حين قررت طرابلس أن تغادر أغنياءها 

لا شيء واضحاً في لبنان كطرابلس. حين تغضب تطلق النار وحين تثور تحوّل ساحة النور إلى ملتقى لكل اللبنانيين، وحين تجوع تغادر.

حان الوقت لنبدأ بالبحث عن شيء في طرابلس يجعلها دائماً في مقدمة القصة اللبنانية. في الثورة كانت طرابلس في المقدمة، وفي الهرب من المنظومة تقدم أبناؤها الفرار الاحتجاجي والطليعي من السلطة، وبين الحدثين تولت فتيات مدرسة رسمية التصدي لمدرس متحرش، على نحو لم تفعله تلميذات مدارس كثيرة في لبنان. والانتخابات في طرابلس مختلفة عن الانتخابات في بيروت أو غيرها من المناطق اللبنانية. طرابلس هذه تريد أن تقول للبنان شيئاً مختلفاً وعلينا أن نتيح لها الفرصة. وهي في كل حال تقوله مباشرة وببساطة. حين فشلت بإسقاط النظام قررت أن تغادر، ركبت زورقاً هشاً وأقلعت من دون ضجيج. قالها الرجل المغادر على نحو واضح: “إما نحن وإما هم… البلد لا يتسع لنا مع بعضنا”. 

لا شيء واضحاً في لبنان كطرابلس. حين تغضب تطلق النار وحين تثور تحوّل ساحة النور إلى ملتقى لكل اللبنانيين، وحين تجوع تغادر. إذا أردت أن تكون زعيماً في طرابلس فالأمر في غاية السهولة. ها هو نجيب ميقاتي ما زال زعيماً. المدينة أفسحت له مكاناً على رغم ضيقه بأهلها، وعلى رغم اقتصار ثروته على عائلته، وهي إذ تغضب منك، لا تطيحك إنما تغادرك على نحو ما يغادر الحبيب الخائب حبيبته. ولك أنت الغريب عن المدينة أن تؤسس حزباً فيها، فطرابلس كريمة ولديها مساحات كثيرة للهو، والزمن في أزقتها يتسع لأحزاب الغرباء. 

لقد تعاقب على المدينة الشيوعيون والإسلاميون، وبين الزمنين فلسطينيون وسوريون، إلى أن استقر الحال لأغنياء المدينة الذين تولوا تمويل اشتباكات التبانة وجبل محسن بكرم فاق كرمهم في الإنفاق على فقراء المدينة وعلى أحيائها الفقيرة. ولعل إفساحها المجال لصورهم في أحيائها الفقيرة مرده إلى كرم لا إلى ابتذال، فالصور تستدرج ضحكاً وخفة على نحو ما تستدرج احتقاراً للوجوه التي تظهر فيها مبتسمة أحياناً، ومنشغلة أحياناً أخرى بهاتف يظهر في الصورة ليوحي بأن صاحب الوجه منشغل بتصريف حاجات الفقراء. 

لا بأس قالت طرابلس، فالزمن يراكم في الأزقة روائح العهود المتعاقبة ويترك أثراً تستدخله المدينة وتجعله امتداداً لشيء فيها. في أزقة طرابلس يمكنك أن تلتقط رائحة تأخذك إلى آل كرامي، وأحياناً إلى سعيد شعبان، وربما إلى منزل طبيب شيوعي! والغريب أن لا رائحة لآل الحريري، على رغم تصدرهم تمثيل المدينة لسنوات طويلة. أما نجيب ميقاتي ورهطه من الزعماء الأغنياء، فهم أقرب إلى أصوات تصدح خارج قشرة الروائح. لهم وجوه وصور وأقارب، لكنهم سرعان ما يختفون ما أن تمر عاصفة، أو ما أن يغادر قارب هش ميناء المدينة في الليل متوجهاً إلى حيث لا يعرف ركابه.

طرابلس لطالما شطبت وجوهنا بأحداثها. لا شيء تخفيه المدينة عنا نحن المتطفلين على قصصها. إنها المدينة التي لا مدينة غيرها في لبنان. تريد أن تقاتل في سوريا وفي العراق، وتريد أن تفضح المدرس المتحرش، وأن تكون على رأس الثورة، وحين يتصدر الجوع حياة أهلها تقرر أن تغادر وأن تترك أغنياءها يشقون بثرواتهم، ذاك أنها تعرف أن هذه الثروات تريد من يغبطها لكي يستقيم نفوذها. الأرجح أن وراء إقفال البحر أمام المركب رغبة في منع هؤلاء الفقراء من أن يخذلوا أغنياءهم. تماماً مثلما خذلت تلميذات المدرسة الرسمية، حين احتججن على مدرسهن المتحرش، المذهولين من شجاعة تلميذات مدارس الفقراء. 

طرابلس قصة أخرى لا تشبه أمراض اللبنانيين. وجدان يشتغل بمنطق مختلف. فالدهشة المتولدة من وضوح الحكاية فيها يجب ألا تسوقنا إلى الذهاب بالقصة إلى أبعد من المدينة. الشبان التحقوا بـ”داعش” ليس لأن طرابلس “قندهار لبنان” على نحو ما أطلق عليها الضيقون عديمو الخيال، بل لأن حرباً وجوعاً وتمييزاً لم يتعرض لها لبنانيو المناطق الأخرى، كان أبناء المدينة فريستها، ولأن مئات، بل آلافاً من شبانها سيقوا إلى السجون من دون محاكمات، ولأن السلطة قررت منذ ثلاثة عقود معاقبة المدينة. تلك السلطة عاقبت المسيحيين عمودياً وسياسياً، لكنها عاقبت طرابلس أفقياً. 

لا قصة يمكن أن تقودنا ببساطة إلى ما حصل لفتية مدينة على نحو ما تقودنا قصص فتية طرابلس. الأمهات الباحثات عن أبنائهن في أشرطة الجماعات المتشددة في “يوتيوب”، والآباء الخائبون والكسالى الذين تركوا لزوجاتهم أعباء عائلاتهم، فتسرب الأبناء إلى المساجد. لم يخف أحد من الفتية حنقه من أبيه وتعلقه بأمه. هذه المعادلة البسيطة لم تَجُد علينا بها، نحن المتطفلين على قصص الجماعات المتشددة، غير طرابلس، ذاك أن البحث عن امرأة في وجدان الفارين إلى القتال في هذا الإقليم البائس، كان مهمة مستحيلة، وطرابلس كانت استثناء.

حين سمعت الرجل الذي نجا من المركب الذي أغرق في مقابل مرفأ طرابلس يقول “قررنا أن نغادر وسنعيد الكرة طالما أن هذه السلطة قائمة وأهلها متمسكون بها”، شعرت بأن القصة على هذا القدر من البساطة، على رغم كل ما تنطوي عليه من قسوة ومرارة. تذكرت أن طرابلس لا توارب، وأنها لطالما أخبرتنا القصة كما هي.         

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
هلا نهاد نصرالدين – صحافية لبنانية
اعتكف سعد الحريري عن المشاركة في الانتخابات الأخيرة، فالأضرار والخسائر التي لحقت به جرّاء مشاركته في السياسة اللبنانيّة، فاقت المكاسب التي حقّقها، إلا أنّ خياراته الخاطئة انتخابيّاً وسياسيّاً واقتصاديّاً ما زالت تلاحقه حتى اليوم.
Play Video
باستخدام أدوات تكنولوجية مختلفة، كالقصص التفاعلية وتقارير 360 درجة ومقاطع فيديو ورسوم متحركة، استطاعت منصة Tiny Hand تغطية المعاناة والأثر الذي تتركه الحرب على الأطفال وايصالهما الى العالم.

4:41

Play Video
الكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية والناشطة اللبنانية غوى أبي حيدر والناشط السياسي الكويري ضومط قزي الدريبي ضيفا هذه الحلقة من بودكاست “نون” للحديث عن المثلية الجنسية وتصاعد الحملات المعادية لها في الآونة الاخيرة. المحزن ان ملاحقة العلم او الراية بات يشبه حملات مطاردة الساحرات في منطقتنا. تكثر الاخبار من حولنا عن سحب رواية، منع فيلم، مطاردة شعار، ومصادرة ألعاب أطفال لأنها تحمل ألوان قوس قزح، فضلا عن خطابات التحريض والكراهية والملاحقات القانونية والوصم الاجتماعي، وهو ما تكرر في أكثر من دولة بذرائع أخلاقية ودينية. غوى أبي حيدر وهي ناشطة وكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية. كتبت سلسلة مقالات عن انتحار الناشطة المصرية سارة حجازي قبل عامين بعد ان سجنت بسبب رفعها علم قوس قزح/ شعار مجتمع الميم وتم اضطهادها ونفيها بسببه الى ان انتحرت. اما الناشط السياسي ضومط قزي الدريبي، فقد شارك في كثير من نشاطات الحراك الاعتراضي السياسي في لبنان في السنوات الاخيرة، لكنه واجه حملات ضده مستغلين هويته الجنسية.

51:48

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني