“يوم النصر” المتعثّر أوكرانياً: تكريس عزلة بوتين الدولية؟

الاحتفال بعيد النصر مختلف تماماً هذا العام. العزلة الدولية المطبقة على روسيا بعد اجتياحها أوكرانيا تلقي بظلالها على "يوم النصر"، وفلاديمير بوتين يحتفل وحيداً هذا العام… تقريباً.

تحتفل روسيا، ومعظم دول الإتحاد السوفياتي السابق، بيوم النصر في “الحرب الوطنية العظمى”(التسمية السوفياتية للحرب العالمية الثانية)، يوم التاسع من أيار/ مايو، أما في أوكرانيا، فيسمّى منذ عام 2015 “يوم النصر على النازية في الحرب العالمية الثانية”، وهو العام نفسه الذي حُرّمت فيه الرموز النازية والشيوعية في أوكرانيا.

أما دول أوروبا الغربية، فتحتفل بيوم النصر في أوروبا، VE Day، في الثامن من الشهر نفسه.

لهذا الاختلاف في التوقيت قصة، ولكن باختصار، فإن صك استسلام ألمانيا غير المشروط، الذي وقّعه في كارل هورست-برلين، الفيلد مارشال فيلهلم كايتل أمام مارشال الاتحاد السوفياتي غيورغي جوكوف، وممثلين عن الحلفاء الغربيين، هذا الصك ينصّ على أن يوقف الألمان الأعمال الحربية على الجبهات كافة الساعة 11:01 ليل الثامن من أيار/ مايو، أي 1:01 فجر التاسع من أيار، بتوقيت موسكو.

صحيح أن يوم النصر، Den Pobedy، كانت له مكانته الخاصة في الوجدان السوفياتي، لكنه لم يصبح عطلةً رسمية إلا عام 1965. في العام 1947، أصدر ستالين قراراً يعتبره يوم عمل عادي، ولم تُقم خلاله العروض العسكرية المهيبة إلا في اليوبيلات، أعوام 1965، 1985 و1990، أي في الذكرى العشرين، والأربعين والخامسة والأربعين. كانت عروض الجبروت السوفياتي تقام سنوياً احتفالاً بذكرى ثورة أكتوبر الاشتراكية العظمى، متطابقةً تماماً في الأسلوب وجدول الاحتفال، الذي ما زال معمولاً به إلى اليوم في العرض العسكري ليوم النصر.

بعد زوال الاتحاد السوفياتي، أعادت روسيا إحياء العرض العسكري في يوم النصر عام 1995، في يوبيله الخمسين، خلال ولاية الرئيس بوريس يلتسين، ولكن منذ تولي فلاديمير بوتين سدّة الحكم، (بينها أربع سنوات لـ دميتري ميدفيديف) بدأ، عاماً بعد عام، إدخال تعديلات وتقاليد جديدة، ليصبح العرض العسكري في يوم النصر طقساً يجمع الأرثوذكسية والقيصرية والسوفياتية بالبوتينية.

يصل رئيس الاتحاد الروسي إلى منصة العرض في الساحة الحمراء الساعة 9:55 دقيقة، يمشي من الكرملين وحيداً (منذ طلاقه من ليودميلا) أو برفقة أحد ضيوفه، كالرئيس الطاجيكي العام الماضي، يلقي التحية على ضيوف العرض، خاصة المحاربين القدامى.

تدقّ أجراس ساعة الكرملين العاشرة صباحاً، ثم يأمر قائد العرض (القائد العام للقوات البرية) القطعات المشاركة بالتأهب، ثم تقديم التحية للعلم الروسي وراية النصر، ترفعهما ثلّة من حرس الشرف في القوات المسلحة، عابرةً الساحة الحمراء.

حرس الشرف هم أفراد الفوج 154 المستقلّ. حتى عام 2008، كان زيّهم هو نفسه الزيّ الرسمي للجيش، ثم بات مستوحىً من زيّ الحرس في العصر القيصري.

كذلك عام 2013، بقرارٍ رئاسي، أعطي الفوج لقب “بريوبراجنسكي”، وهو اسم فوج حراسة أسسه القيصر بطرس الأكبر، وكان أحد أفواج النخبة في الجيش القيصري، وتم حلّه بعد ثورة 1917.

أما راية النصر، فهي التي رفعها الجيش الأحمر فوق مبنى الرايخستاغ في برلين، أو كما تقول البروباغندا السوفياتية عرين الوحش الفاشي، حين سقوطه عام 1945. وكانت الراية تعبر الساحة الحمراء لوحدها، قبل أن يضاف إليها العلم الروسي في المقدمة عام 2006 (عام 2015، الذكرى السبعين للنصر، كانت الراية في المقدمة، ويليها العلم) ومنذ عام 2010، يعبر حرس الشرف الساحة الحمراء على موسيقى أغنية “الحرب المقدسة”، أو “انهض أيها البلد الشاسع” التي أُلّفت في الأيام الأولى للاجتياح النازي للاتحاد السوفياتي عام 1941، وغالباً ما يقف الناس أثناء عزفها، تكريماً لضحايا الحرب وتضحيات الشعب السوفياتي.

بعد وصول العلم الروسي وراية النصر إلى حيث تقف القطعات المشاركة في العرض، يخرج المفتش العام للعرض العسكري، وزير الدفاع، من بوابة برج سباسكايا، برج المخلص، بوابة الكرملين على الساحة الحمراء، واقفاً في سيارة مكشوفة.

منذ عام 2010، حين أعيد وضع أيقونة “مخلص سمولنسك” فوق البوابة، بات على المفتش العام أن يرسم إشارة الصليب، حين مروره تحت البوابة. هذا ما يفعله منذ عام 2013 وزير الدفاع سيرغي شويغو، وهي فرصة موآتية لإثبات أرثوذكسيته، فهذا المرشح لخلافة فلاديمير بوتين (هل ما زال مرشحاً بعد الحرب في أوكرانيا؟) من أصل توفاني، وهم من شعوب سيبيريا الأصيلين، الناطقين بإحدى اللغات التركية، وديانتهم الأساسية هي البوذية.

تبدأ كاميرا النقل المباشر ببثّ لقطة للأيقونة، قبل أن تنزل الى وزير الدفاع يرسم اشارة الصليب، ثم يضع قبعته على رأسه، وتنطلق السيارة. 

حتى عام 2018، كانت سيارتا قائد العرض ووزير الدفاع من نوع ZiL، الشركة سوفياتية الأصل التي توقفت عن العمل عام 2012. أما حالياً، السيارتان من طراز Aurus Senat، فخر صناعة السيارات الروسية، شبيهة رولز رويس، التي بدأ صنعها في نسخ تجارية العام الماضي، ويتهافت الأوليغارشيون على اقتنائها، رغم ولعهم بالمرسيدس والمايباخ.

تلتقي سيارتا وزير الدفاع وقائد العرض في وسط الساحة الحمراء، حيث يعلن الثاني للأول تأهب حامية موسكو (القطع المشاركة)، ثم يتفقدان هذه القطع، ويهنّئها وزير الدفاع بذكرى النصر في الحرب الوطنية العظمى. يقول لهم “مرحباً أيها الرفاق (tavarishishi)”، ويردّون عليه “مرحباً الرفيق وزير الدفاع”، وبعد أن يلقي التهنئة، تردّ كل قطعة عليه بهتاف “Ura” ثلاث مرات.

ينتقل وزير الدفاع بعدها إلى المنصة الرسمية، ليعلن إلى الرئيس جاهزية العرض. يلقي الرئيس كلمته، التي تتضمن دائماً الإشادة ببطولات وتضحيات الشعب والجيش السوفياتيين، اللذان قدّما ملايين القتلى في سبيل الدفاع عن الوطن الأم وهزيمة الفاشية والنازية، محيياً المحاربين القدامى، مشدداً على أن القوات المسلحة على أتم الاستعداد للتصدي للأخطار الخارجية، ومتمنياً أن يعمّ السلام في كافة أنحاء الكرة الأرضية.

منذ عام 2014، يطلب الرئيس في خطابه من الحضور الوقوف دقيقة صمت، أما ختام الخطاب، فهو نفسه منذ احتفالات ثورة أكتوبر، إذ يهنئ الرئيس بالعيد، ويصرخ ura، فيرد عليه الجنود بنفس الهتاف ثلاث مرات، وسط إطلاق المدافع وعزف النشيد الروسي (وهو منذ عام 2001 لحن نشيد الاتحاد السوفياتي، بناءً على طلب بوتين).

يبدأ العرض العسكري دائماً بفوج قارعي الطبول من الطلاب المتدربين في أكاديمية موسكو للموسيقى العسكرية، ويقود هذا الفوج العروض العسكرية السوفياتية والروسية منذ أكثر من ثمانين عاماً، فيما أعيد تقليد مشاركة طلاب أكاديميات سوفوروف للجيش، وناخيموف للبحرية، في العرض العسكري، منذ عام 2013.

أما التقليد الجديد، فهو مشاركة تنظيم “الجيش الشاب”- Yunarmia، وهي منظمة شبابية تأسست عام 2015، تدعمها وزارة الدفاع، تقوم بتدريب المراهقين والمراهقات، وعلى جاري العادة في التنظيمات المشابهة، تبثّ فيهم الروح الوطنية وحب القوى المسلحة. يرتدي أعضاء الجيش الجديد البزات رملية اللون، مع قبعة حمراء. البعض يشببههم بتنظيم الرواد، Pioneer، الذين كان يتبع منظمة الكوسومول الشبابية، بينما يشبّههم بعض المعارضين بـ “شبيبة هتلر”، محذّرين من العسكرة المتزايدة للمجتمع الروسي.

القطعات المشاركة هي تقريباً نفسها سنوياً، يُضاف إليها وحدات جديدة في بعض السنوات، كالقوات الخاصة للمناطق القطبية، أو قوزاق منطقة كوبان، أو وحدات أجنبية، لكن الأهم هو استعراض الاسلحة الجديدة، مثل دبابة T-14 Armata، التي أدهشت الحضور والمشاهدين حين ظهرت في يوم النصر عام 2015، وكان من المفترض أن يدخل أكثر من ألفين منها الخدمة مع حلول العام 2020، لكن لا جواب الى الآن حول وضع هذه الدبابة، التي كان من المفترض أن تُرعب حلف الناتو، بينما يبدو أن كلفتها الباهظة أرعبت الكرملين.

الآليات المشاركة في يوم النصر يُدهن على جانبيها شريط من ثلاثة خطوط سوداء يتخللها خطّان برتقاليان، وتتوسطّه نجمة حمراء، وبعد الحرب على أوكرانيا، بدأ حرف Z يظهر بهذه الألوان.

يسمّى هذا الشريط شريط القديس جاورجيوس، وصحيح أنه يعود الى العصر القيصري، لكنه بات في الاتحاد السوفياتي رمزاً للنصر، ومنذ عام 2005، بدأ الناس يلبسونه على ثيابهم، أو يعلّقونه في سياراتهم، عادةً طوال شهر مايو.

ولا تقتصر تقاليد الاحتفال بيوم النصر على العرض العسكري، فبعد العرض، وقبل الاحتفالات المسائية والألعاب النارية، يتم منذ عام 2012 تنظيم مسيرة مهيبة في موسكو ومعظم المدن الروسية، وخارج روسيا أيضاً. تسمى هذه المسيرة “بيسميرتني بولك”، أو الفوج الخالد، ويحمل فيها المشاركون صور آبائهم وأجدادهم الذين قاتلوا في الحرب الوطنية العظمى (وليس من الضرورة أن يكونوا قُتلوا فيها) ومنذ عام 2015، يشارك بوتين في المسيرة، حاملاً صورة والده، فلاديمير سبيريدونوفيتش.

عام 1995، حضر العرض العسكري في الذكرى الخمسين للنصر، الرئيس الأميركي بيل كلينتون، ورئيس الوزراء البريطاني جون مايجور. وقف بوريس يلتسين وأركان حكومته، وبينهم عديم الكفاءة بافل غراتشوف، وزير الدفاع، وقفوا على الشرفة فوق ضريح لينين، كما كان يقف القادة السوفيات، فيما كانت الحرب الشيشانية تمزّق الجيش الروسي.

عام 2005، في الذكرى الستين للنصر، كان فلاديمير بوتين بأبهى حلله، محاطاً بثلة من القادة العالميين، من جورج بوش الى هو جينتاو، مروراً بجاك شيراك وغيرهارد شرودر، والتقطت الكاميرات عدة مرات جورج بوش مدهوشاً من دقة التنظيم ومهابة العرض. وفي عام 2010 شاركت للمرة الأولى قطع عسكرية من دول الحلفاء الغربيين، فيما جلست المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل بين الرئيس ميدفيديف ورئيس الوزراء بوتين. 

لكن الاحتفال بعيد النصر مختلف تماماً هذا العام. العزلة الدولية المطبقة على روسيا بعد اجتياحها أوكرانيا تلقي بظلالها على “يوم النصر”، وفلاديمير بوتين يحتفل وحيداً هذا العام… تقريباً.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
منتظر الخارسان- صحافي عراقي
القضاء في العراق مجرد أداة سياسية، كغيره من الأدوات كأسلحة الكاتيوشا أو المسيرات.
Play Video
فراس حمدان هو محامٍ لبناني نشط بالساحات خلال انتفاضة 17 تشرين وكان ثمن نضاله كبيراً. شرطة مجلس النواب أصابت فراس برصاصة من سلاحٍ محرم دولياً اخترقت قلبه بإحدى التظاهرات، وعلى رغم أن شظاية الرصاصة بقيت في قلبه، إلا أن فراس تحدّى وترشّح على الإنتخابات، وربح. ليعود إلى الساحة نفسها ولكن هذه المرة كنائب!

4:38

Play Video
“رح ننتخب أي حدا ضد المُعرقلين…”، 21 شهراً مرّ على انفجار مرفأ بيروت وأكثر من 4 أشهر على تجميد التحقيق. السلطة اللبنانية تُحاول عرقلة التحقيقات وطمس الجريمة، بل وتخوض الانتخابات بوجوه مُتّهمة بانفجار 4 آب، لكن أهالي الضحايا يصرّون على ثباتهم: العدالة تأتي بالتغيير.

2:49

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني