“أروح لمين؟”: مصريات ضحايا العنف الأسري…
فمن ينصفهن؟

أبريل 28, 2022
"أنا محامية وأعمل على قضايا العنف التي تتعرض لها النساء، وعلى الرغم من ذلك، عندما تعرضت للعنف على يد والدي قررتُ عدم اللجوء للإجراءات القانونية، لأنني على دراية كاملة بكم الإيذاء الذي تتعرض له النساء داخل أقسام الشرطة والذي قد يصل إلى السخرية والتحرش.

“بعدما خلعتُ الحجاب شقيقي الصغير اعتدى عليَّ بالضرب المبرح، وصل الأمر إلى تكسير بعض محتويات الشقة على جسدي ورأسي، ثم طردني من المنزل في منتصف الليل، لم يكن لدي مكان آخر أذهب إليه، فقررت الذهاب إلى قسم الشرطة على أمل الحماية لكن ذلك لم يحصل”، بهذه الكلمات بدأت الباحثة إيزيس صلاح (31 سنة) برواية اعتداء شقيقها عليها.


هذا التحقيق نرصد العنف الأسري الذي تتعرض له آلاف النساء المصريات، وأسباب عزوفهنّ عن التقدم بشكاوى رسمية للشرطة، أو للقضاء المصري ضد المعنِّفين. في سبيل ذلك أجرينا عشرات المقابلات مع نساء مصريات معنَّفات، سردنا قصص بعضهنّ في هذا التحقيق، واخفينا أسماء بعضهنّ الآخر لأسباب أمنية. قمنا بإجراء استطلاع رأي استهدف 59 سيدة، لنرسم صورة أدق عن الواقع. 

إيزيس وتخاذل الشرطة

وصلت إيزيس إلى قسم الشرطة، توقعت بأنها ستجد عناصر نسائية من الشرطة لمساعدتها، لكنها فوجئت بأمين شرطة بدأ بالسخرية منها، ومن طلبها تحرير محضر رسمي بالواقعة. طلبت إيزيس المساندة من رئيس المباحث، والذي بدوره أخبرها بأن ضرب أخيها لها حق شرعي له. 

طلبت إيزيس المساعدة من صديق لها يعمل محامياً، وبعد محاولات عديدة في قسم الشرطة، تم تحرير المحضر.
فوجئت إيزيس بأن شهادتها تغيرت في المحضر المكتوب، أبدت اعتراضها على تعديل الكلام، فطلب منها الضابط إحضار تقرير طبي. طلبت الفتاة حماية من الشرطة، كانت خائفة من اعتداء أخيها عليها من جديد، لكن الضابط رفض ذلك. 

في آخر دراسة أجراها الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء( مؤسسة حكومية) منذ سبعة أعوام(2015) عن التكلفة الاقتصادية للعنف القائم على النوع الاجتماعي في مصر، كانت هذه نتائجها.

ومع ذلك ذكرت نتائج المسح الذي شارك فيه المجلس القومي للمرأة وصندوق الأمم المتحدة للسكان لعام 2015،  أن غالبية النساء اللاتي تعرضن لعنف لم يطلبن أي خدمات ولم يتّصلن بأي مسؤول للتعامل مع العنف الذي تعرضن له، وأن نسبة النساء اللائي يبلغن الشرطة بحوادث العنف 0.75%  (75 ألف امرأة ) فقط.

السخرية والتعنت أحيانا من قبل جهات إنفاذ القانون، لم يكونا العائق الوحيد، لكن المخاطر والتهديد والترهيب الذي تتعرض له الكثير من المعنفات تشكّل عائقاً أيضاً وخصوصاً إذا كانت الحماية القانونية هشّة!

أميره (اسم مستعار) تبلغ من العمر 37 عاما، تروي قصة تعرضها للعنف على يد شقيقها الأكبر: ” اتعرضت للضرب من اخويا الكبير بسبب اختلاف في وجهات النظر حول شخص ما في حياتي، كانت مناقشة عادية وفجأة تحول الأمر إلى اعتداء بالضرب، بيسموها عندنا في مصر ( علقة سخنة)، تسببت لي في جروح قطعية وإصابات، وتم نقلي على إثرها إلى المستشفى”.

تضيف الفتاة الثلاثينية  أن أكثر ما يؤلمها هو موقف أسرتها التي كانت حذرة جداً من موقف الطبيب المعالج الذي بدوره، “أبدى استعداده إلى كتابة تقرير طبي عن حالتي الصحية خوفا من استخدامه في الإجراءات القانونية”.

أخبرتنا أميرة  بأن شقيقها الذي مارس عليها العنف هددها صراحة بأن تشويه وجهها سيكون مقابل تفكيرها في الذهاب إلى قسم الشرطة.

ما بين الفضيحة والتهديد

ساهمت منصات التواصل الاجتماعي  في زيادة الوعي القانوني والحقوقي لدى جزء كبير من النساء والفتيات حول الإجراءات التي يمكن اتباعها في حال تعرضهن للعنف بما في ذلك العنف الأسري. لكن هذا ليس له أثر حقيقي وفعال على أرض الواقع حتى الآن، حيث أن نسبة ضئيلة من اللاتي يتعرضن للعنف تلجأن إلى الإجراءات القانونية.

شاركت 59 امرأة في استبيان أجريناه  عبر فايسبوك،  تبين من نتائجه أن 55 امرأة تعرضن على الأقل لنوع من أنواع العنف الأسري، في مقابل 4 فقط لم يتعرضن للعنف من قبل.  بموجب الاستبيان تبين أن العنف الجسدي أعلى  أنواع العنف انتشاراً ومن ثم العنف اللفظي والجنسي.

عزوف النساء عن الخطوات القانونية يعود إلى أسباب عدة؛ أبرزها النظرة المجتمعية والخوف من “الفضيحة”، وعدم ثقتهن في وجود حماية قانونية كافية، فضلاً عن جانب الضغوط العائلية والنفسية التي تصل في بعض الأحيان إلى التهديد والوعيد”.

“أنا محامية وأعمل على قضايا العنف التي تتعرض لها النساء، وعلى الرغم من ذلك، عندما تعرضت للعنف على يد والدي قررتُ عدم اللجوء للإجراءات القانونية، لأنني على دراية كاملة بكم الإيذاء الذي تتعرض له النساء داخل أقسام الشرطة والذي قد يصل إلى السخرية والتحرش اللفظي من دون جدوى ومن دون أي إجراء حقيقي منصف وعادل”.

هذه القصة تشاركها معنا المحامية الحقوقية هــ .د، ليس فقط من منطلق سيدة تعرضت للعنف الأسري على يد والدها، ولكنها كمحامية تعمل في مثل هذه النوعية من القضايا وشاهدة على الإجراءات القانونية المصحوبة بكم كبير من العراقيل وعدم الحماية بحسب تعبيرها.

تروي المحامية الثلاثينية قصتها قائلة :” أنا وشقيقاتي تعرضنا للعنف الجسدي واللفظي على يد والدنا لمدة 6 أشهر متواصلة، إلى جانب التهديد بملاحقتنا في أماكن عملنا”.

وفي إحدى المرات لجأت ه.د إلى استخدام العنف المقابل مع والدها، وكاد أحدهما أن يقتل الآخر، حتى قررت ومعها شقيقاتها الاستقلال والعيش بعيدا عن والدهما.

ضعف تشريعي وبدائل مفقودة

“أغلب الستات التي تتواصل معنا في قضايا العنف الأسري بيكون بغرض الدعم النفسي أو الاستشارة القانونية، نسبة ضئيلة جدا تقرر اللجوء إلى المسار القانوني”، بحسب نيفين عبيد رئيس مجلس أمناء  مؤسسة “المرأة الجديدة”، التي تحكي عن حالات السيدات المعنفات التي تستقبلها المؤسسة، وعن أسباب عزوفهنّ عن المسار القانوني.

وترى عبيد:أن “من أبرز تلك الأسباب ضعف ثقة المواطنات في كفاءة القوانين وقدرتها على حمايتها وإنصافها وخصوصاً في حالات العنف الأسري التي يتم تبريرها أكثر ما يتم تعريفها وتجريمها”.

“إن تشجيع النساء وإقبالهن على اتخاذ إجراءات قانونية، رهن بتوفير أمور أساسية عدّة؛ أولها الاستقلال وترك بيئة العنف وتوفير بدائل متاحة (مراكز استضافة آمنة منتشرة على مستوى الجمهورية) وآليات للإبلاغ عن العنف، لكن استمرار أزمة البدائل  يجعل سؤال “أروح لمين؟” هو أزمة حقيقية أمام كل ست معنفة” تقول عبيد.

تجدر الإشارة إلى أن عدد مراكز الاستضافة الآمنة للنساء المعنفات يقدر  بــ8  مراكز فقط على مستوى الجمهورية  التي تضم 27 محافظة، طبقًا لموقع وزارة التضامن.

قانون موحد لمناهضة العنف ضد المرأة

ليس في مصر قانون للعنف الأسري، لكن عقوبة جريمة الضرب نصّ عليها قانون العقوبات المصري سواء للرجال أو النساء، ويتم تصنيفها على حسب مدة العلاج من الإصابة( أقل من 21 يوماً تصنّف جنحة/ أكثر من ذلك تصنف جناية)، بحسب المحامية انتصار السعيد رئيس مجلس أمناء مؤسسة القاهرة للتنمية والقانون. وتضيف:” وقائع العنف ضد النساء في الأغلب يكون علاجها أقل من 21 يوم وبالتالي تصنّف جنحة، ووفقا للقانون عقوبة الحبس لا تتجاوز شهراً واحداً،  أو غرامة مالية قدرها 10 جنيهات (0.54 دولار) أو كلتا العقوبتين.

تشير السعيد إلى أن أغلب القضايا لا تصل للقضاء، وأن النساء تلجأن للتنازل بسبب الضغوط والخوف. هذا فضلا عن أن هناك مساحة متروكة للنيابة والتي من الممكن بدورها أن ترفض إحالة القضية استنادا إلى المادة 60 التي تتيح حق التأديب الشرعي.

تنص المادة 60 من قانون العقوبات المصري على أنه “لا تسري أحكام قانون العقوبات على كل فعل ارتكب بنية سليمة عملاً بحق مقرر بمقتضى الشريعة”.

في مارس/آذار الماضي تقدمت قوة العمل من المنظمات النسوية بالتعاون مع النائبة نشوى الديب بمشروع قانون موحد لمناهضة العنف ضد المرأة في البرلمان المصري، موقّعاً من 60 نائباً، ويتضمن 53 مادة منها ما يتعلق بالعنف الأسري، لكن حتى الآن لم تتم مناقشة هذا المقترح.

ترى نشوى الديب، عضو البرلمان المصري، إن إقرار قانون موحد لمناهضة العنف ضد المرأة سيساهم بشكل كبير في ردع حالات العنف الأسري التي أصبحت في تزايد ويصل بعضها إلى حدّ القتل، لأن الأمر سيخرج من دائرة العرف والتقاليد، إلى التجريم بحكم القانون.

وحتى الآن ليس لدى النائبة معلومات عن موعد مناقشة القانون، لأن الأمر يعود إلى رئيس مجلس النواب، لكنها تأمل أن يكون في القريب العاجل.

تشهد حالات العنف الأسري ضد النساء تصاعدا ملحوظا، ففي الفترة من 1 كانون الثاني/يناير وحتى 31 كانون الأول/ ديسمبر لعام 2021 رُصدت أكثر من 813 جريمة عنف ضد النساء، مقارنة بـ 415 جريمة عنف في 2020،  وبلغ إجمالي عدد جرائم العنف الأسري والمنزلي ضد النساء والفتيات وحدها 413 جريمة خلال 2021 ـ وفقاً لمؤسسة إدراك للتنمية والمساواة.

عزز انتشار وسائل التواصل الاجتماعي من رصد جزء من هذه الجرائم، أو الاستغاثات التي تطلقها بعض النساء لطلب المساعدة من العنف الذي يتعرضن له. ربما يكون التركيز وتسليط الضوء على هذه القضايا قد ارتفع مؤخراً، لكن الأكيد أن ما يصل إلى العلن أقل بكثير مما يبقى خلف الأبواب والجدران.

تم إنتاج هذا التحقيق بموجب منحة مقدمة من المركز الدولي للصحفيين. 

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
ميزر كمال- صحافي عراقي
بمعدل 22 حادثاً مرورياً في اليوم الواحد، و6 قتلى، تتفوق حوادث السير على معدلات العنف الناتجة من العمليات الإرهابية في العراق.
Play Video
باستخدام أدوات تكنولوجية مختلفة، كالقصص التفاعلية وتقارير 360 درجة ومقاطع فيديو ورسوم متحركة، استطاعت منصة Tiny Hand تغطية المعاناة والأثر الذي تتركه الحرب على الأطفال وايصالهما الى العالم.

4:41

Play Video
الكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية والناشطة اللبنانية غوى أبي حيدر والناشط السياسي الكويري ضومط قزي الدريبي ضيفا هذه الحلقة من بودكاست “نون” للحديث عن المثلية الجنسية وتصاعد الحملات المعادية لها في الآونة الاخيرة. المحزن ان ملاحقة العلم او الراية بات يشبه حملات مطاردة الساحرات في منطقتنا. تكثر الاخبار من حولنا عن سحب رواية، منع فيلم، مطاردة شعار، ومصادرة ألعاب أطفال لأنها تحمل ألوان قوس قزح، فضلا عن خطابات التحريض والكراهية والملاحقات القانونية والوصم الاجتماعي، وهو ما تكرر في أكثر من دولة بذرائع أخلاقية ودينية. غوى أبي حيدر وهي ناشطة وكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية. كتبت سلسلة مقالات عن انتحار الناشطة المصرية سارة حجازي قبل عامين بعد ان سجنت بسبب رفعها علم قوس قزح/ شعار مجتمع الميم وتم اضطهادها ونفيها بسببه الى ان انتحرت. اما الناشط السياسي ضومط قزي الدريبي، فقد شارك في كثير من نشاطات الحراك الاعتراضي السياسي في لبنان في السنوات الاخيرة، لكنه واجه حملات ضده مستغلين هويته الجنسية.

51:48

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني