شيرين التي جمعت أسماء فلسطين كلها

شيرين في حياتها وموتها زعزعت "السيستم" الذي حُبس فيه الفلسطينيون، والذي أريد منه تحويلهم إلى أجزاء متناثرة من شعب، وأريد منه إزاحة روايتهم التاريخية المتأسسة على النكبة، وقضية اللاجئين.

لم تجتمع كل أسماء فلسطين، ورموزها، كما اجتمعت في تشييع جثمان شيرين أبو عاقلة، البطلة الفلسطينية، حتى بوصف بعض المحللين الإسرائيليين، هذا لم يحصل ربما سوى في تشييع اثنين، أولهما الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، والثاني هو الشاعر الفلسطيني العام محمود درويش، وكلمة “العام” تلك صفة أطلقها عرفات تحبباً على درويش، كمعادل، أو كند، للقب “القائد العام”.

ثمة الكثير من الأيقونات في التاريخ الكفاحي للشعب الفلسطيني من “الشهداء”، مثلاً، عطا الزير ومحمد جمجوم وفؤاد حجازي وعز الدين القسام وعبد القادر الحسيني. وفي التاريخ الكفاحي المعاصر  حفرت في ذاكرة الفلسطينيين مسيرات تشييع غسان كنفاني، وكمال ناصر وكمال عدوان وأبو يوسف النجار في بيروت، وأبو جهاد وأبو الوليد في مخيم اليرموك، وناجي العلي في لندن، (للمصادفة كلهم قضوا في عمليات اغتيال)، وفيصل الحسيني في القدس، وجورج حبش في عمان، وإدوارد سعيد في الولايات المتحدة، وذلك للمكانة التي تبوأوها، على سبيل المثال لا الحصر.

لكن شيرين تتميز عنهم بأنها واحدة من الفلسطينيين العاديين، وأنها صنعت أسطورتها بنفسها، بصوتها وصورتها واحساسها، وفي كل شيء بسيط وعميم، حتى إنها باتت جزءاً من كل بيت فلسطيني، أو عائلة فلسطينية، تنقل إليهم الخبر والصورة وتعلق على الحدث بإحساس يشبه إحساسهم، وألم مثل ألمهم، وغضب مثل غضبهم، وتصميم مثل تصميمهم.

حتى في قصة موتها، ومعركة تشييعها، جمعت شيرين الأسماء والرموز الفلسطينية كلها، فهي ابنة بيت لحم التي عاشت في القدس وقتلت، وبالأصح، أعدمت أو اغتيلت في جنين وقرب مخيمها الذي بات بمثابة أسطورة حية من لحم ودم، وشيعت في نابلس وفي رام الله وفي القدس، المدينة التي يتكثف فيها الصراع ضد إسرائيل الاستعمارية والاستيطانية والعنصرية والدينية المتوحشة، ولا أبلغ من ذلك في دلالة الصراع بين النعش وحملة النعش من جهة وبين المجرمين القتلة المدججين بالسلاح من الجهة الأخرى، في مشهد ملحمي سيسجله التاريخ، وسيحفر عميقاً في ذاكرة الفلسطينيين وأصحاب الضمير في العالم.

تحية وتكريماً لابنتهم وأختهم ورفيقة آلامهم وآمالهم شيرين خرج، أو حزن، الفلسطينيون، في كل مدن وقرى ومخيمات بلادهم فلسطين، في حيفا ويافا وعكا والجليل والنقب والناصرة ونابلس وجنين والخليل ورام الله وغزة، وفي بلدان اللجوء والشتات. وضمن ذلك فإن هذا الحدث أظهر الفلسطينيين، في مشهد واحد، بعيداً من الانقسام، وقد تكثف ذلك في المعركة على العلم الفلسطيني، الذي بدا أنه راية لكل الفلسطينيين في كل أماكن وجودهم، لا تعلوها أي راية أخرى.

أيضاً، كانت المعركة على العلم جزءاً من المعركة على الهوية وعلى الرواية الوطنية الجامعة، الرواية الأصلية، وهذا هو مصدر خوف الإسرائيلي الذي بدا مدججاً بالسلاح، من رأسه إلى أخمص قدميه، في مواجهة مشيعيين ليس لديهم أي سلاح سوى نعش الشهيدة الصحافية الراحلة، وعلم فلسطين، أي كان لديهم سلاح أقوى وأكثر صدقية من أي سلاح أخر، مع إيمانهم بحقوقهم وبقضيتهم العادلة.

المغزى ان شيرين في حياتها وموتها زعزعت “السيستم” الذي حُبس فيه الفلسطينيون، والذي أريد منه تحويلهم إلى أجزاء متناثرة من شعب، وأريد منه إزاحة روايتهم التاريخية المتأسسة على النكبة، وقضية اللاجئين، واعتبار قيام إسرائيل الاستعمارية العنصرية المستوطنة الأم والأكبر منذ اصطناعها القوة (1948) وليس فقط مع احتلال الضفة والقطاع (1967) في محاولة لتزوير التاريخ وتزوير الرواية. وتلك هي أهم معاني ما حصل، وهذا ما فعلته شيرين وما قدمته لشعبها في حياتها ومماتها وبجنازتها.

الشعور الجمعي بالوجع، أو الوجع العام، الذي افتقده الفلسطينيون طويلاً، بسبب مهزلة أوسلو، والسلطة الهزيلة، وبسبب الانقسام، والانزياح عن الرؤية الوطنية الجامعة التي تطابق بين الشعب والأرض والقضية والرواية التاريخية، كل ذلك تم محوه في يوم شيرين المجيد، في ملحمة القدس، يوم تشييعها إلى مثواها الأخير، او يوم صعودها كنجمة في سماء فلسطين، مثلما كان امّحى، ولو لوهلة، في معركة الشيخ جراح، قبل عام، ففي الحالتين ظهر الفلسطينيون كشعب، وهذا أكثر ما يحتاجونه هذه الأيام… طوبى لك شيرين… طوبى لك… نجمة في السماء.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
ميزر كمال- صحافي عراقي
بمعدل 22 حادثاً مرورياً في اليوم الواحد، و6 قتلى، تتفوق حوادث السير على معدلات العنف الناتجة من العمليات الإرهابية في العراق.
Play Video
باستخدام أدوات تكنولوجية مختلفة، كالقصص التفاعلية وتقارير 360 درجة ومقاطع فيديو ورسوم متحركة، استطاعت منصة Tiny Hand تغطية المعاناة والأثر الذي تتركه الحرب على الأطفال وايصالهما الى العالم.

4:41

Play Video
الكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية والناشطة اللبنانية غوى أبي حيدر والناشط السياسي الكويري ضومط قزي الدريبي ضيفا هذه الحلقة من بودكاست “نون” للحديث عن المثلية الجنسية وتصاعد الحملات المعادية لها في الآونة الاخيرة. المحزن ان ملاحقة العلم او الراية بات يشبه حملات مطاردة الساحرات في منطقتنا. تكثر الاخبار من حولنا عن سحب رواية، منع فيلم، مطاردة شعار، ومصادرة ألعاب أطفال لأنها تحمل ألوان قوس قزح، فضلا عن خطابات التحريض والكراهية والملاحقات القانونية والوصم الاجتماعي، وهو ما تكرر في أكثر من دولة بذرائع أخلاقية ودينية. غوى أبي حيدر وهي ناشطة وكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية. كتبت سلسلة مقالات عن انتحار الناشطة المصرية سارة حجازي قبل عامين بعد ان سجنت بسبب رفعها علم قوس قزح/ شعار مجتمع الميم وتم اضطهادها ونفيها بسببه الى ان انتحرت. اما الناشط السياسي ضومط قزي الدريبي، فقد شارك في كثير من نشاطات الحراك الاعتراضي السياسي في لبنان في السنوات الاخيرة، لكنه واجه حملات ضده مستغلين هويته الجنسية.

51:48

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني