أصواتنا بعد أموالنا في “غربال” مصرف لبنان

لا تتورّع المنظومة، بوقاحة منقطعة النظير، عن وضع أصوات اللبنانيين المقترعين في الخارج في "حساب" مصرف لبنان، وتحت وصاية حاكمه المطعون بنزاهته والملاحق قضائياً، لتكون موضع ريبة وشكّ.

يستخدم مثال وضع الماء في الغربال في الثقافة الشعبية للدلالة إلى قلة الأمانة وضعف الثقة. فلا أمان من وضع الماء في الغربال من دون ضياعه كاملاً. والحال الوحيدة التي يمكن فيها وضع الماء في الغربال، هي عبر تحويله إلى قطع ثلج كبيرة لا تمرّ عبر ثقوب الغربال، لكن حتى هذه الطريقة لا تجدي نفعاً، إذ يتسرب الماء من الغربال فور ذوبان الثلج. 

لا ثقة إذاً بالغربال لاحتواء الماء، بحالاته الثلاث، السائلة والصلبة وطبعاً الغازية. المشكلة ليست أصلاً في الماء، بل في الغربال نفسه. وهذه هي حال اللبنانيين مع مصرفهم المركزي، “غربالهم” الذي أصبحوا لا يأمنوه على مائهم، ولا على مالهم، ولا حتى على أصواتهم.

آخر بدع السلطة، الوصية على إجراء الإنتخابات النيابية، تخصيصها مصرف لبنان ليكون المكان الذي تجمع فيه صناديق اقتراع المغتربين في السفارات اللبنانية في الخارج، إلى حين اجراء الفرز بعد الانتهاء من الاقتراع في 15 أيار/ مايو المقبل. وهذا الخبر، تحوّل من دون مجهود يذكر، إلى نكتة بين روّاد التواصل الإجتماعي، واستعاد اللبنانيون تجاربهم المريرة مع المصرف وحاكميته الممثلة برياض سلامة، الذي كان مؤتمناً على استقرار العملة، وعلى تأمين ودائع اللبنانيين في المصارف، ليكتشفوا بعد الانهيار أن كل مالهم كان مثل الماء في الغربال، يتسرّب كله ويتبخّر، وينتقل مما يفترض ان يكون “صندوق أمانات” إلى حسابات المتنفذين والفاسدين في الخارج، فيما ذاب ثلج “الليرة بخير” وتبخّر هو أيضاً.

إلى الأموال الضائعة وملفات الفساد المتلاعب بها، يخشى اللبنانيون أيضاً على ثلثيّ احتياطي ذهبهم المخزّن داخل خزائن مصرف لبنان، من أن يُسيّل ويوضع في “الغربال”، كما يخشون على أصواتهم، التي يفترض ان تكون من ذهب، وان تكون في مكان آمن، وليس في موقع أكبر جريمة مالية مرتكبة في حقّ شعب على مرّ التاريخ.   

وعلى شاكلة ما حدث للودائع وللعملة المحلية، يخشى اللبنانيون ان تضيع أصواتهم أيضاً في “غربال” مصرف لبنان، اذ لا شيء يمكن ان يضمن ان لا ينتهي مصير أصوات المغتربين إلى ما انتهى اليه مصير الليرة اللبنانية، خصوصاً ان حاكم مصرف لبنان لا يزال يتمتع بحصانة سياسية وطائفية وأمنية تحميه من المحاسبة القضائية، رغم ملاحقته قضائياً في أكثر من عاصمة اوربية بتهم تتعلق بالفساد والتهرب الضريبي وغسيل الأموال.

مع ذلك، لا تتورّع المنظومة، بوقاحة منقطعة النظير، عن وضع أصوات اللبنانيين المقترعين في الخارج في “حساب” مصرف لبنان، وتحت وصاية حاكمه المطعون بنزاهته والملاحق قضائياً، لتكون موضع ريبة وشكّ وخوف على مصيرها، بدل وضعها في مكان محايد وآمن يثق فيه اللبنانيون، ويطمئنون إلى أمانته، ولا يخشون فيه على ضياع أصواتهم على غرار ضياع أموالهم وأحلامهم ومستقبل أولادهم. 

ولا يقتصر الأمر فقط على نقص ثقة اللبنانيين بالمصرف المركزي في ما يتعلق بالأموال، بل أيضاً في ما يتعلق بالوثائق والمستندات والقضايا الكبرى، كما هي الحال مع ملف “بنك المدينة” الذي كانت تحقق فيه “هيئة التحقيق الخاصة في مصرف لبنان” التي يرأسها الحاكم رياض سلامة، والتي استعادت الملف من القضاء بعد ارساله إليه في العام 2003، واحتفظت به في خزائن المصرف المركزي، بضغوطات أبرزها من اللواء رستم غزالة، الذي كان يرأس شعبة الأمن السياسي في لبنان، في ظل الوصاية السورية، للحؤول دون اكتشاف عمليات كبيرة لتبييض الأموال بعد ان كانت هيئة التحقيق في مصرف لبنان قد جمّدت حسابات 12 شخصاً وشركة تجارية وعقارية بينها حسابات طه قليلات وشقيقيه, وكانت تتجه لرفع السرية المصرفية عن هذه الحسابات للتحقق من وجود تبييض اموال، وهو ما كان ليكشف عن أسماء كبيرة متورطة في الملف، لكن مصرف لبنان تدخّل وسحب الملف مع مستنداته وملحقاته من القضاء ووضعه في “الغربال”(خزائن المصرف المركزي) حتى العام 2006، وكانت النتيجة التلاعب بالتحقيقات والمستندات وضياع الحقيقة في واحدة من أكبر الفضائح المالية في تاريخ لبنان الحديث.

إلى الأموال الضائعة وملفات الفساد المتلاعب بها، يخشى اللبنانيون أيضاً على ثلثيّ احتياطي ذهبهم المخزّن داخل خزائن مصرف لبنان، من أن يُسيّل ويوضع في “الغربال”، كما يخشون على أصواتهم، التي يفترض ان تكون من ذهب، وان تكون في مكان آمن، وليس في موقع أكبر جريمة مالية مرتكبة في حقّ شعب على مرّ التاريخ.    

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
منتظر الخارسان- صحافي عراقي
القضاء في العراق مجرد أداة سياسية، كغيره من الأدوات كأسلحة الكاتيوشا أو المسيرات.
Play Video
فراس حمدان هو محامٍ لبناني نشط بالساحات خلال انتفاضة 17 تشرين وكان ثمن نضاله كبيراً. شرطة مجلس النواب أصابت فراس برصاصة من سلاحٍ محرم دولياً اخترقت قلبه بإحدى التظاهرات، وعلى رغم أن شظاية الرصاصة بقيت في قلبه، إلا أن فراس تحدّى وترشّح على الإنتخابات، وربح. ليعود إلى الساحة نفسها ولكن هذه المرة كنائب!

4:38

Play Video
“رح ننتخب أي حدا ضد المُعرقلين…”، 21 شهراً مرّ على انفجار مرفأ بيروت وأكثر من 4 أشهر على تجميد التحقيق. السلطة اللبنانية تُحاول عرقلة التحقيقات وطمس الجريمة، بل وتخوض الانتخابات بوجوه مُتّهمة بانفجار 4 آب، لكن أهالي الضحايا يصرّون على ثباتهم: العدالة تأتي بالتغيير.

2:49

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني