fbpx

الأردوغانيّة وقانون إهانة الرئيس وتحقيره

بعد أشهر من السيطرة التركية على مناطق سورية، تخضع هذه المناطق لمزاجية حكم مركزي. ونتاج هذا التمركز القيادي هو تثبيت سلطة كاملة للقرار الأردوغانيّ؛ فإمّا التسليم المطلق بحق رجب طيب أردوغان بالقيادة والولاء، أو التعرّض للقمع والمطاردة والنفي.

عقوبتان، في فترة زمنيّة مُتقاربة، نفّذتهما سلطات تركيّة أو موالية لها، بحقّ مُعارضين للرئيس التركي، رجب طيب أردوغان؛ أوّلها اعتقال الطبيب السوري، محمود السايح، في مدينة الباب السورية الشمالية الخاضعة لسيطرة القوّات التركية وقوّات سورية معارضة موالية لتركيا، بتهمة “تحقير رئيس الأمّة الإسلامية والتركية العظيم، رجب طيب أردوغان”. ووفقاً لمحضر الدعوة، والحكم عليه بالسجن مُدّة ستة أشهر، وغرامة ماليّة قدرها 5000 آلاف ليرة تركية تعويضاً للجهة المدعيّة.

اعتقال السايح، وهو أب لسبعة أطفال قُتِلوا في قصفٍ طاول منزله الذي نزح إليه في مدينة إدلب، جاء بعد انتقاده الرئيس التركيّ على حسابه في موقع “فيسبوك” بقوله: “سيف أردوغان خشبي وتهديداته خلّبية”، بعد حادثة قصف منزله وفقدان أبنائه.

الحدثُ الثاني: فرار النائب السابقة في البرلمان التركيّ، عن حزب الشعوب الديموقراطية، ليلى بيرليك، إلى اليونان، وتقديمها طلباً للّجوء السياسي، بعدما حكم عليها في تركيا بالسجن بتهمة “إهانة الرئيس”؛ إذ ذكرت وكالة “دي إتش إيه” التركيّة للأنباء إن بيرليك، حُكِمت غيابياً بالسجن عاماً وتسعة أشهر بتهمة إهانة الرئيس، عن تصريحٍ يعود إلى عام 2015.

بعد أشهر من السيطرة التركية على مناطق سورية يبدو أن هذه المناطق تخضع لمزاجية حكم، خالية من الحدّ الأدنى الضوابط والتوازنات الرقابيّة القانونيّة. فهذه الأجهزة باتت مركّزة بيد قرار واحد، وتشمل هذه الأجهزة، القضاة والجيش والهيئات الحكومية والمؤسّسات الرسمية وغير الرسمية.

“الدولة الخالية من اللاأردوغانيّين”

والحال أنّ نتاج هذا التمركز القياديّ هو تثبيت سلطة كاملة للقرار الأردوغانيّ، في مواجهة مُعارضيه، فإمّا العودة إلى القناعة بأحقيّة أردوغان في القيادة والولاء، بدايةً من حزبه، العدالة والتنمية، إلى الأحزاب السياسيّة والأفراد المُعارضين لحُكمه الفرديّ، كذلك، إلى مناطق سيطرته في سوريّا، أو التعرّض للقمع والمطاردة والنفي.

قضية تُهم إهانة الرئيس وتحقيره، هي بداية تحويل القانون، إلى واقعٍ للاستبداديّة، يضعُ خطّاً لنظام الدولة الأردوغانيّة، الذي على المُجتمع التأقلم معه، وهذا لن يكون حكراً على الآخر المُختلف سياسيّاً، بل يكون مُمتدّاً إلى شرائح المُجتمع كاملاً، ومكمَن الأردوغانيّة هُنا أن يكون الاستبداد حالة قانونيّة سارية ومطبّقة في أوقات الفشل والخوف من السقوط.

مطلق الأحوال أنّ الأردوغانيّة، هي مفهوم الدولة الخالية من الصحافيين والأكاديميين ورجال الأعمال المُستقلين والقُضاة والمحامين، والأحزاب اللاسياسيّة، والنُشطاء، والطلبة والموظّفين ورجال الشُرطة والعساكر اللاإخوانيين؛ الدولة الخالية من اللاأردوغانيين.

ليس الحدثان أوّل ضحايا تحوّل تركيا من الدولة الديموقراطيّة النيابية، نسبياً، إلى نظام القائد الواحد للدولة والمجتمع؛ بل سبقها في ذلك آلاف المُعتقلين وعشرات المُدن والبلدات المُدمّرة، إلى أزماتها الحاليّة، في الاقتصاد، وهذا ليس من فراغ؛ فالإسلام السياسيّ، بالمطلق، هو دولة الحاكم الواحد، الرافض أيّ حقّ طبيعيّ للإنسان في التعبير عن ذاته، ورفض الوصاية الكلامية عليه.

في الجانب الآخر من الحقيقة، ثمّة أفراد وجماعات واسعة يؤيّدون هذا الشكل من العقاب ونظام الحُكم، لأسبابٍ عِدّة، فيها المنفعة الشخصيّة الفرديّة، والقناعة الإيديولوجية، الّتي تودّ أن تؤسّس الدولة وفق منظورها، الرافض الآخر المُختلف، وهذه نواة الإسلام السياسيّ الباطنيّة، التي تصف كل معارضيها، بالملحدين والخارجين عن الدين.

“صارت المؤسسة العسكريّة، الرائدة في إدارة الدولة، سياسياً واجتماعياً ومدنياً، في شيءٍ يشبه بدايات نشوء الحركة التصحيحيّة الأسديّة ومراحل تطوّرها”

أيضاً، تجسّد هذه العقوبات الفرديّة، استمراراً لمرحلة ما بعد الانقلاب، المرحلة التي بدأها أردوغان بنزع الاستقلاليّة عن مؤسسات الدولة، التعليميّة والسياسيّة والاجتماعيّة والإداريّة، وهي المرحلة المُتقدّمة للوصول إلى نزع الاستقلاليّة القضائيّة وربطها بشخصه، قانونياً، وفق قوانين يصدرها هو.

في الضفّة المُقابلة، فمن أكثر المتأقلمين مع هذا النظام فصائل في المُعارضة السوريّة، التي تتبنّى الإسلام السياسيّ في برنامج عملها الحالي والمستقبلي؛ إذ إنّها السياسة الأنفع في تحويل مناطق سيطرتها إلى ملاذ آمن لعمليات النهب والقمع وطرد الآخر المُختلف، تأسيساً لجمهوريتها “الفاضلة” في الشمال السوريّ…

تالياً، صارت الأردوغانيّة الآن في مسيرها العكسي، بغير ما بدأت حُكمها منذ عقدين من الزمن؛ إذ فعلت الأردوغانيّة حينها شيئاً من الأنظمة الديموقراطيّة في الدولة التُركية، وحوّلت الأزمات إلى حقبة من الاستقرار السياسي والاقتصادي؛ فقلّصت بذلك دور المؤسسة العسكريّة وقبضتها على مفاصل الدولة وجعلت تركيا مزدهرة اقتصادياً. أما الآن، فصارت المؤسسة العسكريّة، الرائدة في إدارة الدولة، سياسياً واجتماعياً ومدنياً، في شيءٍ يشبه بدايات نشوء الحركة التصحيحيّة الأسديّة ومراحل تطوّرها، صعوداً إلى الآن.

إقرأ أيضاً:
التغيير الديموغرافي يُطبّق على نارٍ هادئة في عفرين
سوريون داعمون لـ “غصن الزيتون”: يرفضون السرقة ويؤيدون الاحتلال التركي
تركيا من حلم الجمهورية الثانية إلى واقع جمهورية الرئيس
بدايات انهيار تركيا الإردوغانيّة؟

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
طارق اسماعيل – كاتب لبناني
يعرف “حزب الله”، ونعرف نحن أيضاً، أنه يملك “فيتو” هو سلاحه. ويُفترَض أن ندرك أيضاً سبب إصرار الحزب دائماً على إعطاء هذا السلاح شرعيته الدستورية من خلال ثلاثية الجيش والشعب والمقاومة.
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني