حرمان بموجب القانون: أزمة اللاجئين مع الدراسة والعمل في مصر

لم يتمكن سوى 1 في المئة فقط من اللاجئين حول العالم في الحصول على فرص التعليم العالي عام 2017، وقد ارتفعت النسبة عام 2018 لتصل إلى 3 في المئة، لكنه لا يزال أقل بكثير من المُعدل العالمي للالتحاق بالتعليم العالي والذي يبلغ 39 في المئة.

تخرج اللاجئ السوري أحمد ماهر، من كلية الحقوق- جامعة القاهرة عام 2020 وسط فرحة الأهل والأصدقاء وحلم بالانتساب إلى نقابة المُحامين والوقوف على منصات القضاء- كما تخيل- لكن سرعان ما اصطدم بالواقع والقوانين المصرية التي تعامله بوصفه سورياً- أجنبياً، لا يحق له ذلك، حتى ولو كان حاصلاً على الشهادة الثانوية في مصر وقد درس القانون المصري كاملاً في المرحلة الجامعية.

ليس أحمد الوحيد ولا يُعد استثناءً في هذا التمييز الذي يعامل به القانون كثيرين خصوصاً اللاجئين على من الطلاب أو الخريجين من اختصاصات علمية مُختلفة. توثق هذه القصة المدعومة بالبيانات، شهادات لاجئين من سوريا واليمن وفلسطين ومُعاناتهم مع الدراسة والعمل بموجب القانون.

في منتصف عام 2013، غادر أحمد سوريا متجهاً إلى مصر برفقة أفراد أسرته؛ بحثاً عن الأمان الذي فقدوه جراء الحرب الأهلية التي مزقت الدولة، وحصل على الإقامة بفضل دراسته وأنهى المرحلة الجامعية بتقديرات عالية إلا أن حلمه بالعمل في المُحاماة بات قيد التوقف.

يحكي الشاب السوري عن مُعاناته، قائلاً: “أنا دارس القانون المصري ومتخرج في مصر بشوف أصحابي المصريين لابسين الروب وشغالين بحس بحسرة في قلبي؛ لأني دارس 4 سنين زي زيهم، هما اشتغلوا بشهادتهم وأنا لا، لسه هستنى أني أروح أعمل مُعادلة في سوريا عشان أشتغل هنا في مصر، بالنسبة ليا ده مُستحيل”.

“كان فيه صعوبات عكس ما توقعت تماماً صعوبات كبيرة جداً، طلبوا مني أوراق غريبة، مكنتش عارفة من وين أجيبها، حتى مكنتش أقدر أرجع لليمن علشان أعمل الأوراق دي وأجيبها، تعبت مكنتش قادرة، فشلت فكرة استكمال الدراسة من دماغي تماماً”.

فاطمة – طالبة يمنية في مصر

حاول الشاب العشريني كثيراً، يخبرنا أحمد أنه تواصل مع السفارة السورية في القاهرة لتسهيل الإجراءات، فكر في تلقي التدريب عند أحد المحامين المصريين كي لا ينسى ما تعلمه، لكن الأمر في النهاية بيد التشريعات إلى سوريا لمُعادلة شهادته الجامعية واستكمال سنة دراسية أخرى هُناك، لكن طريقه ليس بهذه السهولة: “فكرة إني أنزل سوريا مستحيلة، هياخدوني إجباري علشان أدخل الجيش، ولو دخلته مش عارف هاطلع منه إمتى، أصلاً بسبب الحرب واحد قريبي ضل بالجيش 8 سنوات حتى الآن ماخرجش”.

في النهاية قرر الشاب السوري، العمل في مجال العطور؛ لتوفير قوت يومه ومساعدة أسرته لتحمل مشقات الحياة في القاهرة، تاركاً حلمه وراءه على أمل تغيير القوانين ومعاملته وغيره من اللاجئين بعد تخرجهم بالمُعاملة ذاتها التي لاقوها في مرحلتي التعليم الثانوي والجامعي أسوة بأصدقائهم المصريين.

يضع القانون المصري مبدأ “المُعاملة بالمثل” شرطاً أساسياً للموافقة على عمل المُحامي الأجنبي في مصر أو السماح له بإصدار تصريح والترافع أمام المحاكم المصرية إذا كانت دولته تُتيح للمصريين هذا الأمر فقط.

وقد نصت المادة 13 من القانون رقم 147 لسنة 2019 بتعديل بعض أحكام قانون المحاماة على أنه “يجوز لوزير العدل وفقاً للقواعد التي يضعها بالتنسيق مع مجلس نقابة المحامين الترخيص للمُحامي الأجنبي بالعمل في دعوى أو موضوع معين بشرط المعاملة بالمثل. ويُنشئ مجلس النقابة جداول خاصة بالمحامين الأجانب والمُحامين المشتغلين خارج جمهورية مصر العربية وبقواعد التعامل من حيث تدرج القيد ورسومه والاشتراكات السنوية والخدمات التي تقدم لهذه الجداول”.

يقول المُحامي عصام حامد، المُختص في قضايا اللاجئين، إن مبدأ “المُعاملة بالمثل” يقف حائلاً أمام أحلام اللاجئين في مصر، لا سيما من خريجي المُحاماة، كاشفاً عن محاولته برفقة 20 مُتدرباً من اللاجئين خريجي كليات الحقوق بالجامعات المصرية، تقديم طلبات لقيدهم بنقابة المُحامين أو الحصول على بطاقة مزاولة المهنة حتى لو كان ذلك بشروط أو بتقييد صلاحياتهم في أمور معينة، لكن من دون جدوى.

يُشير المُحامي المصري إلى أن اللاجئين ليسوا ممنوعين بموجب “مبدأ المعاملة بالمثل” من الترافع أمام المحاكم أو الانضمام للنقابة فقط، لكنهم ممنوعين من ممارسة المهنة بما فيها الأبحاث القانونية أو تأدية الأعمال العادية، مُضيفاً: “في خريجين من اللاجئين كويسين جداً، وناس طالعة بتقدير عالي جداً من جامعة القاهرة، منهم واحد سوري أعرفه طالع الثاني على الدفعة، خسارة مثل هذه العقليات أن تنسى القانون والأبحاث القانونية مع الوقت، ومن المُمكن أن تستفيد منهم الدولة بدلاً من ذلك”.

غياب إحصائية رسمية واضحة حول اللاجئين

في ظل ذلك، لا يوجد في مصر إحصاء رسمي واضح حول عدد اللاجئين وملتمسي اللجوء الفعلي الذين يعيشون في الدولة، إلا أن الرئيس عبد الفتاح السيسي، أعلن في كلمته خلال إطلاق تقرير الأمم المتحدة للتنمية البشرية عام 2021، أن عدد اللاجئين في مصر تجاوزوا 5 ملايين شخص.

فيما جاء في أحدث تقرير للمفوضية السامية لشؤون اللاجئين في مصر (كانون الثاني/ يناير 2022)، أن عدد اللاجئين وملتمسي اللجوء المُسجلين لديها بلغوا 273152 شخصاً من 65 دولة حول العالم، نصفهم من السوريين.

ووفقاً لإحصاءات وزارة التعليم العالي، المنشورة في خطة الاستجابة الإقليمية وتمكين المجتمعات المُستضيفة للاجئين السوريين – مصر 2020، يسجل ما يقرب من 6500 من شباب اللاجئين سنوياً بالجامعات العليا الحكومية المصرية، وتشترط الوزارة حصولهم على شهادات إتمام التعليم الثانوي للالتحاق بالكليات والجامعات المصرية.

كان أحمد السوري محظوظاً بحصوله على التعليم الثانوي في مصر، ما سمح له بدخول الجامعة أسوة بالطلاب المصريين، بخلاف غيره من السوريين الحاصلين على الشهادات الثانوية في بلادهم ممن يستوجب عليهم دفع 50 في المئة من الرسوم الدراسية المُقررة على الطالب الأجنبي والتي تزيد عن 2500 دولار أميركي، بموجب القرار الذي أصدرته وزارة التعليم العالي المصرية في كانون الثاني/ يناير 2016.

ويشير هذا القرار إلى أن اللاجئين السوريين الذين حصلوا على شهادة إتمام المرحلة الثانوية من إحدى المدارس العامة في مصر هم فقط الذين لهم الحق في الالتحاق بالجامعات على قدم المُساواة مع أقرانهم من المصريين، أما الذين حصلوا على هذه الشهادة من سوريا فيتعين عليهم دفع 50 في المئة من قيمة رسوم الدراسة للطالب الأجنبي، كما أن جميع الحاصلين على هذه الشهادة سنوياً من خارج مصر أو سوريا يتعين عليهم دفع قيمة رسوم الدراسة كاملة للطلاب غير المصريين.

بخلاف الحالة السابقة، لا تُقدم الحكومة المصرية فرص التعليم الجامعي المجاني إلى اللاجئين وهو الأمر ذاته الذي تفعله المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في مصر.

إقرأوا أيضاً:

يؤكد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عام 1948، أن “التعليم حق للجميع”، وتكفل اتفاقية عام 1951 المعنية بوضع اللاجئين هذا الحق، وتعد مصر من بين الدول الموقعة عليها وعلى البروتوكول المُعدل لها، إلا أنها أبدت عام 1981 تحفظات على مواد في الاتفاقية، ما أدى إلى تقليص حقوق اللاجئين.

وجاءت هذه التحفظات على بنود في 5 مواد فيها، تتعلق بقانون الأحوال الشخصية، وتوزيع المؤن، والمساعدات العامة، والعمل والأجور والتعويضات، وأخيراً البند 22 القاضي بـ”مساواة الطالب اللاجئ بالمصري في مجانية التعليم الابتدائي”، وقد انتفى هذا البند الأخير بشكل تدريجي؛ جراء التزام مصر بحصول جميع الأطفال المقيمين على أراضيها على التعليم العام كونها طرفاً في اتفاقية حقوق الطفل.

وبناءً على ذلك، عملت الحكومة المصرية على تغيير سياساتها خلال السنوات الأخيرة، وقدمت تسهيلات لانخراط عدد كبير من اللاجئين في مراحل التعليم الأساسية “الابتدائية والإعدادية والثانوية”، إلا أن الأمر يظل صعباً للغاية في مرحلة التعليم الجامعي.

مشوار صعب للحصول على منحة جامعية

لم يعد أمام الطلاب السوريين اللاجئين الحاصلين على شهادات ثانوية من الخارج أو غير السوريين الراغبين في الالتحاق بالمرحلة الجامعية سوى طريقين، الأول أن يقدموا أوراقهم تحت بند “وافدين أجانب” ويدفعون جراء هذا، مصاريف دراسة الوافد التي تتجاوز الـ4 آلاف دولار، والثاني أن يحصلوا على منحة دراسية مُقدمة من شركاء المفوضية السامية لشؤون اللاجئين مُمثلة في برنامج ألبرت أينشتاين الأكاديمي الألماني في مصر (DAFI) ومُمثله التنفيذي هيئة الإغاثة الكاثوليكية، أو الجامعات الخاصة المُقدمة للمنح مثل الجامعة الأمريكية بالقاهرة.  

وبالنظر إلى المنح الدراسية المجانية المُقدمة من شركاء المفوضية فهي قليلة مُقارنة بأعداد اللاجئين المُقدمين للحصول على فرصة التعليم الجامعي، إذ تُشير خطة الاستجابة الإقليمية التي نشرتها مفوضية اللاجئين في عام 2020 إلى أنه خلال العامين 2018/2019، تلقى شركاء الخطة ما يقرب من 1500 طلب من المُتقدمين المؤهلين، بينما 28 فقط (24 في مبادرة ألبرت أينشتاين الألمانية الأكاديمية لمصلحة اللاجئين و4 في الجامعة المصرية اليابانية للعلوم والتكنولوجيا) منهم هم القادرون على الاستفادة من المنح، ما يعني إتاحة المنح لـ 2 في المئة فقط من المتقدمين.

وكانت المفوضية السامية والحكومة الألمانية أطلقتا برنامج المنح الدراسية للاجئين (DAFI) عام 1992، وقد دعم أكثر من 18 ألف لاجئ ولاجئة في 54 دولة لجوء حتى نهاية عام 2021، للوصول إلى شهادات التعليم العالي المُعتمدة، وهو يغطي الرسوم الدراسية والمواد الدراسية والغذاء والنقل والإقامة والبدلات الأخرى.

ويتم تنفيذ البرنامج في مصر من قبل هيئة الإغاثة الكاثوليكية، وقد وصل عدد الملتحقين به منذ انطلاقه حوالى 500 لاجئ ولاجئة من 8 جنسيات يعيشون في مصر مُسجلين لدى المفوضية، تم قبولهم بعد سلسلة من الإجراءات والشروط والأوراق المطلوبة التي  تُحددها المفوضية وشريكها المُنفذ “الإغاثة الكاثوليكية”.

لم يتمكن سوى 1 في المئة فقط من اللاجئين حول العالم في الحصول على فرص التعليم العالي عام 2017، وقد ارتفعت النسبة عام 2018 لتصل إلى 3 في المئة، لكنه لا يزال أقل بكثير من المُعدل العالمي للالتحاق بالتعليم العالي والذي يبلغ 39 في المئة، وفق إحصاءات مفوضية اللاجئين.

دفع ذلك الأمم المُتحدة لدق ناقوس الخطر حول الوضع التعليمي لشباب اللاجئين والسعي نحو إطلاق استراتيجية تعليم اللاجئين 2030،  وهي مبنية على خمسة مسارات للتعليم العالي أولها “التحاق اللاجئين بالجامعات الوطنية”، وبموجب هذه الاستراتيجية تلتزم مفوضية اللاجئين وشركاؤها بالوصول إلى نسبة 15 في المئة من التحاق الطلاب اللاجئين بالتعليم العالي بحلول عام 2030، أي إتاحة التعليم العالي لنحو 500 ألف لاجئ ولاجئة.

انتهى مشوار أحمد السوري مع التعليم عند تخرجه من الجامعة، وأصبح ممنوعاً من الانضمام لنقابة المُحامين أو العمل بمجال دراسته لأنه أجنبي، كما أنه يُعامل مُعاملة الوافد حال قرر استكمال مرحلة التعليم ما بعد الجامعي والالتحاق ببرامج الدراسات العليا “الديبلوم والماجستير والدكتوراه”.

بحسب اللائحة التنفيذية لقانون تنظيم الجامعات الخاصة بالدراسات العليا فإنه تتم مُعاملة الطالب غير المصري أيا كانت جنسيته ووضعه مُعاملة الأجنبي من حيث إجراءات التقديم ومصاريف الدراسة، حتى لو كان الطالب أنهى دراسته الجامعية في إحدى الجامعات المصرية أو كان حاملاً صفة لجوء، فهو في كل الأحوال أجنبي في نظر القانون. 

لا تختلف حالة أحمد عن وضع اللاجئة اليمنية أُمنية حيدرا، المسؤولة عن إعالة أسرتها في القاهرة، فقد دفعتها ظروف المعيشة إلى مواجهة مشقات الحياة اليومية بالعمل في مهن مُختلفة كان آخرها مجال العطور؛ لتوفير الطعام لوالدتها وأخواتها كونها أكبرهم سناً.

دفعت الحرب الأهلية اليمنية أمنية وأسرتها للفرار إلى مصر، ومنحتهم المفوضية السامية لشؤون اللاجئين الإقامة نظراً لأوضاعهم الصعبة. وعن دراستها تقول الفتاة (28 سنة): “كنت أتمنى أني أكمل دراستي العليا في الحقوق بعد ما أخدت شهادة الليسانس بتاعتي من اليمن، بس إمكانياتي ما تسمحش لأني أنا المسؤولة عن إخواتي وبيتي، بصرف عليهم”.

خلال السنوات الأخيرة، فاقمت الظروف الاقتصادية الصعبة في مصر بشكل كبير حاجات اللاجئين وأفراد المجتمع المُضيف، في ظل افتقار كثر منهم إلى مصدر دخل ثابت إلى جانب زيادة التضخم، إذ يعانون من فرص المعيشة المحدودة، ويفتقر البعض منهم إلى التعليم الرسمي المستدام الذي يمكن أن يدعم تطورهم، وبالإضافة إلى ذلك، يعتمد عدد كبير منهم على المساعدات الإنسانية لتلبية احتياجاتهم الأساسية، وفق تقرير المفوضية السامية.

في هذا السياق، يرى رابح الدسوقي، المُحامي بالاستئناف العالي ومجلس الدولة، المُتخصص في قضايا العرب والأجانب بمصر، أنه بات من الضروري إدخال بعض التعديلات على القوانين المصرية التي تمس اللاجئين من أجل مواكبة الأحداث التي مرت بها دولهم بعد عام 2010 من حروب أهلية وصراعات، إذ من شأن هذه التشريعات والاستثناءات تسهيل حصولهم على الإقامات بشكل أيسر وتقليل  تكاليف المعيشة مُراعاة لظروفهم.

إقرأوا أيضاً:

اللاجئون محرومون من الالتحاق بالدراسات العليا

تخرجت اللاجئة السورية العشرينية هدى العبد الله (اسم مستعار)، من كلية الطب في جامعة القاهرة، عقب حصولها على التعليم الجامعي في مصر، وسعت للالتحاق في برامج الدراسات العليا على أمل أن تساعدها دراستها في توفير حياة كريمة ولائقة لها ولأسرتها بالسماح لها بمزاولة المهنة وفتح عيادتها الخاصة، إلا أنها لم تتمكن من ذلك، بسبب التكاليف الكبيرة للماجستير كونها ستدفع المصاريف بالجنيه الاسترليني، لأن القانون وضعها في خانة الطالب الأجنبي بعد التخرج.

والوضع يزداد صعوبة في المجال الطبي حيث تكون شهادة الدكتوراه ضرورية لممارسة المهنة؛ ذلك أن افتتاح عيادة ومُعالجة المرضى، على سبيل المثال، أمر مستحيل بالنسبة إلى الأطباء، أو أطباء الأسنان الذين لا يحملون أي شهادة بعد درجة البكالوريوس، كما هو مُبين في المادة الأولى من القانون رقم 66 لعام 2010.

يقول المُحامي عصام حامد، إن الإجراءات الصعبة الخاصة باللاجئين، لا سيما من خريجي الطب تتسبب في عزوفهم عن العمل وينتهي بهم الحال إلى نسيان ما تعلموه في المرحلة الجامعية، مُضيفاً: “الغالبية بيقعدوا في بيوتهم، ولازم يكملوا دراسات عليا، ولو حاول حد منهم ياخد رخصة العمل، لازم يشتغل تحت إيد طبيب مصري، ما يقدرش يفتح من نفسه عيادة، لازم يكون الطبيب المصري الأساس”.

تقول اللاجئة السورية إن الدراسات العليا أصبحت حكراً على القادرين على دفع آلاف الدولارات نظير برامج الدراسات العليا، مشيرةً إلى أنها اتجهت للبحث عن المنح التي يوفرها شركاء المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، لكن العدد محدود مقارنةً بعدد المتقدمين الكبير، ما جعل فرصة الحصول على منحة شبه مُستحيل، ما دفعها للتراجع عن حلمها.

يُحدد قانون تنظيم الجامعات رقم 49 لسنة 1972 المصروفات والإجراءات الخاصة للتقديم بالدراسات العليا للطلاب غير المصريين ولا يستثنى أي من الأجانب في المُعاملة، سواء كانوا وافدين أو ملتمسي لجوء، وقد تم تعديل المادة 271 بند (ب) من اللائحة التنفيذية بقرار رئيس مجلس الوزراء رقم 27 لسنة 2016 الخاص بالمصروفات.

بموجب هذا التعديل الحكومي أصبح على طلاب الدراسات العليا الوافدين دفع رسم قيد لأول مرة مقداره 1500 دولار أميركي ومصاريف دراسية سنوية مقدارها 6000 دولار أميركي لكليات الطب البشرى وطب الأسنان، و4500 دولار أميركي لمجموعة من الكليات والمعاهد الأخرى.

ولا يتم – وفق القانون – خفض مصروفات الطلاب الأجانب لأي أسباب، وهو ما جاء في فتوى مجلس الدولة رداً على خطاب وزارة التعليم العالي بشأن إمكانية خفض رسوم طالبين مقيدين بالدكتوراه بسبب ظروف قهرية مروا بها.

واستندت الفتوى الصادرة في آب/ أغسطس 2021، على أن اللائحة التنفيذية لقانون تنظيم الجامعات الصادر بالقانون رقم (49) لسنة 1972 خلت من استثناء بعض الطلاب من أداء رسوم القيد أو المصروفات الدراسية المُحددة بالمادة (271) منها أو خفضها سواء بعذر أو بغير عذر، ومن ثم لا يجوز خفض الرسوم أو المصروفات الدراسية لطلاب الدراسات العليا.

لم يكن حال اللاجئين، الفلسطيني أسامة حميد، واليمنية العشرينية فاطمة “اسم مستعار”، ببعيد من مُعاناة اللاجئة السورية سابقة الذكر هدى العبد الله، فقد مروا جميعاً بظروف معيشية صعبة وتحديات دراسية في مصر.

يقول أسامة إنه حصل على منحة لدراسة طب الأسنان في جامعة فاروس (جامعة خاصة مُعتمدة مقرها الإسكندرية)، انتقل على إثرها للعيش في مصر، وافداً من معبر رفح أوائل عام 2016، ونتيجة لظروف الحرب وغلق المعبر تأخر عن دفعته بسنتين كاملتين وبفصل كامل عن الحياة الطبية، ما صعّب عليه الاستمرار أو تعويض ما فاته.

بسبب ظروف المعيشة الصعبة التي عانى منها على اللاجئ الفلسطيني المُسجل في وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا”، تمنى لو تمر الأيام سريعاً حتى يعود إلى غزة مُحملاً بعلمه فيستطيع فتح عيادته الخاصة،  يقول “أني أفتح عيادتي هنا في مصر الصراحة صعبة، نظراً للظروف واللي أنا مريت فيها هنا كتير، معتقدش فكرة دكتور فلسطيني مرحب فيها بمصر، سوق العمل نفسه محتملش أعداد زيادة”.

لم تكن المصروفات وحدها ما يؤرق اللاجئين الراغبين في الالتحاق ببرامج الدراسات العليا، بل إن مساواتهم بالوافدين في إجراءات التقديم، تشكل عراقيل أخرى لا يتحملونها، وهو ما عبرت عنه اللاجئة اليمنية فاطمة عبدول.

اضطرت فاطمة الفتاة الحاصلة على بكالوريوس الإعلام في اليمن إلى العمل – منذ ولوجها مصر هرباً من استهداف الحوثيين في نهاية عام 2017 – لتدبير شؤون حياتها، فكرت بعد أشهر في اتخاذ خطوة نحو تحقيق حلمها بالتقديم في برنامج ماجستير الإعلام بجامعة القاهرة، إلا أن التكلفة العالية حالت دون ذلك.

لجأت الفتاة العشرينية للبحث عن منح الدراسات العليا، لكن العائق كان في استكمال إجراءات التقديم كما تقول: “كان فيه صعوبات عكس ما توقعت تماماً صعوبات كبيرة جداً، طلبوا مني أوراق غريبة، مكنتش عارفة من وين أجيبها، حتى مكنتش أقدر أرجع لليمن علشان أعمل الأوراق دي وأجيبها، تعبت مكنتش قادرة، فشلت فكرة استكمال الدراسة من دماغي تماماً”.

يلتزم ملتمس اللجوء الراغب في التقدم للدراسات العليا في الجامعات الحكومية تسليم مُستندات وتوثيق أوراق ثبوتية في دولته الأم والجهات التابعة لها أو الدولة التي أنهى فيها دراسته الجامعية، وتنطبق عليه في هذه الحالة الإجراءات والشروط التي تنطبق على الطلاب الأجانب.

في نهاية طريقها، كانت فاطمة صاحبة توفيق كبير، بعد مرور أشهر روت مشكلتها لمسؤولين يمنيين سابقين يعيشون في القاهرة فتبنوا مسألة دراستها التي تكللت بتقديمها في برنامج الماجستير في إحدى الكليات الخاصة، بخلاف غيرها من اللاجئات واللاجئين الموجودين في مصر، والذين أجبرتهم ظروفهم على التخلي عن أحلامهم وامتهان مهن أخرى على أمل أن يتغير الحال.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
“درج”
بالمقارنة مع جرائم النظام الأخرى، قد يبدو تزوير شهادات جامعية مسألة بسيطة، لكنها ليست كذلك. لأنها تقتل مستقبل التعليم في سوريا، وتحيل أجيالاً إلى الاتكالية والفشل وتصنع نظاماً تعليمياً قائماً على التزوير والفساد.
Play Video
باستخدام أدوات تكنولوجية مختلفة، كالقصص التفاعلية وتقارير 360 درجة ومقاطع فيديو ورسوم متحركة، استطاعت منصة Tiny Hand تغطية المعاناة والأثر الذي تتركه الحرب على الأطفال وايصالهما الى العالم.

4:41

Play Video
الكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية والناشطة اللبنانية غوى أبي حيدر والناشط السياسي الكويري ضومط قزي الدريبي ضيفا هذه الحلقة من بودكاست “نون” للحديث عن المثلية الجنسية وتصاعد الحملات المعادية لها في الآونة الاخيرة. المحزن ان ملاحقة العلم او الراية بات يشبه حملات مطاردة الساحرات في منطقتنا. تكثر الاخبار من حولنا عن سحب رواية، منع فيلم، مطاردة شعار، ومصادرة ألعاب أطفال لأنها تحمل ألوان قوس قزح، فضلا عن خطابات التحريض والكراهية والملاحقات القانونية والوصم الاجتماعي، وهو ما تكرر في أكثر من دولة بذرائع أخلاقية ودينية. غوى أبي حيدر وهي ناشطة وكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية. كتبت سلسلة مقالات عن انتحار الناشطة المصرية سارة حجازي قبل عامين بعد ان سجنت بسبب رفعها علم قوس قزح/ شعار مجتمع الميم وتم اضطهادها ونفيها بسببه الى ان انتحرت. اما الناشط السياسي ضومط قزي الدريبي، فقد شارك في كثير من نشاطات الحراك الاعتراضي السياسي في لبنان في السنوات الاخيرة، لكنه واجه حملات ضده مستغلين هويته الجنسية.

51:48

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني