مشاريع على الورق: العراق عاجز عن مواجهة 300 يوم من الغبار سنوياً  

على الرغم من أن العراق وضع التصحر في خطته الإستراتيجية 2015 -2030، في الباب رقم(15)، ولكن بعد مرور سبع سنوات لم تظهر مؤشّرات على جدية الحكومات العراقية المتعاقبة في تنفيذ مشاريع لمكافحته.

يوم الإثنين 16 أيار/ مايو 2022، أجبرت عاصفة ترابية هائلة الملايين من سكان العراق على إحداث تعديلات طارئة لطقوس حياتهم، بعد تسببها بإدخال الآلاف منهم إلى المستشفيات بسبب إصابتهم بحالات اختناق.

 انخفض مستوى الرؤية بنحو حاد ووقعت حوادث مرورية في أنحاء مختلفة من البلاد، واضطرت وزارتا التربية والتعليم إلى تعليق الدوام في المدارس والجامعات وأوقفت الحكومات سبع محافظات محلية في الوسط والجنوب العمل في المؤسسات العامة باستثناء المستشفيات. 

كما أرجأت سلطات الطيران الرحلات الجوية المقررة في ذلك اليوم من مطارات بغداد والنجف والسليمانية الدولية وإليها، فيما مضت حركت النقل البري بنحو “سلحفاتي”، إلى حين انقشاع الغبار، تاركاً بصمته الصحراوية في كل مكان.

حدثٌ بات شبه يومي. موجات عواصف ترابية متلاحقة تضرب معظم أجزاء العراق، تقدر وزارة البيئة عددها بـ272 عاصفة خلال السنة الواحدة، جراء ظاهرة التصحر المتفاقمة، بعد سنوات من الجفاف وشح الأمطار وتقاعس الدولة عن وضع برامج طارئة لإنقاذ الغطاء النباتي المتقلص عاماً بعد عام، وفق خبراء.

ويرى خبراء أن الحكومات العراقية المتعاقبة عجزت عن القيام بأي فعل ديبلوماسي منتج، لمواجهة سياسة تركيا المائية وتحكمها بالإمدادات في نهري دجلة والفرات اللذين ينبعان من أراضيها، بسدود بنتها عليهما، ما يهدد بجفافهما.

كما تجاهلت الحكومات الدعوات الشعبية إلى اتخاذ موقف تجاه إيران التي قطعت تدفق المياه عبر جميع الروافد التي تدخل العراق عبر أراضيها. ولم ترصد الأموال لإكمال تنفيذ مشاريع إستراتيجية كبرى، مثل مشروع ري الجزيرة غربي البلاد ولا حتى الاهتمام بإنشاء أحزمة خضراء لحماية المدن من غزو الرمال. 

ونتيجة ذلك، صارت العواصف الترابية واقع حال في معظم فترات السنة، كما أن ينابيع كثيرة نضبت، وجفت جداول واختفت مسطحات مائية، كبحيرة حمرين في محافظة ديالى شمال العاصمة بغداد.

300 عاصفة في السنة

مدير عام الدائرة الفنية في وزارة البيئة عيسى الفياض، يشكو من قلة التخصيصات المالية والموارد المائية، لكبح العواصف الترابية التي قال إن أعدادها ستصل في السنة الواحدة، إلى 300 عاصفة بحلول 2055.

ولمواجهة ذلك، يذكر المتحدث باسم وزارة الزراعة حميد النايف، أن العراق يحتاج إلى زراعة أكثر من 15 مليار شجرة على الأقل، مع انحسار الغطاء النباتي وتقلص المساحات المزروعة.

وهناك من يرى أن الرقم مبالغ فيه كثيراً، فالأكاديمي المتخصص بالزراعة  صلاح حسام يرى أن “5 في المئة من هذا العدد من الأشجار كافٍ لزراعتها في مناطق البلاد الغربية، لتعمل كسدّ للغبار وتحسين بيئة المكان”،  لكنه يشترط اعتماد برنامج وطني تخصص له ميزانية عامة ضخمة، على أن تشترك في تنفيذه جميع المؤسسات الحكومية.

حسام يلفت إلى أن العراق يحل في المرتبة 181 على مستوى العالم من حيث نسبة الغابات لإجمالي مساحة البلاد إذ بلغت 1.9 في المئة من أراضيه، وهي نسبة متدنية جداً كما يقول، لبلد يجري فيه نهران.

 وحين توجهنا بالسؤال إلى وزارة الزراعة، عن دورها في التشجير، وجدنا أنها تقوم بمنح الأشجار المعمرة للجهة الرسمية التي تطلبها ولا شيء غير ذلك. واتضح أن مسألة التشجير والحزام الأخضر في المحافظات، أمر منوط بحكوماتها المحلية ولا دخل لوزارة الزراعة أو أي وزارة أخرى بها. 

الخبير الزراعي لقمان مصطفى، يشك بقدرة الحكومات المحلية  في الاعتماد على نفسها في تنفيذ مشاريع لمكافحة التصحر، إذ يرى أن الأموال التي يفترض رصدها لمشاريع مشابهة تفوق إمكانات المحافظات التي تشكو في الأصل من قلة المبالغ السنوية التي تحصل عليها لتنفيذ مشاريع في قطاعات مختلفة وبعضها معطلٌ منذ سنوات لعدم كفاية تلك المبالغ التي رصدت لها أو بسبب الفساد الذي يؤكد أنه مستشرٍ. 

ويكشف أن مناطق معينة من العراق كنينوى، تعاني في الأصل من بنية تحتية مدمرة بسبب الحرب على “داعش” (2016-2017)ن وتنتظر منذ نحو خمس سنوات أن تحصل على مبالغ كافية لإعادة إعمار مرافقها العامة التي ما زال خرابها ماثلاً للعيان: “ستكون مسألة إنشاء حزام أخضر على سبيل المثال بالنسبة إلى المواطن البسيط الذي يعاني من البطالة والفقر أمراً كمالياً، لأنه يفكر بالدرجة الأولى في توفير قوت يومه وعائلته وسقفٍ يحميه”.

تسانده في رأيه هذا مجموعة من باعة الخضار الجوالين في مدينة الرمادي، كانوا قد غطوا وجوههم باستثناء عيونهم التي تحاول أن تتلمس طريقها خلال عاصفة ترابية ابتلعتهم فجأة. 

قال أحدهُم ويدعى حازم فوزان، أنه لا يصدق أي مشروع عام تعد به الدولة، لأنه “إذا نفذ فسيكون بمواصفات سيئة والأموال التي صرفت عليه أو سرقت باسمه، مهدورة، ونحن الفقراء أولى بها”.

يؤيده الباقون بصوت واحد: “أي والله” ويقول آخر اسمه فرقد أدريس: “هذا الغبار غضب من الله علينا…”، ثم وبعد نوبة سعال يشير إلى السماء: “الله ينتقم منا لأننا سمحنا للسياسيين بأن يسرقونا، بل ونشجعهم كل أربع سنوات بانتخابنا إياهم”.  

في مدينة كركوك اكتست أسطح الأبنية والمركبات والأرصفة بطبقة من الغبار، فيما كانت كثافتها تحجب الرؤية في الطرقات، طوال يوم الاثنين 16 أيار/ مايو 2022. 

في سوق المدينة القديم، ركن كمال لقمان سيارته الأجرة بجانب الطريق، ومع ذلك كان قد ارتدى كمّامة ولف منشفة مبلولة بالماء حول رقبته، يحرك ماسحتي زجاج النافذة الأمامية مشيراً إلى آثار التراب التي شكلتاها على جانبي الزجاج من الخارج: “أمضينا عمرنا بين دخان حقول النفط، والآن العواصف الترابية”.

يرفع كمامته نحو الأعلى قليلاً، ويقول بشيء من السخرية “كنا نستخدمها لكورونا، والآن للغبار، وكلاهما فايروس قاتل”.

إقرأوا أيضاً:

التصحر والعواصف الرملية

الناشط والباحث يوسف الأشيقر يفرّق بين التصحر والعواصف الرملية بقوله “الأول يمكن وقفهُ أما الثاني فمستحيل”، ويشير إلى أن كل أرض رملية في العالم مجاورة لأرض طينية، ستتمدد عليها مع الوقت إذا لم نتخذ إجراءات حماية وعزل.

ويعتقد مثل كثيرين أنّ الأحزمة الخضر على أطراف الصحاري، هي الحل الأمثل لوقف امتداد التصحر وحماية الأراضي الزراعية الخصبة، فضلاً عن تحسين المناظر وترطيب الجو وزيادة إنتاج الأوكسجين ومنع بعض العواصف الرملية الخفيفة.

أما بالنسبة إلى العواصف الرملية (Dust Storms)، فيقول “لا توقفها أحزمة خضر ولا تشجير البيوت ولا بقية الحلول المضحكة التي يقترحها علينا الهواة هنا وهناك”.

ويوضح أنها ظاهرة مناخية بيئية جيولوجية عابرة للحدود والقارات. تأتي بارتفاعات عالية كحائط عملاق وتسير لمئات الكيلومترات ولا يمكن صدها لا بشجر ولا بحزام. وهي تعتمد على كمية الأمطار المتساقطة في منطقة ما في كل موسم. 

وكلما قلت الأمطار في المناطق الصحراوية والرملية، زاد احتمال تشكل عواصف رملية منها، “كما أننا لا نتحكم بكمية الأمطار المتساقطة على صحرائنا وعلى صحاري الدول المجاورة فبالتأكيد لا يمكننا التحكم بالعواصف الغبارية الآتية إلينا ولا حتى توقعها. وباعتبارنا تلقينا في العراق والمنطقة خلال الشتاء الماضي أقل كمية أمطار في الأربعين سنة الأخيرة فليس من المستغرب أن نتعرض اليوم لأكبر عدد من تلك العواصف”.

الاستعداد والتكيف

ويعلق الأشيقر على القائلين بإمكانية زراعة الصحراء وجعلها خضراء بقوله “من المستحيل زراعة الصحراء لسبب بسيط إضافة إلى التكلفة المهولة، هو كيف ومن أين نأتي بالماء لري هذا الزرع؟ ولنفترض جدلاً أننا زرعنا كل الصحراء العراقية وسقيناها فماذا عن صحراء الدول المجاورة لنا؟ بل إن صحارى أفريقيا تنطلق منها بعض العواصف التي تصل إلى مدننا ومنطقتنا”.

إذاً ما الحل لمواجهة العواصف الرملية؟ 

يجيب الأشيقر بكلمتين “الاستعداد والتكيف”، وذلك بتطوير وسائل التنبؤ المبكر وتحديد مسارات تلك العواصف وشدتها والإعلان عنها وتطوير آليات العزل الهوائي في البيوت لمنع دخول الغبار قدر الإمكان، وتحضير المستشفيات وخدمات الطوارئ لحالات الاختناق المصاحبة، وإبلاغ المطارات والمسافرين للاستعداد باكراً. كذلك نشر الوعي المروري بشأن القيادة في أوقات العواصف الرملية، وغلق بعض الشوارع والطرق السريعة والتقاطعات الأكثر خطراً. وتنبيه أفراد القوات المسلحة وبخاصة في المواقع البعيدة والمعزولة لأخذ الحيطة والحذر. “هذا ما يمكن فعله لا غير”، يقول الأشيقر مختتماً كلامه.

مشاريع تشجير فاشلة

الباحث عاهد الحمامي يرى أنه على خبراء المناخ والبيئة في العراق إجراء المزيد من البحوث المتخصصة لتحليل ودراسة الوضع الشامل للعواصف الترابية التي تجتاح البلاد والأسباب التي تؤدي إلى تشكلها. 

على أن يعتمد التحليل والتفسير بنحو رئيسي على صور الأقمار الصناعية والبيانات الجوية المتكررة في أوقات مختلفة من العام، بخاصة أن هذه البيانات متوفرة مجاناً في أرشيفات الأقمار الأميركية والأوروبية. 

 مع توالي العواصف الترابية وزيادة حدتها بدءاً من الدخول في موسم ربيع 2022، ظهر محافظ نينوى نجم الجبوري، في تصريح متلفز يؤكد فيه طلبه من مدير بلدية الموصل المهندس عبد الستار الحبو، فرض زراعة شجرة أو أكثر على كل شخص يقوم ببناء دار سكنية داخل مدينة الموصل. 

هذا التصريح قوبل باستهجان متخصصين عدوا ما قاله المحافظ مجرد تسويق إعلامي لن يسفر عن نتائج عملية ملموسة، فقد ذكر المهندس الزراعي جعفر قاسم محي الدين، أنه من الجيد إلزام المواطنين بزراعة الأشجار، لكنه تساءل “كم منزلاً يتم بناؤها في الموصل خلال السنة الواحدة؟ “.

ثم يعود ليجيب نفسه “لنفترض، والرقم مبالغ به كثيرا، ان هنالك 1000 منزل يبنى في الموصل، سنويا، هذا يعني زراعة 2000 شتلة، إذا ألزم كل واحد بزراعة شتلتين، سنحتاج إلى 10 سنوات لزراعة 20000 شجرة، بينما سرعة زحف الرمال في غرب وجنوب نينوى تقدر بخمسة إلى عشرة كيلومترات سنوياً”.

ولفت إلى أنه كان شاهداً على مشاريع تشجير كثيرة في الموصل خلال السنوات العشر الأخيرة، وذلك من خلال حملات قامت بها بلدية الموصل أو منظمات تطوعية، لزراعة شتلات أشجار في الجزرات الوسطية للشوارع الرئيسية. 

لكن لم يبق أي أثر لتلك الأشجار بعد فترة وجيزة “إما لأنها لم تسقَ أو تم التجاوز عليها من قبل الموطنين والرعاة الذين يجوبون بماشيتهم شوارع المدينة”. 

ويقترح محي الدين أن تقوم الإدارات المحلية في المحافظات بتشجيع المواطنين على زراعة الأشجار في حدائقهم المنزلية أو على أرصفة بيوتهم، مقابل تحفيز مادي، بخصم نسبة 5 أو حتى 10 في المئة من أجور المياه أو الكهرباء، لكي يلتزم المواطن لاحقاً بالعناية بما زرعه ولا يهمله كما فعلت الجهات الحكومية بآلاف الشتلات التي لم تنم أبداً، على حد تعبيره. 

وعلى الرغم من أن العراق وضع التصحر في خطته الإستراتيجية 2015 -2030، في الباب رقم(15)، ولكن بعد مرور سبع سنوات لم تظهر مؤشّرات على جدية الحكومات العراقية المتعاقبة في تنفيذ مشاريع لمكافحته.

ويفسر ذلك محللون ومتابعون للِشأنين السياسي والاقتصادي، بوجود أولويات أخرى، تتعلق بالخدمات والصحة، في حين أن معالجة التصحر سيعني وفقاً لما يقولون، انتعاشا زراعيا وازدهارا في الثروة الحيوانية مما يعني تحريك عجلة الاقتصاد وتقليل الاعتماد على المنتجات الزراعية والحيوانية المستوردة.

وحتى المبادرات التي قامت بها بعض المحافظات لإنشاء حزام أخضر يقيها زحف الرمال، باءت بالفشل وتبددت الأموال الطائلة التي رصدت لها، ومنها مشروع كان يفترض أن يلف مدينة كربلاء بطول 70 كيلومتراً وبعرض 100 متر، إلا أن ما تم تنفيذه منذ 2016 تجاوز 50 في المئة بقليل فقط.  

مشروع وطني

ومن خلال بحثنا عن إمكانية وجود خطط ومشاريع وطنية عملية قابلة للتطبيق لإنقاذ العراق من خطر التصحر الداهم، وجدنا أن وزير الموارد المائية السابق حسن الجنابي، قد أعد اقتراح مشروع أسماه “الحزام الوطني الأخضر”، واصفاً إياه بـ”خط الدفاع الأول لمقاومة زحف الرمال ووقف تمددها عند غرب نهر الفرات”.

يفترض أن يستغرق إنشاء المشروع بين 5-10 سنوات، وأن يقسم إلى مراحل  تبدأ من شمال مدينة الموصل حتى جنوبي البصرة، بطول 1000 كلم تقريباً، وبعرض من 1 إلى 5 كلم، وأن يتألف من غطاء نباتي تشكله أشجار مثمرة وغير مثمرة وأعشاب تنمو في بيئة حارة.

ويقدّر الجنابي حاجة مشروعه لزراعة 220 مليون شجرة، بكلفة تتجاوز مليار دولار، وأنظمة ري متنوعة لتغطية كامل المساحة بكلفة تتراوح بين 600 إلى 1.5 مليار دولار، ونحو 22 مليون دولار، لإنشاء عشر مجمعات سكنية للعمال والمشغلين وغيرهم، وتوفير الكهرباء لأنظمة الري. فضلاً عن كلف أخرى لفتح وتعبيد طرق جديدة واستملاك الأراضي وحفر الآبار وتحلية المياه، على أن ترصد مبالغها من ميزانيات تنمية الأقاليم في المحافظات التي سيمتد فيها الحزام، ومن خلال استثمارات أجنبية وقروض ومنح دولية، وأن تقوم الحكومة باستحداث وزارة خاصة أو هيئة، تكون مهمتها الإشراف على تنفيذ المشروع والتواصل مع الجهات الدولة وإبرام التعاقدات معها.  

ويعتقد الجنابي أن مشروعه سيسهم وبنحو فعلي في وقف زحف الرمال ومنع وصولها إلى العمق العراقي، وحماية خصوبة أرض وادي الرافدين ورفع مستوى الإنتاج الزراعي وإيقاف التدهور البيئي وحماية التنوع الاحيائي المهدد بسبب التغيرات المناخية وارتفاع حرارة سطح الأرض.

فضلاً عن خلق فرص عمل لآلاف المواطنين العراقيين من مختلف المحافظات وتحريك الاقتصاد الوطني وخلق حالة تضامن عامة لإنجازه وتعزيز إمكانات البحث العلمي وتطوير القدرات في مجالات الطاقة المتجددة والبيئة والهندسة، وفتح فرص الاستثمار في العراق والاستفادة من التجارب العالمية الناجحة في ميدان التشغيل ومكافحة التصحر والتسويق والإدارة والتنسيق والتصدير، وتحقيق الوقاية من الأمراض التي تسببها العواصف الترابية للسكان وتقليل الضغط على المستشفيات والمستوصفات الوطنية وتوفير كلف العلاج.

حصاد المياه

البروفيسور مروان متعب آل سيد وضع هو الآخر مشروعاً بوسعه وفقه أن ينقذ العراق من الجفاف والتصحر ونشر الاخضرار والازدهار  لعموم مناطقه، ويحدث نقلة نوعية زراعية ويعمل على تعزيز الأمن الغذائي والمائي.

ويرتكز مشروعه على بناء 200 سد صغير على طول نهر دجلة والفرات، للاستفادة من مياه بحيراتها في الزراعة والصناعة والسياحة والسكن والمناخ، ما يؤدي إلى استغلال أمثل  في زراعة السهول الفيضية (Flood Plains) المحيطة بالنهرين والبالغة مجموع مساحاتها نصف مليون دونم، والتي فيها تربة خصبة جداً (Fluvial Soil) ومياه وفيرة، وستنجح فيها كما يأمل زراعة الفواكه والخضار والأعشاب  الدوائية واستخدام وسائل الري الذكية وتوفير البنية التحتية من سكن وطاقة مستدامة وطرق وخدمات صحية وتعليمية في هذه السهول وإنشاء شبكة من أنابيب تصريف المياه الثقيلة ومحطات المعالجة في مواقع السكن في السهول الفيضية وقرب السدود، وتشييد معامل تكنولوجية صغيرة وكبيرة للتصنيع الزراعي -تعليب وتجفيف وتجميد وتصنيع دوائي- في هذه السهول قرب السدود وتنمية الثروة السمكية من خلال إقامة بحيرات زراعة الأسماك قرب هذه السدود واستخدام التكنولوجيا الحديثة في تربية الثروة الحيوانية واستثمارها في بحيراتها.

ويقول بأن هذه السدود ستلبي كذلك متطلبات حصاد مياه الأمطار في العراق، لأن كافة الوديان وتفرعاتها في عموم  العراق تصب مياهها في فروع نهري دجلة والفرات، ما سيخلق “ثروات مائية متجددة وهائلة وغير ناضبة، مجمّعة في هذه السدود المتدرجة على طول العراق وعرضه، ولا تذهب إلى الخليج بخاصة في السنوات الممطرة”.

وتضاف إلى ذلك إمكانية سحب المياه من هذه السدود إلى مناطق شرق وغرب فروع النهرين لتغطية مساحة العراق بما فيها مناطق الجزيرة، الصحراء الغربية، وذلك باستخدام الأنابيب العملاقة والمتفرعة لري المحاصيل الإستراتيجية كالحنطة والشعير والذرة  والفواكه والخضار بزراعة مقننة وذكية، وضخ المياه من البحيرات من طريق شبكة الأنابيب العملاقة الى كافة القرى والنواحي العراقية وإنشاء محطات للتصفية والتنقية لأغراض الاستهلاك البشري والحيواني.

ومن شأن ذلك بحسب رؤيته، تعظيم الثروات المائية الجوفية وتحسين التربة والمناخ والقضاء على موجات الغبار والعواصف الترابية، من خلال زراعة ملايين الأشجار والغابات في الجزيرة و المناطق الجرداء و القضاء على ظاهرة التصحر.

ويعتقد البروفيسور مروان بأن مشروعهُ الذي يعده ثورياً، أفضل من إنشاء سدود كبيرة تكلف الدولة مئات الملايين من الدولارات، فضلاً عن تكاليف مماثلة لاحقة للتشغيل وحقن الأسس. وتتسبب بتغييرات في خصائص المياه وترفع معدلات الرطوبة وهدر كميات كبيرة من المياه بسبب تبخرها، إضافة إلى أن السدود الكبيرة “معرضة لهزات أرضية وصدوع حركية قد تؤثر على جسم السد وتحول ترب السهل الفيضي للنهر ما بعد  السدود إلى ملحية غير مفيدة للزراعة وتغمر قرى بأكملها وتهجر سكانها حين يتم إنشاؤها”.

مشروع ري الجزيرة

قد تظل الخطط والمقترحات حبراً على ورق الانتظار، لكن ثمة مشاريع استراتيجية كبرى في العراق، كانت قد أقرت في عهد النظام السابق ورصدت لها الأموال وتم تنفيذ أجزاء منها، وبعد 2003 قدمت بعض الدول قروضاً ومنحاً لإنجازها، لكن هذا لم يحدث أبداً.

كان أهمها مشروع ري الجزيرة غربي محافظة نينوى، الذي يعد واحداً من أهم مشاريع الري، ليس في العراق فحسب، بل على مستوى المنطقة العربية والشرق الأوسط بنحو عام. 

يتألف من ثلاثة أجزاء أو أقسام (شمالي وشرقي وجنوبي) تؤمن مياههُ من بحيرة مشروع سد الموصل المقام على نهر دجلة شمالي العراق (35 كلم شمال الموصل) وكان يفترض أن يغطي مساحة تزيد عن 750 ألف دونم بواقع 250 ألف دونم لكل جزء (الدونم بموجب التشريعات العراقية يعادل 2500 متر مربع).

ويقول مدير المشروع بأن العمل به بدأ في ثمانينات القرن المنصرم، وتوقف بسبب تداعيات حرب الخليج الثانية 1991 والعقوبات الدولية التي فرضت على العراق واستمرت زهاء 12 سنة: “في حال تنفيذه، سيتغير شكل نينوى، ويتم القضاء على الجفاف والتصحر، وتحويل الأراضي الميتة إلى مروج خضراء بنفع اقتصادي وأمني واجتماعي وسياحي وبيئي لعموم العراق” يقول مدير الموارد المائية. ويتابع بأسف “الجزء الوحيد الذي أنجز لكن بنحو غير مكتمل، ويعمل في الوقت الراهن بأقل من نصف طاقته هو قسم المشروع الشمالي”. كما أن أعمال إنجازه لم تكتمل على الرغم من استئنافها بعد 2003، فقد توقفت مجدداً أثناء سيطرة تنظيم “داعش” على الموصل ومدن عراقية أخرى بين 2014 و2017، وتسببت المعارك خلال تلك الفترة بأضرار بالغة لحقت بالمحطات وشبكات فروع المشروع.

وبعد استكمال حرب تحرير نينوى من داعش، باشرت وزارة الموارد المائية وبدعم من منظمات دولية، في مقدمتها منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة-الفاو- بإعادة تأهيل المرحلة الأولى من مشروع القسم الشمالي والذي يغذي 100 ألف دونم.

والعمل جارٍ الآن لتأهيل وتشغيل المرحلة الثانية من القسم نفسه بمساحة 100 ألف دونم أيضاً، ويتوقع المدير أنجازه خلال العام 2023، مشيرا إلى أن المرحلة الثالثة ستغطي مساحة 40 ألف دونم وسيتم المباشرة فيها فور الانتهاء من المرحلة الثانية. وبحسب توقعات موظفين في وزارة الموارد المائية فإن القسم الشرقي للمشروع، قد يباشر به في النصف الثاني من 2022.

القسم الشرقي

ويقول المهندس القيّم على مشروع ري الجزيرة الشرقي خالد الحسو أن المشروع يتغذى من بحيرة سد الموصل شمالا ويغطي 250 ألف دونماً ويمتد في مناطق سهل نينوى (تلكيف، بعشيقة، والحمدانية، وبرطلة والنمرود) وينتهي بقرية العدلة بالقرب من منطقة الزاب جنوب شرق الموصل، بطول كلي يبلغ 82 كم “في أراضٍ تصنف على أنها جيدة جدا وممتازة، ما يعني أن الانتاج الزراعي فيها سيكون بمستوى عال جداً”.

وكانت وزارة الموارد المائية قد وقعت في تشرين أول / أكتوبر 2009، عقداً مع شركة تركية لتنفيذ الجزء الشرقي من مشروع ري الجزيرة، لكن العمل توقف بسبب سيطرة تنظيم داعش على المنطقة سنة 2014، ولم تنجز منه أي مرحلة.

ويرهن الحسو مدة انجاز هذا القسم من مشروع ري الجزيرة، بتوفر التمويل، فإذا تم رصد مبالغ كاملة تغطي تكاليف إنجازه، يتوقع أن يستغرق العمل بين 5 إلى 6 سنوات. وأكد مجدداً أهمية المشروع كونه سيسهم بتحويل محيط الموصل إلى منطقة زراعية وسياحية، وتوفير آلاف  فرص العمل خلال التنفيذ وبعده.

أسئلة كثيرة حاولنا إيجاد أجوبة بخصوصها عن الجزء أو القسم الجنوبي لمشروع ري الجزيرة الذي يعد الأهم، لأنه في حال إنجازه سينتشل قضائي بعاج والحضر وناحية تل عبطة (غربي وجنوبي نينوى)من التصحر وينهي زحف الرمال بنحو نهائي ومعها العواصف الترابية، ويغطي حاجة البلاد من الحبوب (الحنطة والشعير) بل ويحولها وفق موظفين في زراعة نينوى، إلى مصدر للحبوب والكثير من أصناف الخضر والفواكه.

لكننا لم نجد أي تصاميم وضعت له، وأن ما حدث، هو مجرد نقاش يتكرر بشأنه بين الحين والآخر في وزارة الموارد المائية، لكن دون إجراء ملموس لعدم وجود تخصيصات مالية.

لكن موظفاً في الوزارة، طلب التحفظ على اسمه، أخبرنا أن هذا القسم كان من الأولويات بالنسبة لوزارته وكن يفترض أن يتم إنجاز عدد من مراحله (محطة الضخ والتوليد وقناة التغذية) بتمويل من قرض ياباني بعد توقيع اتفاقية بهذا الخصوص في 2009.

لكن آخر ما يتعلق بالمشروع هو قيام استشاري ياباني يدعى سانيو بتحديث جدواه الاقتصادية وأن اجتماعات ونقاشات مستفيضة أجريت بين وزارات الموارد المائية والزراعة والتخطيط بشأنه، بغية وضع التصاميم الخاصة بالمشروع، لكن ذلك لم يحدث بسبب الأحداث الأمنية في نينوى وسيطرة داعش عليها في حزيران/ يونيو 2014.     

فريق نينوى الاستقصائي – أنجز التقرير بدعم وإشراف من مؤسسة “نيريج” للتحقيقات الاستقصائية

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
ميزر كمال- صحافي عراقي
بمعدل 22 حادثاً مرورياً في اليوم الواحد، و6 قتلى، تتفوق حوادث السير على معدلات العنف الناتجة من العمليات الإرهابية في العراق.
Play Video
باستخدام أدوات تكنولوجية مختلفة، كالقصص التفاعلية وتقارير 360 درجة ومقاطع فيديو ورسوم متحركة، استطاعت منصة Tiny Hand تغطية المعاناة والأثر الذي تتركه الحرب على الأطفال وايصالهما الى العالم.

4:41

Play Video
الكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية والناشطة اللبنانية غوى أبي حيدر والناشط السياسي الكويري ضومط قزي الدريبي ضيفا هذه الحلقة من بودكاست “نون” للحديث عن المثلية الجنسية وتصاعد الحملات المعادية لها في الآونة الاخيرة. المحزن ان ملاحقة العلم او الراية بات يشبه حملات مطاردة الساحرات في منطقتنا. تكثر الاخبار من حولنا عن سحب رواية، منع فيلم، مطاردة شعار، ومصادرة ألعاب أطفال لأنها تحمل ألوان قوس قزح، فضلا عن خطابات التحريض والكراهية والملاحقات القانونية والوصم الاجتماعي، وهو ما تكرر في أكثر من دولة بذرائع أخلاقية ودينية. غوى أبي حيدر وهي ناشطة وكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية. كتبت سلسلة مقالات عن انتحار الناشطة المصرية سارة حجازي قبل عامين بعد ان سجنت بسبب رفعها علم قوس قزح/ شعار مجتمع الميم وتم اضطهادها ونفيها بسببه الى ان انتحرت. اما الناشط السياسي ضومط قزي الدريبي، فقد شارك في كثير من نشاطات الحراك الاعتراضي السياسي في لبنان في السنوات الاخيرة، لكنه واجه حملات ضده مستغلين هويته الجنسية.

51:48

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني