الراب العراقي صوت قتلى “تشرين” وأغاني التغيير 

الراب قبل انتفاضة تشرين ليس كما بعدها، فالتظاهرات مسحت الضباب عن مشهد لم يكن ظاهراً ومنحت مغني راب عراقيين مفاتيح لم يمتلكوها سابقاً.


واجهتني صعوبات كثيرة في محاولتي تتبع مسار الراب العراقي من بداياته حتى يومنا هذا، فالتعقيد في الراب لا يختلف عن التعقيد في أحوال العراق اجتماعياً وسياسياً. حاولت تتبّع شهادات شخصية من رابرز عراقيين قدماء وجدد، إضافة إلى البحث في المنصات الإلكترونية عن وثائق صورية وصوتية وأغنيات من شأنها رسم صورة واضحة لانطلاق هذا الفن في العراق وبداياته المتوارية خلف الستار، إلى أن أحدث مفاجأة كبيرة وشكّل حضوراً واضحاً لحظة احتجاجات تشرين وتعاطي الجمهور معه بشكل فاق التوقعات.



البدايات وجدل الريادة

تعتقد شريحة واسعة من الرابرز العراقيين ممن ينتمون إلى الجيل الأول بأحقيتهم بالريادة. تمكن تسمية ثلاثة رابرز كاقطاب لهذا الجدال وهم مستر ليون، باشن، وشكاكي. وربما سيعترض جزء من جمهور الراب العراقي على حصر الصراع بين هذه الأسماء، ولكن للأسف لا وثائق يستطيع أن يقدمها أي معترض سوى شهادته أخرى. كانت هذه الأسماء الثلاثة هي الأكثر حضوراً في هذا النقاش، صرّح أكثر من رابر من الجيل الأول بأن البداية كانت عام 2000 دون الإمعان في وصف هذه البداية كيف كانت وأين كانت وأين نتاجها، ولو كانت هناك بداية فعلية في هذا الوقت او قبله فهي لعدد من عراقيي الخارج، الذين شكل بعضهم تجربة ناضجة الملامح ومكتملة الأركان مثل تجربة “نارسي” التي تعتبر أهم تجربة عراقية- عربية في هذا المجال. وعموماً فإن نسبة كبيرة من الرابرز هم من عراقيي الخارج حتى إن بعض معاركهم (بيفاتهم-beefs) كانت لا تخلو من التباهي بجوازاتهم غير العراقية، ومما لا يمكن تجاهله في هذا الصدد هي تجربة “فرقة الملوك اللبنانية” التي ظهرت في تسعينات القرن الماضي، وتعتبر بحكم الأقدمية اول تجربة راب عراقية.

قدمت الفرقة أغنيتين، الأولى عام 1990 بحسب وصف الأغنية في “يوتيوب” والثانية عام 1995 من انتاج شركة الكرم، وقياساً إلى اليوم، تعتبر التجربة في وقتها ممتازة وسابقة لعصرها بحق. ما نستطيع لمسه بعيداً من ادعاءات بعض الرابرز هو ما حصل بعد عام 2003 ودخول الانترنت الى العراق، كانت برامج المحادثات المكتوبة والصوتية هي المنصة التي تجمع الكثير من هواة الراب العراقيين، وكانت المنتديات الخليجية عامرة بجمهور الأندرغراوند والميتال والراب. ولا يمكن إنكار حقيقة أن الراب العراقي نما تحت ظلال الراب الخليجي، حتى إن الكثير من اغانيه في تلك الفترة كانت واضحة التأثر باللهجات الخليجية، تحديداً السعودية والكويتية. مع انتشار الانترنت في العراق اتسعت رقعة هواة الراب العراقي عموماً وظهرت منتديات مثل RAP DASH، وغيره من المنتديات التي يتم رفع الانتاجات عليها، وهكذا تبلورت ظاهرة الراب العراقي كفن “أندر غراوند” له جمهور خاص يتابعه وينتظر جديده. 

بدأ المشهد العراقي بالتبلور أكثر عام 2006 خلال “المعركة” التي خاضها عدد من الرابرز العراقيين مع عدد من الرابرز الكويتيين، وهذه كانت اللحظة الفارقة في المشهد العراقي لكونها فجرت بعد ذلك صراعاً على الريادة وفتحت الباب أمام ظهور الجيل الثاني من الرابرز العراقيين.
في تلك الفترة، نشأت مجموعات وفرق منها، Hp’z، مجموعة DRAMA، ومجموعة الـDZK، ويمكن بكل اطمئنان اعتبار كل اعضاء الجيل الاول من هذه المجموعات كرواد للراب العراقي وكانت الأسماء البارزة وقتها على سبيل المثال لا الحصر “مستر ليون”، “مستر باشن”، “ارنيدو”، “شكاكي”، “ارماندو”، “ناين زي”. بقي الراب العراقي سرّياً وخاصاً بمجموعة من هواة النوع الذين ينتظرون إنتاجات الرابرز في المنتديات يحملوها على أجهزة mp3، ويناقشونها بعد ذلك في برامج المحادثات. كان الخطاب في ذلك الوقت متنوعاً ما بين الشخصي الذاتي والوطني. بذل كثر من الرابرز جهوداً في نبذ الطائفية من خلال أغانيهم لكن على الجانب الآخر كان هناك رابرز مادتهم هي الشحن الطائفي والعنصري.
شهدت الفترة اللاحقة انسحاب واعتزال الكثير من مغني الراب، وفاز ناين زي بـ”أفضل” خيار انسحاب، إذ قرر إنهاء مسيرته في الراب والتحول الى مشهد البوب العراقي وانطلق عام 2014 مع شركة Music Alhaneen، باسم سيف نبيل محققاً نجاحات كبيرة قادته الى أن يصبح من أشهر المغنين العراقيين في الوقت الراهن ومن الاهم في الساحة العربية عموماً، تحصد اغانية اعلى المشاهدات ويعتبر واجهة اعلانية للكثير من الشركات، حتى شارك اخيراً في لجنة تقييم Iraq idol، الذي يعرض على قناة mbc Iraq، ما سبق انسحاب سيف نبيل هو الاعتزال المفاجئ لـ”واوي بغداد” الذي ظهر بعد الجيل الأول وتمكن من استقطاب شريحة جديدة من الجمهور، خارج دائرة “الأندرغراوند”. ساعده في ذلك انتشار الإنترنت وظهور برامج المحادثة الصوتية مثل (lightc,  comfrog)، إذ كانت اغانيه من الأكثر تداولاً في تلك المنصات، نتيجة ما تحويه من تطور بسيط في وسائل الإنتاج والهندسة الصوتية في وقتها، سبقه في ذلك جي فاير وهو ملحن ومغنٍ وموزع، كانت لديه محاولات في الميتال لكنها لم تتطور الى شيء مهم واستمر في تقديم أغاني البوب التقليدية، التي تضمنت بعض الراب، ونجح في اكتساب شعبية جمهور شاب يبحث عن تجربة غنائية عراقية غير تقليدية تحاكي همومه وتطلعاته. وساعده في هذا الانتشار ظهور الهواتف المحمولة الصينية، إذ كان الشباب يتناقلون أغانيه عبر “البلوتوث”، لكنه بعد ذلك اختفى عن مشهد الراب وتحول إلى البوب، لأن جمهور الراب لم يحبذ تجربة “جي فاير” وأطلق عليها اسم fake rap.


أثر تشرين… أن تأتي متأخراً


معظم البلدان العربية التي قدحت فيها شرارة الراب سار مشهدها على وتيرة تطور متصاعدة خصوصاً في بلدان المغرب العربي ومصر ثم بلدان الخليج. كانت بشائر هذا التطور واضحة حتى قبل الربيع العربي، ولعل هذه البشائر تتجلى بصورة دقيقة في فيلم “ميكروفون”- 2010، للمخرج المصري أحمد عبد الله الذي استطاع من خلال أسلوبه الذي يمزج بين الروائي والتسجيلي، رصد مشهد موسيقى الأندرغراوند في مدينة الإسكندرية، وكشف الصعوبات التي يواجهها الموسيقيون الشباب في محاولتهم تقديم انتاجاتهم الموسيقية، وعكس قدر المعاناة في هذا الجانب، تحت سيطرة تيارات كلاسيكية لم تستطع استيعاب هبة الشباب وهمومهم العصرية وحاجتهم إلى فن يشبههم، يشعرون بأنهم ينتمون إليه وينتمي إليهم. جاء الربيع العربي كاسراً كل القيود التي كبّلت الفنون لعقود تحت سلطة حكومات في غالبها عسكرية محافظة، وجد الشباب في ثورات الربيع العربي أفقاً جديداً يمكنهم من الصعود الى السطح بأصواتهم غير التقليدية ومظاهرهم التي طال استهجانها ومواهبهم التي واجهت إقصاء طويلاً. تحققت ثورة فعلية على المستوى الفني. في الوقت ذاته جاء “يوتيوب” ملبياً آمال الشباب وأحلامهم واستطاعوا من خلاله كسر هيمنة شركات الإنتاج والقنوات التلفزيونية الرسمية أو شبه الرسمية التي تنتمي بشكل أو بآخر إلى سلطة ما.
الأمر في العراق يختلف قليلاً، إذ لم تشمله رياح الربيع العربي العاصفة لأنه كان في العقد الأول من مرحلة استيعاب صدمة 2003، ومثلما خلفت صدمة 2003 عقدين من الفوضى الاجتماعية والسياسية فإنها خلفت فوضى فنية، على رغم امتلاك مشهد الراب العراقي بدايةً، وإن كانت ضبابية لكنها تبقى جذراً كان بالإمكان إنباته، إلا أن العطل الذي اوقف جريان تيار هذا النوع من الفن، هو نتيجة الأزمات السياسية والاجتماعية عموماً. ومثلما فشل النظام السياسي في العراق في أن يتحول من الدكتاتورية إلى الديمقراطية فإن مشهد الراب العراقي فشل في أن يتحول من مرحلة الهواية إلى مرحلة الاحتراف، إذ بقيت وسائل الإنتاج فقيرة ولم يحدث التطور الذي حصل في مشهد البوب الغنائي، لأن مشهد البوب تمكن من استغلال “الفوضى الخلاقة”، مستفيداً من جذور قوية سندته حتى اكتملت تحولاته فاستطاع أن يتقدم كظاهرة تمكن المجتمع العراقي بعد 2003 من استيعابها. ويمكن فهم الطبيعة النفسية لتلك الفترة التي تقبلت مشهد البوب بالنظر إلى بروز تصنيف غنائي يتكون من كلمتين: “ردح حزين”، جمع بين ضدين لا يمكن أن يجتمعا إلا في شخصية الفرد العراقي بعد 2003، لم يتمكن مشهد البوب من سحب مشهد الراب معه وبقي الأخير في دائرة الهواية لوقت طويل، برغم استمرار محاولات الكثير من الرابرز القدامى وظهور رابرز جدد لكن بالخامات نفسها دون ان يحصل اي تطور في مسألة إنتاج الموسيقي، لم يظهر منتج او موزع موسيقي بإمكانه إحداث الطفرة التي تسرق أذن المستمع العراقي من نغمة “المعزوفة العراقية” الزنانة، لذلك بقي الراب يعاني من فقر وسائل الإنتاج.
مع انطلاق احتجاجات تشرين 2019 تحققت مفاجآت من بينها أن يكون نشيد الثورة اغنية راب. أخيراً حصل التغيير الاجتماعي الذي يسمح بدخول الراب في قائمة احتمالات استماع الأذن العراقية، وجد شباب تشرين في أغاني الراب ما لم يجدوه في بقية أنواع الغناء، كانوا يريدون صوتاً عاليا يشبه صرخاتهم المدوية في ساحة التحرير. ولم تجد هذه المطالب ما يلبّيها في إيقاعات “الجورجينا” وغيرها من المقامات العراقية التي رسخت روح الانكسار والتوسل بأصوات متكررة منذ التسعينات وحتى الآن، لكن التلبية كانت حاضرة في إيقاعي “الخشابة” و”المزاهر” الحماسية اللذان ضمّنهما ايمن حميد في اغنية “ذيل اعوج” الذي قدمه على قناة “البشير شو” بعد الخطاب الاستفزازي الذي طرحه الرئيس المخلوع عادل عبد المهدي مطالبا المحتجين بالعودة الى بيوتهم. تجمعت في هذه الاغنية عوامل كثيرة جعلتها تحقق ملايين المشاهدات على يوتيوب بالنسبة إلى الأغنية، كعامل التوقيت وأنه يحمل اسم “البشير شو”، وهو البرنامج السياسي الأعلى مشاهدة في العراق، إضافة إلى عامل الحاجة الشعبية التي سبق ذكرها. أما الأغنية التي تجاوزت عدد مشاهدات “ذيل اعوج” فهي “ساعة السودة” للرابر MOE، وشخصية كامل مفيد من برنامج “ولاية بطيخ” ومعهما بقية أفراد الولاية. حظيت هذه الأغنية بالعوامل المساعِدة التي حظيت بها أغنية “ذيل اعوج” من حيث التوقيت والإقبال واسمها  “ولاية بطيخ”، المأخوذ من البرنامج الأعلى مشاهدة في العراق. لكن الرابر الوحيد الذي حقق انتشاراً واسعاً وأرقاماً عالية خلال ثورة تشرين من دون هذه العوامل هو (Mc Anhar ، الذي تناسب اغانيه حماسة الفئة الأصغر من شباب تشرين، إضافة إلى أن خطاب الاغاني كان جريئاَ وسمى الأشياء بأسمائها، بعيداً من التورية التي فرضت على أغنيتي “ذيل اعوج” و”ساعة السودة”، إذ خضعتا لشروط الرقابة في التلفزيون، بينما كانت اغاني Anhar تنطلق بدون حدود وتوجه الشتائم لـ”الذيول” الموالين للأحزاب الحاكمة. وكان ذلك مهماً بالنسبة إلى المشاركين في الانتفاضة إذ عبّر عن صراخهم وهم يشاهدون رفاقهم يسقطون فريسة القنابل والرصاص.


استفادت هذه التجارب من لحظة تشرين عموماً ومن “البشير شو”، وخصوصاً “ولاية بطيخ”، لكنها توقفت عند تلك اللحظة  ولم تتجاوزها، فأيمن حميد لم يقدم ما يذكر خارج “البشير شو” وبعد انتهاء الاحتجاجات، كذلك بالنسبة إلى Moe، مع “ولاية بطيخ”. 

ما لم تحققه ظلال الربيع العربي في العراق حققته “تشرين” فوفرت ارضية مناسبة لظهور رابر جديد اسمه خليفة اوجي يمتلك كل مميزات النجم من كاريزما وحضور وصوت رخيم، إضافة إلى أن أغانيه تظهر تطوراً بسيطاً في الإنتاج الموسيقي، لكنه ليس في مستوى صناع الراب في بقية دول الوطن العربي، لكون العراق حتى الآن يفتقد منتجين موسيقيين مثل ليل بابا ومولوتوف. لم يبتعد أوجي في خطابه من “تشرين” وصوتها المعارض،  بل يمكن اعتباره امتداداً لها مع نسبة أعلى من التورية التي تراعي كونه لا يزال داخل العراق وما يشكّله ذلك من خطر على أمنه الشخصي، لكنه أقل تحفظاً من تجربتي أيمن وmoe، لأنه غير مكبل بقيود التلفزيون، وبذلك استطاع أن يكسب مساحة شعبية واسعة لا تقتصر على جمهور الراب وحده.

الراب قبل انتفاضة تشرين ليس كما بعدها، فالتظاهرات مسحت الضباب عن مشهد لم يكن ظاهراً ومنحت مغني راب عراقيين مفاتيح لم يمتلكوها سابقاً.

صار التحول من الهواية الى الاحتراف ممكناً، إذ بات المجتمع أكثر تقبّلاً لحفلات “راب باتل فريستايل” وتجمعات خاصة بجمهور الراب في قلب بغداد أو إربيل. هذه المؤشرات تعد بتغيرات أعمق، لا بدّ أن قطارها انطلق الآن وبشجاعة.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
منتظر الخارسان- صحافي عراقي
القضاء في العراق مجرد أداة سياسية، كغيره من الأدوات كأسلحة الكاتيوشا أو المسيرات.
Play Video
فراس حمدان هو محامٍ لبناني نشط بالساحات خلال انتفاضة 17 تشرين وكان ثمن نضاله كبيراً. شرطة مجلس النواب أصابت فراس برصاصة من سلاحٍ محرم دولياً اخترقت قلبه بإحدى التظاهرات، وعلى رغم أن شظاية الرصاصة بقيت في قلبه، إلا أن فراس تحدّى وترشّح على الإنتخابات، وربح. ليعود إلى الساحة نفسها ولكن هذه المرة كنائب!

4:38

Play Video
“رح ننتخب أي حدا ضد المُعرقلين…”، 21 شهراً مرّ على انفجار مرفأ بيروت وأكثر من 4 أشهر على تجميد التحقيق. السلطة اللبنانية تُحاول عرقلة التحقيقات وطمس الجريمة، بل وتخوض الانتخابات بوجوه مُتّهمة بانفجار 4 آب، لكن أهالي الضحايا يصرّون على ثباتهم: العدالة تأتي بالتغيير.

2:49

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني