بدأت هذه الانتخابات تزعجني!

صوتوا. حتى ولو كانت الزحمة خانقة، وحتى لو كانت الضيعة بعيدة وحتى إن كانت حظوظ اللائحة المعارضة بالفوز معدومة. حق التصويت حُرم منه كثيرون، فاستغلوه.

مرّ وقتٌ طويل مذ شعرت بمهمتي الوطنية بأن أكون ناشطة أو أن تغصبني مواقف من حولي أو تصبح علاقاتي بهم مرتبطة بخياراتهم/ن السياسية. الضغوط التي ترهقني اليوم بسبب الانتخابات اللبنانية، أصبحت أقوى من قدرتي على أن أرى الأمور بإيجابية أو أن أحافظ على هدوئي. 

أخذت هذه الفترة دور “الإنفلونسر” في دائرتي الصغيرة، وأخذت وعداً على نفسي أن أقرأ وأتابع وأفكر كي أمكّن أصدقائي من الانتخاب أو التصويت وأخبرهم عن الخيار الأفضل في دائرتهم/ن. أظن كان هذا بمثابة مكافأة لنفسي المرهقة منذ عامي 2019 و2020. منذ حينها لم أتمكن من استخدام الشارع للتعبير أو المعارضة، وأصبحت مسجونة في غرفتي أغرق بكل مآسي الانهيار، وأتلاشى من الحر وأخاف من البرد. لم أتمكن من التعبير عن هذا القرف كله في الشارع بعد انتهاء الاحتجاجات في بيروت، والطاقة التي بذلتها في الثورة كانت مجرد حلم موقت ولم يعد التغيير أمراً يمكنني أن ألمسه. مرّ الكثير من الوقت مذ شعرت بأنّني أستحق لقب “ناشطة”، فالنشاط الذي اعتنقته في الفترة الأخيرة هو التقبّل والاستماع والمشاركة البسيطة في الآراء التي تُمحى مع رسائل “إنستغرام”. 

تعود فترة 15 أيار/ مايو (موعد الانتخابات) لتذكرني بهذا الدور الذي دفنته لفترة. وأغضب اليوم حينما تخبرني شقيقتي عن زميلتها التي تريد أن تصوّت لـ”حزب القوات اللبنانية” وأقول لها إنّني إذا رأيت هذه الفتاة مرّة أخرى لن “أقول لها مرحبا”. ثم أغضب من أمّي التي تريد أن تصوّت لعلي عمّار. علي عمّار يا ماما؟ أظن أنّ وجهه سيدفنني في كآبتي أكثر من أي موقف مررت به. لن أقلّ أمّي لتنتخب، قلت لها أن على علي عمّار أن يؤمن سيارة تقلّها. أعلم أنّه سيتمكن من فعل ذلك، لكن على الأقل لن أشارك في انتخابه. وأغضب فعلاً حين أسمع زميلتي تقول “لست متأكّدة إذا رح صوّت أو لا”. اليوم 13 أيّار، وأنتِ لست متأكدة؟ ما زلت شابة صغيرة، إن لم تصوتِي أنتِ، من سيصوّت؟ أشعر أنّني أريد أن أصرخ بوجهها، وأقول لها أن تصوّت، لا لأجل إسقاط السلطة، بل لأجل هذا التعب الذي أنهكنا وأفشلنا منذ عام 2019. 

اليوم بعد كل ما مررت به، بات صعباً عليّ أن أشفق على أصحاب الخيارات الخاطئة يوم الاقتراع

لا يعلم كثر منّا أنّ الانتخاب هو حقّ قبل أو يكون واجباً. لا أعلم من يمكن أن يغض النظر عن حقّ أعطي له. نحن لا نُعطى الكثير من الحقوق هنا. منذ متى لم تعد الوطنية رومانسية؟ ولماذا نعود لتسخيف هذه الوطنية، لماذا أصبحت شعوراً بالياً في أساطير قديمة؟ نحن خُذلنا بالفعل، ومات الكثير من الأمل فينا، لكن هل فعلاً متنا لدرجة ألّا ننتخب، وأن نتفرج على هذا الحق يمر من أمامنا ويغادر لـ4 سنوات. هل خُذِلنا لدرجة أن نمنح صوتنا لأشخاص عشوائيين. 

بدأت هذه الانتخابات تزعجني أو قد يكون الأدرينالين الذي لم أعد أشعر به منذ التظاهرة الأخيرة. بدأت أغضب من أبسط الأشياء، وبدأت أشعر بأنّ هناك مسؤولية على عاتقي لإقناع الناس بالتصويت. كنت في البداية أشرح لهم لمن عليهم التصويت، ليتضح لي في منتصف الطريق أن كثيرين لا يريدون التصويت أصلاً. 

هناك الكثير من المشاعر اليوم، قد يكون انعزالي عن خيارات أشخاص حولي هو الحل. فأحياناً علينا أن نبتعد من الأمور المزعجة وننعزل عن السلبية بحسب دكتورتي النفسية. أن أفصل مشاعري عن انفعالاتي وعلاقتي. وقد تكون الديموقراطية هي أن أسمح لمن يريد بأن يعبر عن خياراته السياسية كما يحلو له ومن دون أن أنفعل، أن أحتضن ببساطة كل هذا الذي يمر به. هذا هو الخيار الصحّي لي. لكن، اليوم بعد كل ما مررت به، بات صعباً عليّ أن أشفق على أصحاب الخيارات الخاطئة يوم الاقتراع… أظن أنّ هذا جزء من العيش هنا في منطقة مرهقة. فالسياسة تحكمنا والوطن فوضوي، وبذلك يدخل في علاقاتنا الإنسانية. وقد يكون الخيار الصحّي الذي ينصحنا به أطباؤنا النفسيون هو بالفعل لأصحاب الأوطان الهادئة. 

إن تمكنتَ (أو تمكنتِ) اليوم من أن تعزل نفسك عن السياسة والوطن والفوضى، فأنا أحسدك بالفعل. ربما هذا هو النضج، أن تعيش وحدك داخل فقاعتك بالقليل من الاكتراث لما يدور حولك. وقد يكون هذا مجرد حالة انفصال أو استسلام. وإن كنت ما زلت تملك ولو شعوراً بسيطاً بالوطنية البالية، وأنتَ حائر بين التصويت أو المقاطعة، ففكر أكثر، واغرق بهذه الدوامة، هي سامة وغير صحية، لكنّها جزء من التغيير. 

أمّا عن نصائح الطب النفسي الذي يدعوني إلى الهدوء وفصل المشاعر عن الانفعالات… ما عدت أعلم إن كان الاكتراث للتغيير والأمل بمستقبل أفضل هو جزء من حبّ النفس أو هو تماماً أقسى جلدة للنفس. ما عدت أعلم أين أرسم هذا السطر بين حياتي اليومية والحياة السياسية. أظن أن هذه حال كل من لجأ للنشاط السياسي للتعبير. أعلم أنّ الانتخابات ستنتهي والنتائج ستحزنني، قد أبكي قليلاً من بعدها وقد أضحك على الحلم الضائع. وأعلم أنّني سأعود إلى حالة التقبّل والاستسلام، وسأنام في الحر هذا الصيف، ولن أفكر بكل هذا. سأزور أمي مجدداً أو قد ألتقي تلك الفتاة التي ستصوّت لـ”القوات”، وستزول هذه المشاعر. 

أختم هذا بطلب صغير. صوتوا. حتى ولو كانت الزحمة خانقة، وحتى لو كانت الضيعة بعيدة وحتى إن كانت حظوظ اللائحة المعارضة بالفوز معدومة. حق التصويت حُرم منه كثيرون، فاستغلوه. إنّه مجرد يوم من بين أيامنا البائسة. صوتوا رغم كل شيء. وإن كنتم لا تعلمون لمن تريدون التصويت، البحث سيأخذ القليل من وقتكم. اسألوا صديقكم الناشط أو صديقتكم الناشطة، اسألوني أنا. لديّ الكثير من المشاعر، يمكنني أن أصرفها عليكم.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

الأكثر قراءة

ميريام سويدان – صحافية لبنانية
لم يكن ليتخيّل أحد نهاية إجازته في بلدٍ ما بالسجن ثلاث أشهر بسبب حقيبة شبيهة بحقيبته، حملها من طريق الخطأ من على شريط الأحزمة في المطار. لكن ذلك قد يحصل في بلدٍ انهارت مؤسساته تدريجياً كقطع الدومينو. لقد حصل ذلك بالفعل في لبنان.
Play Video
قارب موت لبناني يودي بحياة عشرات الضحايا من السوريين واللبنانيين والفلسطينيين قبالة السواحل السورية، فقد انتشلت السلطات السورية جثامين عشرات الهاربين من عائلات كانوا على متن مركب هجرة غرق قبالة ساحل طرطوس، وتتواصل جهود البحث عن مفقودين بينهم نساء واطفال. المركب كان يحمل لبنانيين وسوريين وفلسطينيين. ما دلالات تلك المأساة التي تتفاقم في الأشهر الأخيرة. تعليق للصحافي حازم الأمين

4:10

Play Video
“خامنئي قاتل مهسا… إرحل”… بعد مقتل الشابة مهسا أميني على يد الشرطة بذريعة عدم التزامها بالحجاب القسري، توسّعت دائرة الاحتجاجات في مدن إيرانية وصدحت الأصوات المناهضة للنظام، إلا أن السلطات تُحاول قمعها عبر قطع الانترنت.

1:36

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني