ملاحقة سائحتين في منطقة الأهرامات:
الأعياد مواسم للتحرش 

"التحديق مستمر، ولا مفر منه. النوع التالي الأكثر انتشاراً من المضايقات هو التعليقات البذيئة والتعليقات الجنسية، وستحدث هذه أيضاً في كل مكان، وستصل إلى التهديد بالاغتصاب".

أثار فيديو تم تداوله في مصر عبر منصات التواصل الاجتماعي ضجة كبيرة إذ وثّق تحرش بعض المراهقين بسائحتين في منطقة الهرم الأثرية، محاولين إجبارها على التقاط صور معهم.

ناشد المرشد السياحي عبر الفيديو المصوَّر وزير السياحة والآثار، الدكتور خالد العناني، لضرورة التدخل السريع لوقف ما سماه مهزلة التحرش بالسائحات وأعلنت وزارة السياحة والآثار إحالة الواقعة للتحقيق، ومراجعة كاميرات المنطقة، وفتح تحقيق داخلي مع مفتشي الآثار العاملين خلال الوقت المذكور في الفيديو للتحقق من التوقيت.

واقعة التحرش بالسائحتين هي حلقة ضمن سلسلة طويلة للتحرش بالسائحات، وخصوصاً في منطقة الهرم. وتزداد هذه الوقائع بشكل ملحوظ في أيام الأعياد مع تهافت زوار إلى المناطق الأثرية.

تعتبر الأعياد بمثابة فرصة لالتقاط الأنفاس لكن في مصر تحولت إلى موسم للتحرش وموعد سنوي لهلع النساء من المضايقات التي يتعرضن لها في الشوارع العامة والمواصلات.

الأعياد الدينية والتحرش أصبحا حدثين متلازمين في العقود الأخيرة، فالعيد يعني الخروج إلى الساحات والمتنزهات العامة، ما يعني عدداً هائلاً من الرجال والنساء، وازدحاماً رهيباً داخل المواصلات العامة، وهي مناسبة يعتبرها كثيرون فرصة للتعرض للفتيات بالتحرش اللفظي أو الجسدي.

 لماذا لا تدخل الأجهزة الأمنية لإيقاف المتحرشين؟

عام 2012، نشرت Egyptian Streets مقالاً حول تعرض فوج كامل من زوار الأهرام للمضايقة والترهيب عند مدخل الأهرامات من أصحاب الخيول والجمال، وتم تهديدهم إذا دخلوا سيراً على الأقدام. 

بعد ذلك بعام، حذرت السفارة الأميركية في القاهرة مواطنيها بضرورة توخي الحذر أثناء زيارة الأهرامات، مستشهدة بحالات قام فيها أفراد بقصف أبواب السيارات في محاولة لإجبار السيارات على التوقف. رداً على ذلك، وعدت وزارتا الآثار والسياحة بالتصرف إزاء هذه الحوادث.

بعد 10 سنوات، تقف الشرطة في حالة تأهب بينما يقوم البلطجية بتخويف السياح الذين يحاولون الاستمتاع في إحدى أهم المناطق الأثرية في العالم. ما يعني أن تلك الوزارات عاطلة عن العمل، إذ يتعرض السياح الذين تكافح البلاد لجذبهم إلى مصر للمضايقة والترهيب والخداع على بعد أمتار قليلة من الأهرامات والشرطة.

كشف مقال آخر في Egyptian Streets نشر في كانون الثاني/ يناير 2018 كيف تقف الشرطة في كثير من الأحيان في حالة تأهب بينما يتعرض السياح للمضايقة والتحرش والاعتداء في بعض الأحيان من قبل أشخاص خارج مجمع أهرامات الجيزة. والسلطات لا تستطيع فرض أي عقوبة في معظم المواقع السياحية الرئيسية. قال السكان المحليون إن السلطات تخشى البائعين وأصحاب الجمال.

يمكن أن يحدث التحرش الجنسي في أي مكان في مصر، ولا يمكن تجنبه اعتماداً على رقي المكان. بعد العيش في مصر والسفر على نطاق واسع، شاركت “ليزا” وهي أميركية عاشت في مصر لعدة سنوات،  حكايات من المضايقات التي تعرضت لها في بعض الأماكن مثل: الفنادق والمواقع السياحية والنقل الجماعي وسيارات الأجرة والمطاعم، وفي أي مكان عام آخر.

تقول ليزا: “التحرش الجنسي هو أمر شائع في مصر ويحدث بشكل متكرر للنساء. إنه شيء تختبره كثيرات من اللواتي يسافرن إلى مصر بشكل ما، إلا أنه ليس شيئاً يحدث للجميع. ومع ذلك، فإن انتشار التحرش الجنسي يجعل من الحكمة أن تكون على دراية بإمكانية حدوثه في رحلتك وأن تكون لديك استراتيجيات للتخفيف وتجنب أحداث التحرش”.

أما عن أنواع هذا التحرش، فتقول ليزا: “أكثر أنواع المضايقات انتشاراً والتي تتكرر في كل مكان تتمثل بالتحديق المستمر والمكثف؛ إنه أمر مقلق للغاية، بخاصة إذا لم تكن معتاداً على ذلك. التحديق مستمر، ولا مفر منه. النوع التالي الأكثر انتشاراً من المضايقات هو التعليقات البذيئة والتعليقات الجنسية، وستحدث هذه أيضاً في كل مكان، وستصل إلى التهديد بالاغتصاب”.

المحامي محمد مهدي يقول لـ”درج”، “على الورق الدولة  قامت بما عليها وسنت قانوناً يجرم التحرش اللفظي واللغوي، وقانوناً آخر لمنع المضايقات ضد السائحين، ولكن هذا فعلياً على أرض الواقع هذا لا يكفي. يجب أن يكون ذلك مصحوباً بأنظمة إبلاغ آمنة في مراكز الشرطة في جميع المجتمعات. كما أن تعيين ضابطات شرطة أمر بالغ الأهمية حتى تشعر النساء بالراحة والأمان عند الإبلاغ عن التحرش”. 

إقرأوا أيضاً:

التعرض للتحرش: فرض عين على السائحين في مصر

في بلد تشكل فيه السياحة أحد أهم مصادر الدخل الأجنبي، إذ يشكل القطاع نحو 12 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. فبلغ متوسط ​​عائدات السياحة السنوية للبلاد 7.8 مليار دولار من عام 2010 حتى عام 2017، ووصلت إلى أعلى مستوى لها على الإطلاق عند 12.5 مليار دولار عام 2010 وأدنى مستوى قياسي بلغ 3.8 مليار دولار عام 2016، إلى توظيف 14 في المئة من القوى العاملة. لكن ذلك لم يوقف القلق الذي عبرت عنه وسائل إعلام أجنبية  إزاء التحرش والتطبيع معه. 

تُعد السياحة صناعة خدمية، تكون طبيعة منتجاتها غير ملموسة، كما أنها عرضة للمخاطر، السلامة والأمن أمران حيويان لتوفير الجودة في صناعة السياحة أكثر من أي شيء آخر، فيعتمد نجاح وجهة سياحية على قدرتها على توفير مكان آمن وبيئة آمنة للزوار.

معظم الكتيبات الإرشادية السياحية عن مصر، بخاصة تلك المنشورة في الخارج، تحذر النساء الأجنبيات من التحرش الجنسي في الشارع، وتقدم نصائح حول كيفية التصرف وردود الفعل. قد يشير هذا بسهولة إلى أن هذه الظاهرة آخذة في الازدياد. فلا يقتصر الاعتداء على الأجنبيات؛ بل يستهدف أيضاً نساء مصريات.

أجريت دراسة على 218 سائحاً من أجل تأمل تجربتهم مع التحرش. تظهر النتائج أن التحرش اللفظي هو النوع الرئيسي من المضايقات، يليه التسول المصحوب بالمضايقات الجسدية. أخيراً، توضح النتائج أن رأي السائحين حول اختيار مصر كوجهة سياحية سلبي، وأنهم لا يعتقدون أنها بيئة آمنة.

أصدرت منظمة غير حكومية محلية نتائج دراسة أجريت صيف عام 2021 معلنة أن “98 في المئة من النساء الأجنبيات تعرضن للتحرش الجنسي في مصر”، وبحسب مقال نشرته صحيفة “واشنطن بوست” في 17 آب/ أغسطس 2021،  فإن الرحالة يعتبرن مصر من أسوأ دول العالم من حيث التحرش في الشوارع، وتأتي في المرتبة الثانية بعد أفغانستان، بعد ذلك بوقت قصير، أعربت الصحف المحلية عن قلقها إزاء إصدار حكومة المملكة المتحدة تحذيرات لمواطنيها من احتمال تعرضهم لاعتداء جنسي عند زيارة مصر، إذ وزعت  نشرات تحذيرية العام الماضي على الرعايا البريطانيين الذين وصلوا إلى مطاري شرم الشيخ والغردقة.

يعد التحرش الجنسي بشكل ما جزءاً مؤسفاً من تجربة كل امرأة تقريباً تسافر إلى مصر. كما قلنا، يؤثر هذا التحرش في النساء بشكل مختلف بناءً على الصفات الجسدية والهويات العرقية، فإن كانت الشهادة الماضية هي شهادة امرأة أميركية بيضاء من الولايات المتحدة عاشت في القاهرة وتعرضت لأنواع مختلفة من التحرش. فما بالك بجنسيات أخرى وهويات دينية وعرقية مختلفة.

وافق البرلمان عام 2018 على قانون يسمح للسلطات بفرض غرامة تصل إلى 10000 جنيه مصري (نحو 405 جنيهات إسترلينية) لأي شخص يتبين أنه يضايق السائحين “بقصد التسول أو الترويج أو عرض أو بيع سلعة أو خدمة”. يهدف القانون إلى تضييق الخناق على الأشخاص الذين يقدمون الخدمات ويبيعون الحلي للسياح قبل موسم الصيف. تأمل الحكومة في حماية صناعة السياحة الهشة والقيمة في مصر والتي تشكل 12 في المئة من الاقتصاد.

وتنص المادة 53 من القانون رقم 91 لسنه 2018 بتعديل بعض أحكام قانون حماية الآثار الصادر بالقانون رقم 117 لسنة 1983، فإنه مع عدم  الإخلال بأي عقوبة أشد منصوص عليها فى أي قانون آخر، يعاقب بغرامة لا تقل عن 3 آلاف جنيه، ولا تزيد عن 10 آلاف جنيه كل من قام بالتعرض للسائحين والزوار أثناء وجودهم في المواقع الأثرية، أو المتاحف، رغماً عنهم بقصد التسول أو ترويج سلعة أو عرضها أو بيعه خدمة.

يعد التحرش الجنسي بالنساء في مصر من المشكلات الاجتماعية التي يميل السياسيون ووسائل الإعلام إلى التعامل معها على أنها حالات فردية، والمؤسف أن ثقافة لوم الضحية لا تزال سائدة، إذ يفترض كثيرون ضمنياً أن النساء يرتدين ملابس استفزازية، أو يتصرفن بطريقة مريبة لإثارة الرجال، أو يُلقى اللوم عليهن لمجرد أنهن غير محجبات أو لا يمتثلن لقواعد اللباس الإسلامي المحافظ.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
منتظر الخارسان- صحافي عراقي
القضاء في العراق مجرد أداة سياسية، كغيره من الأدوات كأسلحة الكاتيوشا أو المسيرات.
Play Video
فراس حمدان هو محامٍ لبناني نشط بالساحات خلال انتفاضة 17 تشرين وكان ثمن نضاله كبيراً. شرطة مجلس النواب أصابت فراس برصاصة من سلاحٍ محرم دولياً اخترقت قلبه بإحدى التظاهرات، وعلى رغم أن شظاية الرصاصة بقيت في قلبه، إلا أن فراس تحدّى وترشّح على الإنتخابات، وربح. ليعود إلى الساحة نفسها ولكن هذه المرة كنائب!

4:38

Play Video
“رح ننتخب أي حدا ضد المُعرقلين…”، 21 شهراً مرّ على انفجار مرفأ بيروت وأكثر من 4 أشهر على تجميد التحقيق. السلطة اللبنانية تُحاول عرقلة التحقيقات وطمس الجريمة، بل وتخوض الانتخابات بوجوه مُتّهمة بانفجار 4 آب، لكن أهالي الضحايا يصرّون على ثباتهم: العدالة تأتي بالتغيير.

2:49

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني