مجزرة حي التضامن… إننا نُحتضر! 

مايو 5, 2022
لقد سمعنا تفاصيل مجازر مروّعة حدثت في الثمانينات من فم الناجين وسكتنا وسكت معنا العالم كله، وشهدنا مجازر أخرى خلال السنوات الأخيرة، ونعرف بالاسم مجرمي حرب ولصوصاً وقتلة ومهربين ونتعامل معهم على أنهم جزء من هذا المجتمع العريق.

نحن عملياً نحتضر… ولكن الموت يمهلنا لسبب أو لآخر…

 أدركنا ذلك منذ سنين وأغمضنا أعيننا لنعيش، تاريخ هذا البلد متخم بالمجازر المرتبطة مباشرة بورطة استخدام عقولنا في التفكير. وهناك جمهور عريض من المثقفين يقدّم التحليلات السياسية المناسبة لكلّ مجزرة جديدة، ويذكّرنا بالمجازر التي حدثت في هذه المنطقة وفي كل الكرة الأرضية وعبر تاريخ البشرية… عند كل “مذبحة” جديدة تُفضح، يبررون الدم بتعديد مذابح الآخرين. وكأن الدم يبرر الدم، وموت الناس القسري قضية ثانوية، ولا حرمة للضحايا. فإذا كانوا من المعسكر المعادي لا بأس، فلنشمت بهم، إنهم يستحقون الموت!

وكانت مجزرة التضامن التي تعود إلى عام 2013، والتي كُشف سرها راهناً، آخر تلك الجرائم التي تخضع للتحليل والتبرير والمراوغة. 

ماذا تطلبون منا الآن؟ اعتبار الإجرام مجرد جزء من سياق التطور الطبيعي للإنسان؟ ويحدث أن ما يفعلونه يذكرنا فعلياً بتاريخ المجازر الإنسانية التي ارتكبت على هذه الأرض.

لقد سمعنا تفاصيل مجازر مروّعة حدثت في الثمانينات من فم الناجين وسكتنا وسكت معنا العالم كله، وشهدنا مجازر أخرى خلال السنوات الأخيرة، ونعرف بالاسم مجرمي حرب ولصوصاً وقتلة ومهربين ونتعامل معهم على أنهم جزء من هذا المجتمع العريق.

نحن نتشارك جميعاً بلا استثناء في هذه الجرائم. تحمل الأطراف المتصارعة في المنطقة المنطق ذاته والأخلاق ذاتها وتتقاتل وسط غابة لا يحكمها قانون ولا يعترف فيها أحد بشريعة الآخر.

وسواء اطّلعنا على مجزرة جديدة موثقة على شريط فيديو أم لا فإن ذلك لن يكون سبباً لأي رد فعل اجتماعي أو سياسي أو حتى أخلاقي، لأننا ببساطة اعتدنا على التعايش مع الرعب والخنوع. اعتدنا أن نكون محكومين من سلطة تأسست على الحقد وبنت قواعدها على السرقة والقتل. سلطة غاشمة تنقلب حتى على أبنائها إذا اقتضى الأمر. لا تحتمل النقد وتقيّم المواطنين بحسب درجة تفاعلهم مع استبدادها فكلّنا “مفيشون” بدرجات تتراوح بين المؤيد المتحمس والمعارض وتنتهي بالمتمرّد الذي ينتهي في الدرك الأسفل من أقبية المخابرات السورية. وهذا الواقع على ما يبدو لن يغيّره شيء، فحتى الحرب التي استمرت نحو 11 سنة وأكلت الأخضر واليابس، الأحياء والأموات، لم تستطع استعادة حقوق السوريين ولم تستطع اقتلاع هذه السلطة وقوانينها وأخلاقياتها البائدة.

التغيير السياسي كما يتخيله بسذاجة السوريون لن يجدِ نفعاً. نحن بحاجة إلى إعصار يضرب أساس عقلياتنا التي تعفّنت وصارت تنكر ما تراه أمامها لتبرّر معتقدها وتنفي معتقد الآخرين. نتشارك التراب واللغة والملامح والأذواق ونتصارع على تفاصيل تاريخية أُشبعت بالغلّ وحُمّلت أكثر بكثير مما تحتمل.

أن نعيش في الماضي فهذه لعنتنا الكبرى. 

الماضي ينتمي إلى التاريخ وآن لنا أن نعيش في الحاضر ونعترف بأن المجازر الإنسانية عار وأن من يتعاطف معها أو يبررها، إنما يطبّع مع الجريمة ويشجّع على المزيد. 

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
منى آدم
علاء حبيس في سجنه لا يرى من العالم سوى فردًا واحدًا من أسرته لمدة عشرين دقيقة كل شهر.
Play Video
هل النسوية فكرة متطرفة ولماذا تبدو ضبابية في المجال العام في منطقتنا العربية؟ هل النسويات متأثرات بالهجوم الشرس المستمر من المنظومة الدينية والسلطوية الرافضة للتحرر والمساواة الكاملة للمرأة؟

43:20

Play Video
نقاش ما بعد الانتخابات أعاد إحياء ملف الأزمة الاقتصادية والانهيار المالي. فمن سيتحمل كلفة سرقة ودائع اللبنانيين ومن سيحاسب من؟

6:29

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني