مرحباً دمشق… هل تذكرينني؟  

"مرحباً دمشق... هل تذكرينني؟!"، قبل أن يدرك الطفل داخلي أن الأماكن تتفتت كما الجثث عندما تصاب بالحرب، لم أعرف من أين تبدأ دمشق فكلها مهدّمة.

ككل فتى زار دمشق للمرة الأولى، أكثر ما لفت انتباهي في البداية هي الكرات الملونة بالأحمر والأبيض المعلقة في الهواء، التي تصطف بالتتابع على بعد مسافات متساوية على أسلاك الكهرباء ذات التوتر العالي، على طريق السويداء- دمشق، حين سألت عن  سبب وضع هذه الكرات، قيل لي إنها إشارات تحذيريّة للطائرات كي لا تفقد مسارها وتسقط في مكان خاطئ، لا أعلم حتى إن كان هذا صحيحاً، لطالما وضعتُ يدي على زجاج الحافلة ورحت أتتبع هذه الكرات بإصبعي، يبدو أن هذه الكرات لم تكن واضحة بما فيه الكفاية سوى للأطفال أمثالي، ما جعل كل طائرات العالم تسقط على هذه المدينة في النهاية.

أذكر جيداً ذاك اليوم حين زرت دمشق بعد الحرب، رفضت والدتي إرسالي بدايةً إلّا برفقة والدي، فالعاصمة كانت تشتعل بالقذائف والمفخخات، لكنني على عكس والدتي كنتُ متحمساً وأنا جالس في الحافلة خلال سفرٍ طال لساعتين مررنا خلاله بثلاثة حواجز تفتيش.

رددت طوال الطريق: “مرحباً دمشق… هل تذكرينني؟!”، قبل أن يدرك الطفل داخلي أن الأماكن تتفتت كما الجثث عندما تصاب بالحرب، لم أعرف من أين تبدأ دمشق فكلها مهدّمة.

عبرتُ البارحة أثناء توجهي إلى الجامعة الشارع الرئيسيّ أمام فندق “الفور سيزون” الكبير بالقرب من جسر الرئيس، كلُّ الذينَ يمتلكون أحذيةً لامعة يدخلون إلى هناك، بينما يجلس السوريون الحفاة على الرصيفِ المقابل، يرمون أقدامهم المشوّهة والمشلولة أمامهم ويطلبون المال من المارة.

عند أحد الحواجز توقفنا قرب ثلاث دبابات، تتجه فوهة إحداها صوبنا، تأملتها جيداً إلى أن انتهى “التفييش”، أعلم أن الدبابة تستطيع رؤيتي أيضاً، وهذه البدايات تخيفني. لِمَ صادفت دبابة هنا؟ أليس مبكراً الشعور بهذا التهديد؟

ليس غريباً أن أمتلك دبابةً صغيرة في المنزل، كلُّ الأطفال في عمري يمتلكون مجسمات صغيرة لأسلحة وجنود، جمعناها أنا وأخي من بيوض بلاستيكية رخيصة على غرار شوكولا “كندر سربرايز”، رغم ذلك لم ألعب بها ولم أصوّب فوهتها على أضعف ألعابي، لم أجرؤ على صنع حرب صغيرة بيديّ اللتين تأكلان الحلوى، لكنّي لليوم أتساءل… ماذا لو ابتلعت سلاحاً بدل الحلوى بالخطأ؟

وقفنا عند تقاطعٍ في مدخل المدينة، أملت رأسي نحو النافذة ونظرت منها إلى جدار كبير يقف أمامه رجل بملامح مشرّدة، يمسك بطانية متدلية على الأرض وبيده الأخرى يحمل حجراً يحفر به على حائط جسر الصناعة كلمة: “وداعاً”، يبدو أن الوداع يتكرر كلّ يوم، في خبز السوريين ودمهم، يودعون جنازة أو مسافراً، يسردونه في نكاتهم وحكاياتهم لأطفالهم كلغة يومية.

إقرأوا أيضاً:

رومانسية بلاستيكية

بعد انتقالي إلى الدراسة الجامعية في دمشق صارت لدي تأملات أكبر، هذه المدينة بإمكانها إدهاشي حقاً، من أبرز المظاهر التي انتشرت في دمشق مؤخراً كان تغيّر شكل أجساد “المانيكانات” الموزعة أمام المحال التجارية بين الماضي واليوم.. والاستغناء عن “الرأس” علناً، فما الحاجة له! اليوم وفي معظم أسواق دمشق التجارية تصطف المانيكانات خلف زجاج العرض بمؤخرات ممتلئة ووضعيات أكثر ليونة عكس الأشكال التي كانت تنتشر سابقاً، هكذا أصبح المشهد أكثر إثارة أمام نظرات المارة.

أجسام البلاستيك التقليدية لم تعد تفي بالغرض، فلو أجرينا مقارنة بين جيب المواطن وتسعيرة الملابس لوجدنا أن قطعة طعام أجدى منها بالدفع، وكما قال أحد بائعي الخضار في منطقة الدويلعة: “المهم انو انّام شبعانين”، وفي ظل المزاحمة بين الجوع والفقر بدا أنه من اللازم استدراج الزبون بطريقة مثيرة تجعله يُفلت قراره بصرف النظر عن القدرة “الماديّة” بل بدافع شهواني “مجانيّ”، ولأننا ديمقراطيون في كل ما نفعل، لم يقتصر هذا الأسلوب العصري على المانيكان الأنثوي فقط، فالذكور أيضاً لهم حِصّة من هذا التغيير بعضلات أكبر وصدر أعرض ومزايا مثيرة أُخرى.

مفرزات الحرب النفسيّة ونتاجاتها كالرومانسية البلاستيكية وما تسببه من نفقات، أكثر خطورة من تغليف أجسام مترهلة بملابس جديدة، فما فائدة الملابس الجديدة إن كانت أجسادنا في كل الحروب هي التي تخسر!

أسأل نفسي بينما أسير اليوم في شوارع دمشق، لِمَ بتُّ أنظر إلى قدميَّ حين أسير؟! أتذكر أنّه قبل وقتٍ كان في هذا الشارع انفجار، كانت هناك جثّة… وكان الدمُ يملأ المكان، أقدام السوريين تحكي قصصهم، أصحابُ الأحذية اللامعة والفاخرة وكذلك الحفاة منهم، هؤلاء يدركونَ الفقدَ كثيراً، هل تتخيّل أَن تلمسَ الأرضَ بقدمك العارية دون أَن تشعر بسخونة حرب كاملة أسفلك!

عبرتُ البارحة أثناء توجهي إلى الجامعة الشارع الرئيسيّ أمام فندق “الفور سيزون” الكبير بالقرب من جسر الرئيس، كلُّ الذينَ يمتلكون أحذيةً لامعة يدخلون إلى هناك، بينما يجلس السوريون الحفاة على الرصيفِ المقابل، يرمون أقدامهم المشوّهة والمشلولة أمامهم ويطلبون المال من المارة.

لَمْ تخرج صورة الأرجل الثلاث من رأسي منذ ذاك اليوم، قدم بلا أصابع وأُخرى معوجة وثالثة يسيلُ منها القيح، وأنا بدوري أقفزُ فوقها للعبور، أخجل من أقدام هؤلاء الرجال، كيف لي أن أُتابع يومي كما أَنّ شيئاً لَمْ يحدث! إلا أن السر السوريّ يكمن في التأقلم، التعوّد على الأزمات ليصبح كل شي عاديّاً بالنسبةِ إليك بما فيه الأقدام المشوّهة.

قد تبدو هذه المشاهد غير قابلة للتصديق حين نرويها، لكنّ الداخل السوريّ ينمو بطريقة محزنة للغاية وما عليك سِوى أن تنجو من هذا الركام إن استطعت، والنجاة هنا تعني الخارج تماماً، فمن يخرج من دمشق ليس كمن يدخل إليها. 

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
منى آدم
علاء حبيس في سجنه لا يرى من العالم سوى فردًا واحدًا من أسرته لمدة عشرين دقيقة كل شهر.
Play Video
هل النسوية فكرة متطرفة ولماذا تبدو ضبابية في المجال العام في منطقتنا العربية؟ هل النسويات متأثرات بالهجوم الشرس المستمر من المنظومة الدينية والسلطوية الرافضة للتحرر والمساواة الكاملة للمرأة؟

43:20

Play Video
نقاش ما بعد الانتخابات أعاد إحياء ملف الأزمة الاقتصادية والانهيار المالي. فمن سيتحمل كلفة سرقة ودائع اللبنانيين ومن سيحاسب من؟

6:29

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني