الفساد الطبي في قامشلو… لا تمرضوا الجمعة ولا في أي يوم آخر!

كثيرون هم ضحايا الفساد الطبي المنظّم، ومن ذلك الاختلاف في أسعار الفحوص والصور الطبية بين المستشفيات والمراكز المختصة، إضافة إلى إجبار المرضى في أحيان كثيرة على إجراء فحوص إضافية لا تتطلّبها حالتهم، من أجل جني المزيد من الأرباح.

وصل فراس العلي (41 سنة) إلى مدينة قامشلو من الدرباسية التي تبعد 60 كلم، ومعه ابنه الذي كان بحاجة إلى إسعاف سريع، نتيجة ارتفاع كبير في درجة حرارته وسعال شديد. يقول فراس لـ”درج”: “استغرق الطريق إلى المستشفى ساعتين تقريباً؛ نتيجة الازدحام المروري، والتدقيق على الحواجز الأمنية، لكنني بقيت ضعفها أتجول بين المستشفيات وأتوسّل الأطباء لفحص ولدي، كان الجواب الصادم المشترك: آسفون نحن لا نأتي يوم الجمعة”.

تزداد حالات التذمر الشعبي من إحجام عدد كبير من الأطباء عن زيارة مرضاهم أيام العطل الرسمية، أو معاينة الحالات الإسعافية ليلاً، عدا الإهمال الذي تشهده المستشفيات. وأضاف العلي، “زرت 3 مستشفيات، اتصلت بخمسة أطباء، كل ذلك وحالة طفلي تزداد سوءاً، حصلنا على جهاز إنعاش خاص بالأطفال، وانتظرنا حتّى خرج طبيب أطفال من غرفة العمليات، وما زلت أفكر، كيف للطبيب المشرف على وضع ابني أن يقول إنه لا أزور المستشفى يوم الجمعة”.

“أثناء العمليات الجراحية، أو الحالات المرضية التي تستوجب بقاء المريض في المستشفى، فإن الطبيب يُلزم مرافق المريض بشراء الدواء من صيدلية المستشفى حصراً، وغالباً ما يفوق سعر الدواء هناك 3 إلى 5 مرات عن سعره في أي صيدلية في الخارج”.

استخفاف وإهمال

عاشت عائلة السيدة إخلاص (65 سنة) لحظات مرعبة، فإخلاص تعاني من تأزم في الصمام التاجي، وضعف في عضلة القلب، وتتلقى العلاج في دمشق، لكنها تُراجع طبيبها في قامشلو كلما ساء وضعها الصحي. تروي لـ”درج”، “كررت الاتصال كثيراً، لكن الطبيب لم يرد على اتصالاتي، جربت الاتصال من رقمٍ آخر، والمفاجأة كانت بالرد السريع، لكنه سرعان ما تحدث ببرود شديد حول استفساراتي، أغلق الهاتف بعدما قال إنه مدعو إلى وليمة غداء ولا يمكنه الرد”. لم يبقَ أمامها سوى الاتصال بطبيبها في دمشق “منحني الطبيب قرابة الــ15 دقيقة وهو يستمع ويسألني، حتّى اكتشفنا أن أحد أدوية القلب التي وصفها الطبيب في قامشلو كانت تتسبب بارتفاع ضغط الدم وصداع حاد”.

يسرد حسين ماهر لـــ”درج” حكايته مع الأطباء، “طلب مني طبيب العيون إحضار نوعين من القطرات المعقمة من صيدلية محددة. بلغ سعر إحداها 5 آلاف ليرة سورية، والثانية 8 آلاف ليرة، وأصر على أن أعود إليه ليتأكد منهما. ثم أدعى أنه قام بخلطهما معاً في علبة واحدة، لأكتشف لاحقاً أنه كان يقوم بنقل القطرة من إحداها إلى زجاجة فارغة موجودة لديه، ويخبئ القطرة الثانية، ليعيدها إلى الصيدلية ويقبض نسبة من ثمنها، وكرر هذا الفعل مع كثيرين، حتّى ضُبِط متلبساً وتم الادعاء عليه، لكن القضية أغلقت وتمت لملمة الموضوع”. 

قصة خالد…

أصر طبيب العيون على خالد العلي ليضع نظارة طبية، “حدد لي مركزاً معيناً للتعامل معه، لكنني فضلت أن أزور أحد أقربائي، والذي طبق المقاسات بدقة، لأشعر بدوخة وغشاوة حول عيني، رجعت للطبيب الذي رفض النظارة، وأصر على أن المقاسات مغلوطة، وطلب أن أزور المركز الذي حدده، وفعلاً شعرت بالراحة بالنظارة الجديدة. لكن فضولي دفعني لفحص نظارتي الجديدة لدى المركز الذي زرته في المرة الأولى، لأكتشف أن مواصفات النظارة غير مطابقة للمقاسات التي قدمها الطبيب”. بقي خالد محتاراً  إلى أن قرر زيارة مركز ثالث لمعرفة الخلل، “المفاجأة كانت أن المركز الذي أصر عليه طبيب العيون، فصل نظارات بمقاسات اقل من المطلوب بمعدل درجة لكل عين، لأكتشف لاحقاً أن القضية باختصار اتفاق بين طبيب العيون ومركز النظارات الطبية على شيفرة بينهما، بحيث لن يتمكن أي مركز نظارات آخر من تفصيل النظارة المطلوبة، إلا المركز الذي يصر عليه الطبيب، وتالياً يحصل الطبيب على نسبة من مبيع النظارة”.

“الفساد أرهق حياتنا”

كثيرون هم ضحايا الفساد الطبي المنظّم الذين قابلهم معدّ التقرير، ومن ذلك الاختلاف في أسعار الفحوص والصور الطبية بين المستشفيات والمراكز المختصة، إضافة إلى إجبار المرضى في أحيان كثيرة على إجراء فحوص إضافية لا تتطلّبها حالتهم، من أجل جني المزيد من الأرباح. وليست مصادفة طلب الطبيب إجراء الكثير من التحاليل وحصرها من مخبر محدد، ليقوم المخبر بإجراء البعض منها وطلب فاتورة عن كامل الطلب. هذا إلى حالات غش كثيرة وتزوير لا سيما أثناء العمليات الإسعافية، أو تركيب شبكية من النوع الرديء، أو عدم تركيبها أصلاً وتقديم الطبيب فاتورة على أساس أنه استخدم أفضل النوعيات. وقد تكرر ذلك مع كثيرين، اضطروا لإجراء عمليات قسطرة- تركيب شبكية للمرة الثانية لكن خارج المحافظة، ليكتشفوا أنهم كانوا ضحية عمليات نصب ممنهجة. وأكدت مصادر أن الأطباء يصرون على أماكن محددة لتلك الإجراءات، “إما أن يكون الجهاز الطبي موجوداً في عيادة الطبيب فيُلزم المريض به، أو يكون الطبيب متفقاً مع مختبر/ مركز طبي محدد يُلزم المريض بالتعامل معه حصراً، وذلك من أجل الاستفادة المادية وفقاً لاتفاق شفهي يحفظ نسبة كل طرف”.

إقرأوا أيضاً:

اتفاق بين الأطباء والصيادلة؟

بموازاة ذلك، يصر أطباء كثيرون على التعامل مع صيدليات محددة، للأسباب ذاتها وهي التربح القائم على اتفاقات سرية. وبسبب الحرب، خسرت سوريا عدداً كبيراً من الأطباء والصيادلة الذين هاجروا، ما تسبب بخلل كبير في العمل الطبي، حتى إن بعض العاملين في الحرف وغير ذلك أصبحوا صيادلة، عبر استئجار شهادة صيدلة من صاحبها الأصلي المهاجر أو العامل مع المنظمات الدولية، مقابل بدل شهري. يقول الصيدلاني ع.ع، خريج جامعة دمشق، “أصبح لدينا مصطلح المتصيدل، عوضاً عن الصيدلاني، هؤلاء لا يملكون أي معرفة أو خبرة في الأدوية وغالباً ما يتسببون بأمراض نتيجة سوء تقدير الموقف أو عدم فهم الاسم الأجنبي للدواء أو منح البديل غير المناسب، ويتعاملون بلغة غريبة عن المجال الطبي، فيخاطبون المرضى بمصطلح (الزبون)، بالعموم القضية تعود إلى انعدام الرقابة وفقدان الضمير لدى الصيدلاني”. 

في هذا السياق، تروي إحدى السيدات قصتها، “وصف لي الطبيب معقماً كيميائياً حاد المفعول، وكتب لي الصيدلاني يُمدد مع الماء ويُشرب قبل النوم، بعد يومين من الاستعمال أسعفت بوضع حرج جداً إلى المستشفى وما زلت أتعالج من أمراض معوية وتسمم حاد جداً؛ ليتبين لاحقاً أن الدواء هو للاستعمال الخارجي حصراً”. وفي تداعيات القصة وفقاً لزوج المريضة “عزمت على تقديم شكوى رسمية، بسبب لكن مع تدخلات الأهل والصيدلاني الذي يعمل في منظمة دولية، وبعض الضغوط العائلية، تمت لفلفة الموضوع، بخاصة أن مستأجر شهادة الصيدلاني لا يجيد قراءة الوصفة الطبية، فوقع في هذه الكارثة الطبية، وهي ليست المرة الأولى، إنما أصبحت عادة دارجة لدى غالبية مستأجري شهادات الصيدلة”. 

ووفقاً للأهالي فإن الفساد الأكبر يكمن في أتفاق الطبيب المختص مع صيدلية محددة يُلزم المريض التعامل معها حصراً، وكنتيجة للحرب في سوريا، فإن بعض الأدوية تكون مفقودة، ويُصرف دواء لغير شركة، لكنه بالمفعول والمادة الدوائية نفسها، ليأتي دور الطبيب، الذي يقبل بهذه الأدوية إن كانت من صيدليات معينة، كما قال شفكر، من أجل الحصول على عمولة.

ويسرد شفكر المزيد من حالات الفساد المنظم في القطاع الطبي، “يصدف أن ترد وصفة طبية لدواء غير موجود في إحدى الصيدليات، فيُعرض على المريض تأمينه، وتحصل الصيدلية على عمولتها من تأمين الدواء عدا نسبة الربح الصافي من بيعه، بخاصة مع غياب التسعيرة الموحدة للأدوية، فلا يستطيع أحد الادعاء عليهم”. ويتحدث عن واقع الصيدليات في المستشفيات، “أثناء العمليات الجراحية، أو الحالات المرضية التي تستوجب بقاء المريض في المستشفى، فإن الطبيب يُلزم مرافق المريض بشراء الدواء من صيدلية المستشفى حصراً، وغالباً ما يفوق سعر الدواء هناك 3 إلى 5 مرات عن سعره في أي صيدلية في الخارج”. وانتشرت ظاهر الدواء البديل والذي يسمى “الطب العربي” مجهول المصدر والتي تؤدي في أحيان كثيرة إلى مضاعفات أو قد لا تؤدي إلى الشفاء. كما يتم فقدان أدوية كثيرة بسبب احتكارها من قبل بعض الصيدليات لتباع لاحقاً بأضعاف سعرها.

اتفاق الأطباء ومستودعات الأدوية 

عملت إسراء (اسم مستعار) في مدينة قامشلو مندوبة مبيعات في إحدى شركات الأدوية، تقول: “جرت العادة أن يصف الأطباء أنواعاً من الأدوية لشركات محددة، برغم من أن الاختلاف بين شركة وأخرى هو في الاسم وحده، لكن إصرار قسم من الأطباء على شراء أدوية لشركة معينة أثار الكثير من إشارات الاستفهام”. حين حاولت إسراء فهم الحقيقة، تبيّن لها أن  “مدير مستودع الأدوية يقوم بالترويج لمنتوج أكثر من غيره، بحسب المزايا التي يحصل عليها من الشركة المصنعة، فيتفق صاحب المستودع مع الأطباء على صرف دواء محدد، أكثر من غيره، وفق اتفاقات على نسب مالية بينهم، فيعترض الطبيب على صرف الدواء البديل إذا لم يكن على صلة واتفاق مع الشركة أو المستودع الذي يبيع الدواء”. وأضافت “أثناء عملي في زيارة الأطباء والصيدليات، شاهدت كيف يتم التلاعب بأسعار الدواء، فمثلاً يُباع ظرف حبوب السيتامول بأكثر من 4-6 أضعاف ثمنه بالجملة، وحين اعترضت لدى صاحب العمل خيرني بين الطرد من العمل أو السكوت” .

مستشفيات القامشلو قصة أخرى

أجمع من التقى بهم معد التقرير على أن زيارة المشفى والمبيت فيها من أكثر الأماكن والزيارات سوءً لديهم، من حيث الإهمال وقلة الاهتمام عدا كلفة الاستشفاء الخيالية”. أبو ريناس (55 سنة) تعرض لنوبة قلبية  أدخل على إثرها إلى المستشفى، “بقيت في غرفتي أربعة أيام، كان الطبيب يتقاضى 20 ألفاً في كل زيارة، عدا إعادة التخطيط والتحاليل، حتى أصر أولادي على إخراجي من المستشفى، ونقلي إلى دمشق ويتبين أنها كانت نوبة خفيفة ولم تكن تستدعي بقائي في المستشفى”.

وفي القامشلي نحو 10 مستشفيات خاصة، أجهزة معظمها قديمة ولا تتلقى العناية والاهتمام المطلوب، عدا الأسعار الكيفية للدواء والمعاينات وحالات الإسعاف بسبب غياب الفاتورة النظامية والموحدة. إضافة إلى مستشفى حكومي شبه مجاني تابع للحكومة السورية، يحتوي على أجهزة جيدة، لكنه شبه مستبعد من حسابات الأهالي خوفاً من السوق للتجنيد وغير ذلك من الأسباب. كما افتتحت الإدارة الذاتية مستشفى القلب والعيون بعد سيطرتها على بناء جاهز، وعيادات بأسعار منافسة تسمى “الشعب”، أجهزته حديثة، لكنه يفتقد للكوادر والمتابعة.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
ميزر كمال- صحافي عراقي
بمعدل 22 حادثاً مرورياً في اليوم الواحد، و6 قتلى، تتفوق حوادث السير على معدلات العنف الناتجة من العمليات الإرهابية في العراق.
Play Video
باستخدام أدوات تكنولوجية مختلفة، كالقصص التفاعلية وتقارير 360 درجة ومقاطع فيديو ورسوم متحركة، استطاعت منصة Tiny Hand تغطية المعاناة والأثر الذي تتركه الحرب على الأطفال وايصالهما الى العالم.

4:41

Play Video
الكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية والناشطة اللبنانية غوى أبي حيدر والناشط السياسي الكويري ضومط قزي الدريبي ضيفا هذه الحلقة من بودكاست “نون” للحديث عن المثلية الجنسية وتصاعد الحملات المعادية لها في الآونة الاخيرة. المحزن ان ملاحقة العلم او الراية بات يشبه حملات مطاردة الساحرات في منطقتنا. تكثر الاخبار من حولنا عن سحب رواية، منع فيلم، مطاردة شعار، ومصادرة ألعاب أطفال لأنها تحمل ألوان قوس قزح، فضلا عن خطابات التحريض والكراهية والملاحقات القانونية والوصم الاجتماعي، وهو ما تكرر في أكثر من دولة بذرائع أخلاقية ودينية. غوى أبي حيدر وهي ناشطة وكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية. كتبت سلسلة مقالات عن انتحار الناشطة المصرية سارة حجازي قبل عامين بعد ان سجنت بسبب رفعها علم قوس قزح/ شعار مجتمع الميم وتم اضطهادها ونفيها بسببه الى ان انتحرت. اما الناشط السياسي ضومط قزي الدريبي، فقد شارك في كثير من نشاطات الحراك الاعتراضي السياسي في لبنان في السنوات الاخيرة، لكنه واجه حملات ضده مستغلين هويته الجنسية.

51:48

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني