رحلة في فلسطين من رام الله إلى الجولان… 

لا ينبغي لك أن ترى جدار الفصل العنصري لكي تعرف أنك في أراضي الضفة الغربية، فالطريق نفسه يخبرك. بين طرقات فلسطين 1948 وطرق الضفة فرق كبير، إلا في المناطق التي يستخدم المستوطنون الإسرائيليون طرقاتها.

في منتصف آذار/ مارس 2022 كانت زيارتي الخامسة إلى فلسطين، من رام الله العاصمة الواقعية الحالية ومدن الضفة الأخرى كنابلس وجنين إلى مدن فلسطين 1948 كالناصرة وحيفا ونهاية المطاف في قرى الجولان السوري المحتل. 

زيارتي فلسطين لم تكن للسياحة والاستجمام، بل زيارة عمل ومراقبة، لاستكشاف الأوضاع، لا سيما في مدن الضفة. تزامنت زيارتي مع الانتخابات المحلية في الضفة الغربية والقدس الشرقية بعد إلغاء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التي كانت مقررة في الشهر الرابع من هذه السنة. من السهل مراقبة ما يحصل في فلسطين لأن الاعتداءات والانتهاكات والسرقات لا يمكن أن تخفى خلف جدار الفصل العنصري ولا خلف بعض “التحسينات” هنا أو هناك. السمة المشتركة لأهل فلسطين في الضفة أو مناطق 1948، هي الصمود في وجه إلغاء الوجود الفلسطيني. زيارة فلسطين تعزز إيمانك بكم أنها باقية. 

الخطوة الأولى

ما إن تعبر جسر “الملك حسين”، حتى يختلط مزاجك برائحة الحب. فلسطين هي الحب غير المشروط، الحب الذي لا يقبل التقسيم عبر قرارات وهمية بعيدة من التنفيذ. على الجسر أسئلة كثيرة توجه إليك قبل منحك ورقة الدخول، بينما يصطف الفلسطينيون والفلسطينيات في صفوف قهر وإساءة معاملة، للعودة  إلى أرضهم وبيوتهم في الضفة الغربية. إنه الذل اليومي الذي يعانيه الناس أثناء عبورهم نحو الأردن ثم عودتهم إلى ديارهم. 

القدس أو مدينة الصامدين

ليس لك إلا أن تنحني وأنت تقف أمام باب العمود وبوابة دمشق؛ فالشموخ الفلسطيني هناك لا يقل عن الصمود في وجه محاولات يائسة لسلب المكان هويته وأصحابه. على درج باب العمود يقف رجل فلسطيني في أوائل السبعينات من عمره يبيع الفول والترمس منذ أربعين عاماً. “هناك روح من دمشق هنا” قال لي حين علم من أين أتيت. أشار إلى منزله الذي يقع على زاوية باب العمود وسرد لي بأنهم، أي الغزاة، دفعوا له ستة أضعاف ثمن منزله ورفض بيعه. “سجلت بيتي باسم الأوقاف حتى لا يستطيع أولادي بيعه إن أرادوا، فالفلسطيني لا يبيع أرضه”. كنت أرى الكبرياء يقطر من عينيه والصمود ينهمر من وجهه. مع الدخول إلى المدينة القديمة، تتدفق أصوات الباعة الفلسطينيين بدءاً بتلال الخضار الطازجة مروراً بالصناعات التقليدية الفلسطينية. رائحة فلسطين تغمر المكان، يزعجها مرور بائس لجنديين بسلاح بائس، يتلفتان في كل مكان خائفين غريبين. على المداخل المؤدية إلى المسجد الأقصى رجال مسلحون، بعضهم يتكلم العربية. يسألونك عن دينك إذا ما أردت دخول المسجد الأقصى. القدس تمنحك كماً غير محدود من أمان الروح برغم الحزن الذي يملأها، وتعطيك نشوة بأن أصحابها ما زالوا هناك بروحهم وعزمهم. 

رام الله

مدينة الازدحام المتواصل، ازدحام في الألم، وازدحام في الأمل. ينتظر الباعة الخلود لخساراتهم في آخر النهار. على جدرانها شعارات الانتصار المفترض. قال لي سائق التاكسي “أعطني زاوية في أي مكان وخذ فلسطين”. إنها تنهدات اليأس.  أما الصبية التي تمشي على بعد أميال بجانبي، فتخاف ونحن نمر من أمام المقاطعة، حيث مركز سلطة الرئيس “الأسطوري” تحذرني: “لا تلتفت، لا تتكلم، لا تشتم، فقد ينتهي نهارنا في قسم ما لشرطة الرئيس”. “وهل من سجون هنا؟” سألتها. قالت: “نعم، هناك سجن أريحا التابع للمقاطعة”. 

رام الله المدينة التي تنام على فوضى مرور سياراتها بزماميرها الأسطورية التي لا تنام، تزينها بنايتها البيضاء الجديدة والقديمة. مدينة تنمو بسرعة كبيرة. يبدو أنها تنمو لتكون العاصمة لأي دولة قد تولد أو عاصمة لشعب لا يُعترف به بأنه شعب. 

كفر عقب

مدينة بين قلندية ورام الله، لا هي تابعة لسلطة رام الله ولا هي تحت سلطة الاحتلال الفعلية. تابعة بالفعل لبلدية القدس، لكن تحكمها فوضى البناء المتواصل بشكل عشوائي وفوضى السلاح كما يقال هناك. هي تابعة لمحافظة القدس لكنها تقع خلف جدار الفصل العنصري. “كل يوم ترى بناية ضخمة مبنية بدون ترخيص أو تخطيط”، قال لي أحد سكانها المقدسيين الذي رحل إلى كفر عقب لأنها أرخص من القدس. بحسب كثيرين تقوم السلطات الإسرائيلية هناك بتسهيل الفوضى والمخدرات والبناء العشوائي، حتى ينتقل الفلسطينيون من القدس إليها وتصبح القدس “لهم”. تقع كفر عقب بالقرب من المطار القديم- حين كان هناك مطار- وتقع بالقرب من حاجز قلندية، الحاجز الذي لا يتعب الفلسطينيون من الاشتباك عنده مع القوات الإسرائيلية. إنه حديث يومي. وفي أحيان كثيرة، يرفض سائقو الأجرة الذهاب باتجاه الحاجز، “في اشتباك ما فينا نروح”. الاشتباك هو فعل المقاومة اليومي. 

نابلس

المدينة التي تضمها الجبال من كل مكان، مدينة الكنافة النابلسية والشوارع العتيقة التي تمتد إلى آخر القلب. إنها دمشق الصغرى كما يسميها أهلها النابلسيون، وهي فعلاً وجه من دمشق، شوارعها، حاراتها الضيقة، جدرانها، نوافذها، عيونها ولهجتها النابلسية قريبة من دمشق أيضاً. الفرق الوحيد بينها وبين دمشق، أنها أكثر حرية من الأخيرة، فالقوات الإسرائيلية لم تستطع قمع الحريات فيها. تلك الساعة القديمة في وسط شارع المدينة القديمة، تذكرك بالزمن القديم وتنبهك إلى أن فلسطين باقية وأن الزمن زمنها.

جنين

لكي تدخل إلى جنين من معبر الناصرة تحتاج إلى المرور عبر قفص معدني طويل مزود بكاميرات مراقبة. الطريق من الناصرة إلى المعبر نظيفة منظمة، بيوت فخمة على جانبي الطريق، لكن ما إن تدخل في الجهة المقابلة، إلى جنين، حتى ترى آثار الاحتلال البائسة من طرق محفرة، روائح تسيل الدموع، سيارات مهترئة، والأغرب صورة احتلال مقيتة. جدران مدينة جنين تخبرك حكاياتها. على كل جدار حكاية لشهيد وصورة لشهادته. جنين تلك الشوكة القوية في حلق إسرائيل. على وجوه أهلها وعابري طرقها كبرياء جميل. سائق الأجرة يتكلم عن التصميم الذي لا يذبل، عن الوصول المؤكد إلى الغاية المنشودة، فلسطين حرة. 

على الطريق الذي يستغرق ساعتين من جنين إلى رام الله، جلست بجانب السائق الذي راح يشرح لي ما نراه ويقاطعه صوت الزمامير بين فينة وأخرى. 

بعد صمت قصير، راح السائق يحدثني:

أترى تلك التلة هناك؟ أخذوها، أخذوا كل شيء. 

كان مدركاً أنني أعرف قصده وأعرف من “هم”. تابع “إحنا اللي روحنا كلشي”.

عدت لأحاول أن أستمتع قليلا بذلك الخضار الذي يحيط بالمكان كله، حتى استفقت على صوت السائق “انتبهوا، حاجز”. 

جنديان يتنقلان بين السيارات وآخران يتمركزان فوق كتلتين اسمنتيّتين ببنادق آلية وأصابعهما على الزناد. ما يجمع هؤلاء الجنود هو الخوف، الخوف الواضح في عيونهم وفي أياديهم. حين تمر بين حاجز متنقل أو ثابت، يمكنك ببساطة أن ترى من الخائف. 

“وصلنا إلى مرحلة ألا نخاف منهم تحت أي ظرف”، قال لي السائق مفتخراً. 

مررنا بسرعة لنعبر حاجزاً آخر، ثم موقع حاجز مهجور قبل رام الله بقليل، حاجز قام الفلسطينيون هناك بعملية ضده فهجرته القوات الإسرائيلية في ما بعد. 

لا ينبغي لك أن ترى جدار الفصل العنصري لكي تعرف أنك في أراضي الضفة الغربية، فالطريق نفسه يخبرك. بين طرقات فلسطين 1948 وطرق الضفة فرق كبير، إلا في المناطق التي يستخدم المستوطنون الإسرائيليون طرقاتها. 

إقرأوا أيضاً:

الجولان

ما إن تقترب من مجدل شمس حتى تطل عليك تلك التلال الحزينة النائمة خلف شريط شائك قاسٍ. تلال تتخيلها مملوءة بالدم والقهر، قذائف وقتال ونظام يقصف شعباً كاد ينتهي. لا يمكن أن تعبّر عيناك ذلك الشريط الفاصل بين بيتين وبين قلبين. إحدى التلال ما زالت على حالها منذ سنين، تلة تدعى تلة الصيحات. هناك كان الناس يتجمعون ليصيحوا لأهلهم في الجهة المقابلة. تلة الصيحات تبدو الآن خالية إلا من صدى عتيق. أنا هنا، على هذا الجانب، فالأهل ينتظرون كل يوم سماع الأخبار المحزنة من الضفة الأخرى. 

بداية دخولك الجولان، أول ما يلفت نظرك هو ذلك الشريط الشائك، البسيط مقارنة بالشريط الفاصل، الذي يلف أماكن معينة مع لافتات صفر معلقة عليه ومكتوب عليها “احترس ألغام”.

تلّ الفخار 

يتربع تل الفخار على منطقة عالية تشرف على منطقة الكرمل بكاملها. هناك بنى الجيش السوري تحصينات هائلة فلم تتمكن أي آلات حربية أن تصلهما من الأسفل. حسب صديق كان معنا، تم صد الهجوم الإسرائيلي ثلاث مرات وتمرد الجنود على أوامر قيادة المجرم حافظ الأسد. خنادق طويلة، وعميقة وآثار حزن ويأس. على سقف أحد الخنادق المطلة على الكرمل، كتب جنود سوريون أسماءهم، من القامشلي وحماه وغيرهما. وقفت في منتصف الخندق وبدأت أقرأ الأسماء، ثم حاولت أن أشم جدران الخندق فلعلني أشتم رائحة دموعهم ولون خوفهم ومرارة إحباطهم من قيادة خائنة. تمنيت لو أني أو أي شخص آخر يمكن أن يصل عائلاتهم ويخبرهم بأسمائهم، فلعل ذكرى جميلة تزورهم. تل الفخار هو علامة فارقة لحزن الجولان.

عين فيت

قبل تل الفخار بقليل، يأخذك الطريق الترابي بحفره وملامحه المتجعدة بفعل الزمن، إلى حيث قرية عين فيت على تلة جولانية، لم يبق فيها سوى الحجارة السود المهدمة التي رفضت أن تنزح مع النازحين والنازحات. بيوت نصفها مهدم ونصفها باق ليخبرنا عما حدث هناك في تلك الليالي المقيتة. غرف نوم ما زالت صامتة، هناك كان أطفال ينامون على هواء الجولان وهناك كانت الكلمات تدور بين خطوط الحجارة البازلتية السود، وفجأة زارها الخوف ثم الرحيل. هناك أساسات بيوت بدأ أصحابها ببنائها ثم أتت الكارثة. لم يقرروا الرحيل إنما الرحيل نفسه أخذ القرار. أين تلك العائلات الآن؟ بدأت أتخيل السؤال وأتجاهل الجواب في آن معاً. قد يكون كثيرون من أحفاد من نزحوا في سجون المحتل على الجانب الآخر من الجولان، أو قد تكون بيوتهم دمرت وتعرضوا للنزوح الثاني، ربما قطعوا البحار بمراكب مطاطية للخلاص من المحتل “الوطني”. لا يمكن الذهاب قبل بناء علاقة عاطفية مع هذه الحجارة البازلتية الحنونة. 

كنيسة الجولان المهجورة

بعد مفرق “بانياس الداخل” بقليل، تمكنك رؤية كنيسة مهجورة يرهقها الانتظار. ينظر الصليب في كل الجهات، كيف له أن يبقى وحيداً كل هذه السنين الطويلة بدون رائحة أنفاس المؤمنين! لا يحد الكنيسة من كل الجهات أي باب أو بوابة ولا بيت يصنع النبيذ أو كاهن يدور بالماء المقدس على المصلين والمصليات. إنها الوحدة أيتها الكنيسة المنتظرة. يقول لي صديقي فوزي أنه كان يعرف كثيرين من زوار تلك الكنيسة ولم يبق أحد منهم، أو لم يصل أي مرسال منهم، وبقيت الكنيسة حيث هي، باستثناء بعض الصدأ على جوانب نوافذها. إنها كنيسة قيامة الذكرى المقدسة.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
ميزر كمال- صحافي عراقي
بمعدل 22 حادثاً مرورياً في اليوم الواحد، و6 قتلى، تتفوق حوادث السير على معدلات العنف الناتجة من العمليات الإرهابية في العراق.
Play Video
باستخدام أدوات تكنولوجية مختلفة، كالقصص التفاعلية وتقارير 360 درجة ومقاطع فيديو ورسوم متحركة، استطاعت منصة Tiny Hand تغطية المعاناة والأثر الذي تتركه الحرب على الأطفال وايصالهما الى العالم.

4:41

Play Video
الكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية والناشطة اللبنانية غوى أبي حيدر والناشط السياسي الكويري ضومط قزي الدريبي ضيفا هذه الحلقة من بودكاست “نون” للحديث عن المثلية الجنسية وتصاعد الحملات المعادية لها في الآونة الاخيرة. المحزن ان ملاحقة العلم او الراية بات يشبه حملات مطاردة الساحرات في منطقتنا. تكثر الاخبار من حولنا عن سحب رواية، منع فيلم، مطاردة شعار، ومصادرة ألعاب أطفال لأنها تحمل ألوان قوس قزح، فضلا عن خطابات التحريض والكراهية والملاحقات القانونية والوصم الاجتماعي، وهو ما تكرر في أكثر من دولة بذرائع أخلاقية ودينية. غوى أبي حيدر وهي ناشطة وكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية. كتبت سلسلة مقالات عن انتحار الناشطة المصرية سارة حجازي قبل عامين بعد ان سجنت بسبب رفعها علم قوس قزح/ شعار مجتمع الميم وتم اضطهادها ونفيها بسببه الى ان انتحرت. اما الناشط السياسي ضومط قزي الدريبي، فقد شارك في كثير من نشاطات الحراك الاعتراضي السياسي في لبنان في السنوات الاخيرة، لكنه واجه حملات ضده مستغلين هويته الجنسية.

51:48

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني