استعمار ما بعد الاستعمار:
الروسي ينافس الإسرائيلي احتلالاً وقتلاً 

ما زال الاستهتار بأخطار الكولونيالية الروسية الجديدة مستمراً بعد غزو أوكرانيا، ومحاولة احتلال أراضيها كلها لخلق واقع جديد.

أغمض ناقدو الظاهرة الاستعمارية والمتخصصون في دراسة حقل ما بعد الكولونيالية، وكذلك أنصار الحرية إلا القليل منهم، الأعين عن نزعة التوسع الروسي منذ غزو جورجيا 2008، مروراً باحتلال شبه جزيرة القرم 2014. 

وربما كان عذرهم أن هاتين الغزوتين حدثتا عبر معركتين خاطفتين لم يخلف أي منهما خسائر ضخمة، فلم تلفت انتباههم إلى بداية تشكل حالة كولونيالية (استعمارية) جديدة يُعاد فيها إنتاج تاريخ الظاهرة الاستعمارية، التي بدا أن الستار أُسدل عليها بعد تصفية الاستعمار في الربع الثالث من القرن الماضي، فلم يبق إلا الاستعمار الإسرائيلي الذي حالت انحيازات معظم المتخصصين في ذلك الحقل المعرفي دون الاهتمام به. ويُرجى ألا يكون هذا حالهم مع الاستعمار الروسي الآخذ في التوسع.

لم يعد ممكناً التماس أعذار لاستمرار الصمت على هذا الاستعمار الذي ثبت أنه احتلال فاق في بشاعته معظم ما حدث في مختلف مراحل الظاهرة الاستعمارية، باستثناء بعض المستعمرات الفرنسية السابقة. 

احتلال حدث عبر قتل عدد هائل من السوريين وتهجير عدد أكبر، فضلاً عن تدمير مدن وبلدات بكاملها، وهو ما لم يحدث مثله في تاريخ الظاهرة الاستعمارية، إلا نادراً.

لم يهتم العالم في كل هذا الاحتلال والقتل والتدمير والتخريب إلا بالسوريين الذين فروا من الجحيم الروسي الذي أطبق على بلدهم، سعياً إلى ملاذ آمن في أوروبا. اختُزلت هذه الحالة الكولونيالية الجديدة في أوضاع أولئك الفارين، ومواقف السلطات في الدول التي حاولوا اللجوء إليها.

وفي سياق هذه الاستهانة بالكولونيالية الروسية الجديدة، بقى الاعتقاد شائعاً في أن الظاهرة الاستعمارية تمددت، بسبب تجاهل الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية. وبقى عرب كُثُر عاجزين كالمعتاد عن إدراك أن الاستعمار الإسرائيلي لم يعد الوحيد الباقي، وعن استيعاب أن الاحتلال الروسي لسوريا، وقبله لأجزاء في جورجيا وأوكرانيا، يُعيد العالم إلى زمنٍ كان الاستيلاء فيه على أراضي شعوب أخرى بالقوة معتاداً، ولم يدرك هؤلاء أيضاً أن الاحتلال الإسرائيلي هو المستفيد الأول من وجود استعمار ثانٍ يصفق له بعضهم أو كثر منهم.

وما زال الاستهتار بأخطار الكولونيالية الروسية الجديدة مستمراً بعد غزو أوكرانيا، ومحاولة احتلال أراضيها كلها لخلق واقع جديد، تمكَّن الغزاة من فرض شروطهم بشأن نظام الأمن في شرق أوروبا، قبل انكفائهم للتركيز على احتلال المناطق الجنوبية والشرقية بعد فشل السعي إلى احتلال كامل.

ولكي نبدأ فهم سمات الكولونيالية الجديدة، يتعين تمييزها عن الاستعمار الذي أُعلنت تصفيته في ستينات القرن الماضي، كانت السمة الأهم لهذا الاستعمار أو  الكولونيالية القديمة، هي أن الدول الغازية احتلت البلدان التي غزتها كاملةً، وليس جزءاً منها، واعتمدت على قواتها المسلحة دون غيرها لفرض هيمنتها على أراضي البلدان والشعوب، وليس على وكلاء تابعين لها. 

لكن الكولونيالية الجديدة تعتمد في تثبيت احتلالها على إقامة كيانات تابعة لها، وتقديم الدعم والحماية لها. وكان هذا المنهج ابتكاراً إسرائيلياً تمثل في إقامة مستوطنات في الضفة الغربية الفلسطينية، والتوسع فيها أفقياً ورأسياً بشكل تدريجي.

إقرأوا أيضاً:

ومضت روسيا في هذا الاتجاه نفسه، إذ اعتمدت منهج إقامة كيانات خاضعة لوصايتها بعد احتلال مناطق في عدد متزايد من البلدان، بلغ 3 حتى الآن، بعدما فُتحت شهية السلطة القائمة في الكرملين للتوسع نتيجة استهانة العالم، بما فيه معظم أنصار الحرية أو من يُعدون كذلك، بغزواتها سواء الصغيرة في جورجيا وأوكرانيا، أو الكبيرة في سوريا. ولكن غزو أوكرانيا للمرة الثانية أحدث تغييراً في موقف دول كثيرة، بدرجات مختلفة تبلغ أقصاها في الغرب عموماً، ودول الحلف الأطلسي “الناتو”، لا سيما أن هذا الغزو جزء من خطة أوسع لتغيير الأوضاع في شرق أوروبا، وهو الهدف الأساسي للكولونيالية الروسية. فلم يعد الأمر كما كان حين  فصلت جزءاً من جورجيا وأعلنت استقلاله عام 2008، وكررت ذلك في جزء من شرق أوكرانيا عام 2014، عبر إقامة ما “جمهوريتين شعبيتين” في جزءين من منطقتي دونيستك ولوجانسك في إقليم دونباس. وهي تعمل الآن لتوسيع مساحة كل من هذين الكيانين ليشمل المنطقة التي يقع فيها بشكل كامل، إلى جانب فصل أقاليم أخرى في منطقتي الجنوب والشرق، بدءاً بمحافظة خيرسون.

ولم تكن روسيا في حاجة إلى إنشاء كيان خاضع وفصله في سوريا، فقد أصبح معظم مناطق هذا البلد العربي تحت هيمنتها السياسية والعسكرية، من خلال تحكمها في نظام حكمٍ يدين لها بالولاء الكامل. ومع ذلك فقد خلقت قواعد ارتكاز سياسية تابعة لها بشكل مباشر في عدد غير قليل من المدن والبلدات، إلى جانب القواعد والمنشآت العسكرية التي يتركز أكبرها في حميميم.

وهكذا تبدو إقامة كيانات خاضعة لوصاية كاملة، عوضاً عن الاعتماد على  قواتها بشكل مباشر بعد تثبيت الاحتلال، السمة الأولى للكولونيالية الجديدة، الأمر الذي يتطلب إعادة الحياة إلى الحقل المعرفي الخاص بما بعد الكولونيالية، الذي ازدهر في العقود الأخيرة من القرن الماضي، ثم أخذ في التراجع. ولا يغني هذا، بالتأكيد، عن الحاجة إلى إحياء حركة مواجهة الاستعمار في أوساط أنصار الحرية، أو من بقوا منهم، في كل مكان.

  أما السمة الثانية لهذه للكولونيالية فهي أن أبعادها السياسية والاستراتيجية أكبر من بعدها الاقتصادي، بخلاف الكولونيالية القديمة وبخاصة في مرحلتيها الثانية والثالثة، حين سعت الدول المستعمِرة إلى الحصول على مواد خام رخيصة لصناعاتها الناشئة بعد الثورة الصناعية الأولى (المرحلة الكولونيالية القديمة الثانية)، أو عندما أرادت تسويق منتجاتها الزائدة عن حاجة أسواقها المحلية، فصار السعي إلى فتح أسواق أهم ما ميز مرحلة الكولونيالية القديمة الثالثة التي سماها البعض إمبريالية.

وربما تبدو الكولونيالية الجديدة للوهلة الأولى، والحال هكذا، أقرب إلى الكولونيالية القديمة في مرحلتها الأولى التي أعقبت الكشوف الجغرافية، حين اشتد  تنافس القوى الكبرى على النفوذ والسيطرة على البحار، حيث دارت أهم معارك تلك المرحلة، وبالتالي على البلدان التي كان احتلالها لازماً في سياق هذا التنافس. غير أن البُعد الاقتصادي لم يكن غائباً في تلك المرحلة الأولى، التي تشكلت فيها ما صار يُطلق عليها الظاهرة الاستعمارية، وربما كان مساوياً للبُعد السياسي- الاستراتيجي، لأن توسيع مناطق النفوذ كان ضرورياً لتحقيق التراكم الرأسمالي الأولي الذي أتاح استثماره تحقيق الثورة الصناعية، ومن ثم الانتقال إلى المرحلتين الثانية والثالثة في تاريخ الكولونيالية القديمة.

غير أن البُعد الاقتصادي في الكولونيالية الجديدة يبدو أقل من الأبعاد السياسية والاستراتيجية، لأن الاحتلال وإقامة كيانات تابعة خاضعة للوصاية، لا يُحققان عائدات اقتصادية إلا على سبيل الاستثناء. فالعكس قد يكون أصح غالباً عندما تكون حماية الكيانات الخاضعة لدول الاحتلال مُكلفة لاقتصادها، وبخاصة في حالة الاحتلال الروسي الذي صار هو المكون الرئيسي لظاهرة الكولونيالية الجديدة، سواء لأنه موجود الآن في ثلاث دول، أو لأنه آخذ في التوسع، فضلاً عن أنه الأكثر عنفاً وقتلاً وتهجيراً وتدميراً، وتوحشاً.

ولهذا، صار ضرورياً إحياء الحقل المعرفي الخاص بما بعد الكولونيالية وإجراء مراجعة لأدبياته في سياق دراسة الكولونيالية الجديدة، أو كولونيالية ما بعد مرحلة تصفية الاستعمار، فأهمية إحياء هذا الحقل ليست أقل من الحاجة إلى إعادة الحياة  إلى حركة تصفية الاستعمار في أوساط أنصار الحرية في كل مكان أو الباقين منهم.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
منتظر الخارسان- صحافي عراقي
القضاء في العراق مجرد أداة سياسية، كغيره من الأدوات كأسلحة الكاتيوشا أو المسيرات.
Play Video
فراس حمدان هو محامٍ لبناني نشط بالساحات خلال انتفاضة 17 تشرين وكان ثمن نضاله كبيراً. شرطة مجلس النواب أصابت فراس برصاصة من سلاحٍ محرم دولياً اخترقت قلبه بإحدى التظاهرات، وعلى رغم أن شظاية الرصاصة بقيت في قلبه، إلا أن فراس تحدّى وترشّح على الإنتخابات، وربح. ليعود إلى الساحة نفسها ولكن هذه المرة كنائب!

4:38

Play Video
“رح ننتخب أي حدا ضد المُعرقلين…”، 21 شهراً مرّ على انفجار مرفأ بيروت وأكثر من 4 أشهر على تجميد التحقيق. السلطة اللبنانية تُحاول عرقلة التحقيقات وطمس الجريمة، بل وتخوض الانتخابات بوجوه مُتّهمة بانفجار 4 آب، لكن أهالي الضحايا يصرّون على ثباتهم: العدالة تأتي بالتغيير.

2:49

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني