم، أو في مقابر “طوارئ” مشيّدة على وجه الأرض، أو في مقابر على سفوح الجبال أو ضمن أراضٍ طينية.

1:56

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني