بيكاسو ناخباً في بيروت وبغداد ضد السلطة: “أنتم فعلتم هذا”!

تشبه اللوحة بلادنا المدمّرة، وتعكس بألوانها وشخصياتها واقعنا "المقصوف" بالفساد والجوع والسرقات وانتهاكات حقوق الإنسان. صارت اللوحة عالمية، وتعبّر عن جميع المدن التي يعاني أهلها من المآسي ومن الاحتضار الطويل. تشبه اللوحة بيروت. كما تشبه بغداد وحلب وجنين وصنعاء

في العام 1937 رسم بيكاسو لوحته الشهيرة “غيرنيكا”، التي استوحاها من قصف النازيين الألمان والقوات الفاشية الإسبانية لمدينة غيرنيكا في إقليم الباسك، خلال الحرب الأهلية الإسبانية. اللوحة تحمل مخزوناً كبيراً من فوضى وجوه تعود لبشر وحيوانات يتوزعون بين جنود ووحوش وضحايا بينهم أطفال، تتداخل ظلالها مع الصرخات التي تبدو كأنها تخرج من الأفواه المفتوحة على آخرها، من هول الألم والصدمة والخوف. 

تشبه اللوحة بلادنا المدمّرة، وتعكس بألوانها وشخصياتها واقعنا “المقصوف” بالفساد والجوع والسرقات وانتهاكات حقوق الإنسان. صارت اللوحة عالمية، وتعبّر عن جميع المدن التي يعاني أهلها من المآسي ومن الاحتضار الطويل. تشبه اللوحة بيروت. كما تشبه بغداد وحلب وجنين وصنعاء، وغيرها من المدن العربية المدمّرة، إما بالإعتداءات العسكرية الخارجية أو الداخلية، وإما بالفساد والقهر والطغيان والطائفية والديكتاتورية. ويمكن لأي لبناني يتأمّل في اللوحة جيداً اليوم، أن يرى فيها بيروت، التي دمّرها تفجير المرفأ، وسحبت روحها الأزمة الاقتصادية التي تسببت بها طبقة سياسية فاسدة تستمر في فسادها وطغيانها، وتترك البلاد في سقوطها الحرّ الثقيل إلى الهاوية. 

في لوحة بيكاسو مصباح يتدلى من السقف، وهو مضاء. كان التيار الكهربائي متوفراً في غيرنيكا أثناء قصفها. وبقاء الكهرباء والمصباح في اللوحة هو إشارة إلى الأمل وإلى أن الضوء لا يزال متاحاً. هل لا يزال الأمل موجوداً في لبنان؟ أي لبناني سينظر إلى لوحة بيكاسو سيلفته المصباح المضاء. سيكون مثل علامة فارقة، فالكهرباء كانت تتوفّر بتغذية أكبر حتى خلال الاعتداءات العسكرية التي تعرض لها لبنان من الجيش الاسرائيلي الذي كان يقصف محطات الكهرباء، ومع ذلك تبقى هناك قدرة على توفير بعض التغذية. اليوم على أبواب الإنتخابات النيابية تطلب الدولة من أصحاب المولّدات تأمين التيار الكهربائي لمراكز الاقتراع لضمان إجراء الإنتخابات النيابية يوم الأحد المقبل.  

سبق العراق لبنان إلى إجراء انتخاباته النيابية في العاشر من تشرين الأول/اكتوبر من العام الماضي، وكان أيضاً يعاني من أزمة كهرباء لكنها لم تكن بالسوء الذي وصلت إليه الأزمة اللبنانية. وكانت بلاد الرافدين قد مرّت ولا تزال، كما لبنان، في مراحل من الاستعصاء السياسي المربوط بفشل الطبقة السياسية الطائفية الحاكمة في تأمين حدّ أدنى من الأمان الإجتماعي والاقتصادي للناس في ظلّ تدخّلات خارجية، إقليمية ودولية، لصالح تسعير الخطاب الطائفي والعنفي، على حساب بديهيات المواطنة وحقوقها والحد الأدنى من الخدمات التي يجب ان تكون مكتبسة بالفطرة ولا يُمنَّن الناس للحصول عليها، كالطعام والماء والكهرباء والتعليم والطبابة. لأجل ذلك ثار العراقيون ضد منظومتهم السياسية في تشرين أول/ اكتوبر 2019، وهو الشهر الذي شهد في لبنان ثورة ضد المنظومة السياسية اللبنانية. وكانت الإنتخابات البرلمانية مطلباً لثوار العراق بعد مطلب إسقاط حكومة عادل عبد المهدي، التي سفكت دماً كثيراً في الشوارع وقطفت شباناً وشابات بعمر الورد يطمحون إلى أيام أحلى لهم ولأولادهم وأحفادهم من بعدهم. 

رسم العراقيون لوحتهم الخاصة بعاصمتهم بغداد. نقلوا كما فعل بيكاسو في “غيرنيكا”، “القصف” الأمني والسياسي والاجتماعي والاقتصادي الذي تعرضوا له. وحاولوا عبر الإنتخابات أن يحسّنوا من سوداوية الرسم عبر الثورة، وعبر الآليات الديمقراطية، وذهبوا إلى صناديق الاقتراع، بالحد الأدنى المتاح، وحاولوا ترجمة احلامهم داخل الصناديق، وفي المحابر التي غمّسوا فيها أصابعهم. وذاقت الميليشيات التابعة للحشد الشعبي والمدعومة من إيران خسارة مرّة في الإنتخابات النيابية، وإن كان ذلك في اغلبه ذهب لصالح فوز مقتدى الصدر وتياره بغالبية مقاعد المجلس، إلا أن “التشرينيين” المستقلين نالوا تسعة مقاعد نيابية، وهو ما اعتُبر انجازاً في ظلّ السطوة الأمنية للميليشيات والتجييش الطائفي لأحزاب المنظومة. لكن الإنتخابات العراقية انتهت بعد صدور النتائج وتصديقها إلى حائط مسدود مع استعصاء تشكيل حكومة وانتخاب رئيس جديد للجمهورية. 

لبنان ينتظر بدوره أن يحدد معالم لوحته الخاصة، عبر صناديق الإقتراع أيضاً، ليرسم حدود الأزمة وحجم “الدمار” والخسائر على المستويات كافة، وليشكّل بالأصوات والبصمات شيئاً من العدالة لضحايا المجزرة المرتكبة في حق اللبنانيين منذ 2019 مروراً بتفجير الرابع من آب/ أغسطس 2020، وصولاً إلى لامبالاة السلطة مجتمعة بآلام الناس وجوعهم وفقرهم وموتهم المجاني. من هنا، تكتسب الإنتخابات أهميتها، ولو انها ليست مفتاحاً للفرج، إلا أنها تبدو كريشة يرسم فيها الناس لوحة الخراب لتخليده، ولتشير إلى صانعه والمتسبب به بإصبع مغمّسة بالحبر.

تبقى العبرة في قصة “غيرنيكا” فيما حدث مع بيكاسو في باريس، أثناء احتلالها من قبل النازيين خلال الحرب العالمية الثانية. حينها زار ضابط ألماني مرسم بيكاسو. وهناك صُعق بلوحة “غيرنيكا” وما فيها من فوضى وألم. فسأل بيكاسو: “هل انت من فعل هذا؟”. 

بهدوء أجابه بيكاسو: “لا أنتم فعلتم هذا”!

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
منى آدم
علاء حبيس في سجنه لا يرى من العالم سوى فردًا واحدًا من أسرته لمدة عشرين دقيقة كل شهر.
Play Video
هل النسوية فكرة متطرفة ولماذا تبدو ضبابية في المجال العام في منطقتنا العربية؟ هل النسويات متأثرات بالهجوم الشرس المستمر من المنظومة الدينية والسلطوية الرافضة للتحرر والمساواة الكاملة للمرأة؟

43:20

Play Video
نقاش ما بعد الانتخابات أعاد إحياء ملف الأزمة الاقتصادية والانهيار المالي. فمن سيتحمل كلفة سرقة ودائع اللبنانيين ومن سيحاسب من؟

6:29

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني