انتخابات لبنان : حرب بين نسب المشاركة وتغوّل ماكينات السلطة 

مايو 15, 2022
هذا "الضجيج" العالي مردّه إلى تأزّم واضح لدى المنظومة، التي تحاول عبر رفع الصوت الطائفي والعصبي عالياً شدّ الهمم ودفع الناس، بالغرائز، إلى الصناديق بدل ترك المجال لهم للتفكير والاختيار الحرّ بعيداً من الضغوط.

لولا الساعة، لا بل الدقائق الأخيرة قبل إقفال صناديق الإقتراع، والتي شهدت “صحوة” نسبية في إقبال الناخبين على مراكز الإقتراع، لأمكن القول إن نسبة التصويت المتدنّية هي السمة الطاغية على الإنتخابات النيابية التي أنجزها اللبنانيون في هذا اليوم الطويل. بدا بوضوح أن أهمية الإنتخابات ومفصليتها و”تاريخيتها” المفترضة بعد الإنهيار الإقتصادي وثورة اللبنانيين، وتجييش المنظومة بأحزابها وطوائفها للتصويت، لم تجد نفعاً في دفع الناس إلى الذهاب بنسب كبيرة إلى الصناديق. بل إن النسبة الأكبر من اللبنانيين لزمت بيوتها، في مقاطعة غير معلنة، لكن واضحة للإنتخابات(اقل من 40% في تقديرات أولية)، وتحتاج إلى تحليل وقراءة متأنّية للوقوف على أسبابها. 

كثيرون حملتهم الأحزاب حملاً(حرفياً)، من المستشفيات على الحمّالات، ليدلوا بأصواتهم. وكثيرون أعطيوا “بونات” بنزين وزّعت من قبل الأحزاب علانية، لتأمين وصول الناخبين إلى قراهم البعيدة في ظلّ غلاء المحروقات وارتفاع كلفة النقل، كما شهدت مراكز الاقتراع تواجداً حزبياً طاغياً لأحزاب المنظومة وخصوصاً في الدوائر التي يسيطر عليها “حزب الله” وزائدته “أمل”، حيث فُرض جوّ من الترهيب والتهديد والتخوين لمرشّحي التغيير، وصلت إلى حد الهتاف “صهيوني صهيوني” ضد المرشح في بعبدا عن لوائح التغيير واصف الحركة ومحاولة الاعتداء عليه لولا تدخّل الجيش اللبناني لإخراجه سالماً من قلم الاقتراع. كما شهدت مناطق التماس الانتخابي بين أحزاب المنظومة توترات بين “حزب الله” من جهة، والقوات اللبنانية من جهة ثانية، تحولت في عدد من المراكز إلى تضارب بالأيدي وتراشق بالحجارة. كما مارس أزلام الأحزاب ومرافقو زعمائها ومرشحّيها البلطجة واستعراض القوة في مراكز الاقتراع، وصلت بأحد مرافقي رئيس مجلس النواب نبيه بري، المرشح عن المقعد الشيعي في دائرة الجنوب الثانية، إلى الاعتداء جسدياً على أحد عناصر قوى الأمن الداخلي داخل قلم الاقتراع في بلدة تبنين مسقط رأس بري. 

ولم تعدم السلطة وأحزابها وسيلة لـ”جرّ” مناصريها إلى التصويت، والتأكد من “حرية” اختياراتهم، عبر مرافقة بعض المندوبين الحزبيين(خصوصاً من “حزب الله” و”أمل”) لناخبين إلى ما وراء العازل والإنتخاب عنهم أو الحرص على التأكد من التزامهم بالتصويت لأحزابهم، في صور فوتوغرافية ومقاطع مصوّرة وثقتها الجمعية اللبنانية لمراقبة الإنتخابات (لادي)، وهو ما يكشف عن استنفار كبير لدى قوى المنظومة التي حشدت بجميع الوسائل، القانونية وغير القانونية، لمحاولة رفع نسب الإقتراع وطرد احتمالات الخرق التي تهدّد المنظومة في دوائر مختلفة. ومع ذلك كله، لم تتجاوز نسب التصويت في لبنان كله النسب المسجّلة في انتخابات العام 2018 التي سبقت الإنهيار الاقتصادي بعام واحد، والتي تعتبر بدورها متدنية، حيث امتنع أكثر من نصف المسجلين عن المشاركة في ظل مقاطعة معلنة من فريق واحد هو تيار المستقبل وزعيمه سعد الحريري، الذي اختار انصاره ان يمضوا اليوم الإنتخابي في بركة سباحة وضعت خصيصاً لهذه الغاية في احد شوارع الطريق الجديدة. 

بيد أن هذه الإنتخابات النيابية، أظهرت، ولأول مرة ما بعد اتفاق الطائف، مجاهرة صريحة بالمعارضة العميقة والمنظّمة للمنظومة والأحزاب التقليدية، تمظهرت في تواجد مندوبين لقوى التغيير في معظم مراكز الإقتراع، وهو ما أثار حفيظة أحزاب المنظومة ومناصريهم، ودفعهم إلى محاولة رفع الصوت بالهتافات داخل مراكز الاقتراع “بالروح والدم” لزعمائهم، بدل الانتظام والإدلاء بأصواتهم بصمت وترتيب في صناديق الاقتراع. وهذا “الضجيج” العالي مردّه إلى تأزّم واضح لدى المنظومة، التي تحاول عبر رفع الصوت الطائفي والعصبي عالياً شدّ الهمم ودفع الناس، بالغرائز، إلى الصناديق بدل ترك المجال لهم للتفكير والاختيار الحرّ بعيداً من الضغوط. وذهبت هذه الأحزاب بعيداً، ليس فقط في انتهاك قانون الانتخاب، بل في الاعتداء على مراقبي الانتخابات، خصوصاً من جمعية “لادي” وطردهم من عدد من المراكز ومنعهم من تأدية وظيفتهم. كما سجل مركز في عكّار تحطيم صناديق الاقتراع وبعثرت الأصوات في الأرض بعد إشكال وتدافع بالأيدي، وكلها انتهاكات لم تؤثر على رئيس الحكومة نجيب ميقاتي الذي خرج مع وزير الداخلية بسام المولوي ليعلنا عن تحقيق إنجازات عديدة في تنظيم هذه الإنتخابات، أبرزها تأمين التيار الكهربائي للمراكز! 

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
أحمد حاج بكري- صحافي سوري
كانت لافتة “يمنع دفن أي شخص سوري منعاً باتاً تحت طائل المسؤولية”، المعلقة على سور إحدى مقابر لبنان كافية لمعرفة الوضع الذي وصلت له المصاعب التي تواجه لاجئاً سورياً في حال فكر في دفن قريب له.
Play Video
“فلقة” جديدة يتلقّاها أطفال سوريين في بلدة غزة البقاعية في لبنان. نشر الصحافي هادي الأمين فيديو يُظهر تعنيف شاويش لأطفال سوريين لأنهم “يقصّرون في عملهم”. وفي كل مخيم للاجئين في لبنان، يتعيّن شاويش سوري ليكون بمثابة مسؤول عن هؤلاء الأطفال. في وقتٍ يتعرض فيه هؤلاء الأطفال لانتهاكات عدة من تسرب تعليمي وعمالة مبكرة و تعنيف لفظي وجسدي، يأتي هذا الفيديو ليؤكّد ذلك. حيث ترتفع وتيرة خطاب رسمي وإعلامي تمييزي تجاه السوريين في لبنان الذين تتراكم حولهم معلومات مغلوطة. فيما هناك حوالى 30 ألف طفل لاجئ يعمل في مهن قاسية الأطفال اللاجئين الذين أقحموا في سوق العمل خصوصاً الزراعة. وبعد انتشار الفيديو ألقت القوى الأمنية، بإشارة من مدعي عام البقاع القاضي منيف بركات، القبض على الشاويش وأحالته إلى القضاء المختص.

1:23

Play Video
يرصد هذا التحقيق أبرز التعقيدات التي ترافق دفن اللاجئين السوريين في دول الجوار، بدايةً من تعثّر الحصول على قبر لاستقبال الرفات، مروراً باستحالة إعادة الرفات إلى سوريا، وليس نهايةً بظروف الدفن غير الطبيعية، في غياب أفراد من الأسرة أو بعيداً منهم، أو في مقابر “طوارئ” مشيّدة على وجه الأرض، أو في مقابر على سفوح الجبال أو ضمن أراضٍ طينية.

1:56

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني