“لا أعرف عدد الأشخاص الذين قتلتهم”: أمجد يوسف
يروي مجزرة التضامن نيابة عن النظام السوري 

إنها مجزرة تستمر لحوالي 25 دقيقة، 25 دقيقة كافية لقتل 41 مدنياً ولا نعلم أن المجزرة انتهت إلا حين يسأل أحد الجناة: "في غيرو؟"، لكن في تلك اللحظة لم يكن هناك ضحية أخرى، كان الجميع في حفرة الموت الكبيرة.

بدا الفيديو كـ”لعبة” للوهلة الأولى، رجلٌ بلباسه العسكري وقبعة صيد وضعها على رأسه، يطلب من الضحايا الجري وهم  معصوبو الأعين، ثم يطلق النار على بعضهم أثناء جريهم بينما يسقط آخرون في الحفرة المعدّة لتكون مقبرة جماعية ثم يطلق رفيقه النار عليهم. كأنها “لعبة”، تتهاوى الأجساد فوق الإطارات المعدّة لإشعالها لاحقاً. مجزرة التضامن، واحدةٌ من عشرات المجازر التي ارتكبها نظام الأسد وكان ضحاياها أوفر حظاً فلم يبقوا قيد النسيان.

مجندٌ يسرّب التسجيلات

الفيديو الذي نشرته صحيفة الغارديان بدا كإعلان لفيلم طويل من القتل والتنكيل، رافقه تقرير مطول عن حكاية، لن يكون تصديقها سهلاً لولا أن القاتل لم يتردد في إظهار وجهه. قصة بدأت مع صدفة جمعت مجنداً بفيديو صادم على كمبيوتر أحد قادته، حين طلب منه إصلاحه، لم يمنع الخوف ذلك المجند من القيام بخطوة أولى في طريق كشف جرائم النظام، فاحتفظ بالتسجيلات، في حركة متهورة كانت لتكلّفه حياته بكل بساطة.

بدأت الحكاية في العام 2019 حين وصلت التسجيلات إلى أور أوميت أونغر وهو متخصص هولندي وباحث في هذا النوع من الإبادات، وأنصار شحود وهي متخصصة في دراسة العنف في سوريا، إلا أن التسجيلات كانت صادمة حتى لأولئك الذين يبحثون منذ سنين في أعمال العنف والابادة الجماعية.

في وقتٍ تسعى دول عربية لتعويم نظام الأسد وإعادته إلى الساحة العربية والدولية يظهر فيديو مجزرة التضامن ليشير إلى القاتل من دون مواربة أو شكّ، تنظر عيون القاتل في الكاميرا بينما عيون الضحايا معصوبة، وأيديهم مُقيّدة، ينزلون من ميكروباص أبيض، الواحد تلو الآخر، ليلقوا مصيرهم، والضحايا هم مدنيون بحسب التقرير، ممن اعتقلوا في حي التضامن أو على الحواجز المحيطة به، ليتم نقلهم إلى موقع المجزرة وتصفيتهم.

الجريمة هنا أكثر قسوة وأشد وطأة، لأن القاتل لا يجعل الضحية تشك للحظة في مصيرها، الضحية تهرب لأنها تعتقد أنها ستنجو فالقاتل أخبرها بذلك وهي صدقته ولذلك سقطت في حفرة الموت الكبيرة، لم يكتف القاتل بجريمته بل سكب الوقود على الجثث وأشعلها، هل اعتقد أن النار تخفي الجرائم؟ وأن التراب لو انهال فوق الجثث لن تنبشه العدالة في يوم ما؟ 

لا تنتهي القصة بالتسجيلات. لا بد من الوصول إلى معلومات أدق حول المجرمين والجهات التي يتبعون لها، وكانت لدى أور وأنصار خطة إلى جانب بحثهم الحثيث عن المعلومات وهي خداع عناصر النظام عن طريق شخصية وهمية تدعى آنا، تأملوا الوصول من خلالها إلى القاتل.  خلقت الباحثتان شخصية آنا منذ سنوات في سبيل دراسة عناصر النظام، وهي فتاة علوية من حمص تقيم في الخارج وتعمل على بحث أكاديمي عن النزاع السوري، وبدأت آنا نشاطها على فيسبوك بإضافة وملاحقة كل من يمكن أن ينتمي إلى منظومة الأسد على مدار سنتين، وفي كل الأحوال لن يشكّ عناصر النظام بفتاة علوية من الطبقة الوسطى قادمة من حمص تبدي حماسها لانتصارات النظام، وبعد بحث مضنٍ وفي يوم ما تمكنت أنصار من الوصول إلى القاتل الرئيسي في الفيديو، كان قد تغير بعض الشيء لكن ندبة فوق حاجبه الأيسر مكنتها من التأكد منه، وهكذا أرسلت إليه آنا أو أنصار طلب صداقة، وبدأت رحلة كسب ثقة المجرم أمجد يوسف سعياً للوصول إلى معلومات أو أي اعتراف حول مجزرة التضامن، ومع الوقت بدأت القصة تصبح أكثر وضوحاً وتمكنت آنا من الوصول إلى أسماء القتلة الآخرين في الفيديو.  

إقرأوا أيضاً:

أمجد الذي ينتقم بالمجازر

أمجد يوسف مواليد 1986 برتبة ضباط في المخابرات العسكرية السورية، لا يعرفُ عدد ضحاياه حاله كحال جميع القتلة في هذه المنظومة، لكن الشيء الوحيد الذي كان متأكداً منه هو أنه قتلهم، هؤلاء الضحايا الواحد والأربعون هم جزء من سلسلة مجازر أكبر، فحسب التسجيلات، قتل عناصر النظام 288 ضحية.

من خلال أمجد وصلت أنصار إلى القاتل الآخر في الفيديو وكان نجيب الحلبي، إذ نعاه أمجد في إحدى المنشورات كصديق له وشهيد، في البداية كان أمجد حذراً في التعامل مع آنا، إلا أنه وبعد نهاية مكالمة الفيديو الأولى بدا أكثر راحة لشخصية آنا.

أما المقابلة الأقوى فكانت الثانية وكانت في وقت متأخر من الليل حيث كان أمجد يتمدد على أريكة مرتدياً قميصاً داخلياً وهو يشرب العرق ويدخن بشراهة، حيث بدأ يسرد تفاصيل عن حياته: ولد أمجد في قرية نبع الطيب العلوية في منطقة الغاب وسط غرب سوريا، وهو الابن الأكبر لعائلة مكونة من عشرة أطفال، التحق بمدرسة المخابرات العسكرية وكانت فرصته الحقيقية ليغير حياته، من دون أن يعيش مثل عائلته منهكاً من العمل في حقول التبغ، إلا أن هناك حقيقة بسيطة لم يلحظها أمجد أن العمل لصالح النظام هو سجن آخر “وبدلاً من أن يحرره العمل في المخابرات من واقعه، أدى ذلك إلى ترسيخه أكثر في المجتمع الموالي للنظام، وحوّله إلى «ابن المؤسسة». وخلافاً لطموحه أصبح الولد سرّ أبيه”. أستطاع أمجد النجاح في سلك الأمن السوري وبين عامي 2011 و2021 كان المسؤول عن أمن خطوط الجبهة في منطقتي التضامن واليرموك، إلا أن التغير المحوري كان بعد وفاة أخيه الأصغر عام 2013 وهو ما كان شديد التأثير عليه، يقول لآنا: “لقد انتقمت، أنا لا أكذب عليكِ. لقد انتقمت، لقد قتلت. لقد قتلت كثيراً، قتلت كثيراً ولا أعرف عدد الأشخاص الذين قتلتهم”، وبعد مواجهته بالتسجيلات أنكر أمجد أن يكون هو ذات الشخص، إلا أنه في النهاية قال: “أنا فخور باللي عملتو”، وهكذا اعترف القاتل بجريمته.

“لا تفكروا حتى بمعارضتنا”

هناك حقيقة بسيطة إلا أنها تشكل إلى حد كبير منهج نظام الأسد، يقول التقرير في نسخته العربية والمنشور على موقع “الجمهورية”: “لم يكن الضحايا من الثوار، بل كانوا مدنيين لم ينحازوا إلى أي طرف، وارتضوا لأنفسهم أن يبقوا في حماية الأسد. إلا أن غالبية أهالي التضامن رأت في قتلهم رسالة لكل سكان ذلك الحي: “لا تفكروا حتى بمعارضتنا””، ولهذا الغرض أعدّ العناصر الموقع بحيث يكون مناسباً لجريمتهم بل يبدون في التسجيل شديدي الراحة خلال قتلهم المدنيين، أحدهم يدخن ويرفع إشارة النصر في وجه الكاميرا.

مازال نظام الأسد قادراً على إدهاشنا وكأن لا حدود لأعماله الإجرامية فما زالت صور “قيصر” في البال حين اعتقدنا أنها أسوأ ما قد يفعله هذا النظام. يبدو أننا أخطأنا إذ يتحدث التقرير عن شهادات سكان من الحي تحدثوا عن رائحة واخزة تنتج عن حرق الجثث، ولا أعداد دقيقة للجثث التي أُحرِقتْ. إذاً لم يحدث الأمر لمرة واحدة بل كان جريمة مستمرة، وكان هناك منافسة بين مرتكبي المجازر، حول من يقتل أعداداً أكبر. يميل النظام السوري وعناصره إلى الاستمتاع بجرائمهم ولا يستطيعون في الحقيقة إخفاء ذلك، يقوم أمجد في الفيديو بالسخرية من الضحايا وإيهامهم بأنهم يمرون من منطقة يتمركز فيها قناص مردداً: “قناص يا عرصة”، دون أن يعرفوا أن أمامهم حفرة ليسقطوا فيها بالنهاية، لا يريد أمجد للضحايا سوى الموت حيث لا مهادنة ولن تنفع استجداءاتهم ولا حتى صرخات النساء، يظهر في التسجيل قتل ست نساء بالفعل، “فيما يبدي أمجد درجةً من نفاد الصبر لأن أحد الضحايا لم يَمت لا من الطلقة الأولى ولا من الثانية، وبعد الطلقة الثالثة يصرخ مخاطباً الضحية «موت يا عرصة، ما شبعت؟». حتى الأطفال لم ينجوا ففي فيديو آخر، تتحرك عدسة الكاميرا فوق أجساد مجموعة من الأطفال وسط غرفة مظلمة، يتحدث أمجد قائلاً: “أطفال كبار الممولين في ركن الدين، تضحية لروح الشهيد نعيم يوسف”، أمجد انتقم لأخيه على طريقة النظام باغتصاب النساء وارتكاب المجازر والافتخار بقتل الأطفال، هل حصل على انتقامه بالفعل؟

إنها مجزرة تستمر لحوالي 25 دقيقة، 25 دقيقة كافية لقتل 41 مدنياً ولا نعلم أن المجزرة انتهت إلا حين يسأل أحد الجناة: “في غيرو؟”، لكن في تلك اللحظة لم يكن هناك ضحية أخرى، كان الجميع في حفرة الموت الكبيرة.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
“درج”
بالمقارنة مع جرائم النظام الأخرى، قد يبدو تزوير شهادات جامعية مسألة بسيطة، لكنها ليست كذلك. لأنها تقتل مستقبل التعليم في سوريا، وتحيل أجيالاً إلى الاتكالية والفشل وتصنع نظاماً تعليمياً قائماً على التزوير والفساد.
Play Video
باستخدام أدوات تكنولوجية مختلفة، كالقصص التفاعلية وتقارير 360 درجة ومقاطع فيديو ورسوم متحركة، استطاعت منصة Tiny Hand تغطية المعاناة والأثر الذي تتركه الحرب على الأطفال وايصالهما الى العالم.

4:41

Play Video
الكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية والناشطة اللبنانية غوى أبي حيدر والناشط السياسي الكويري ضومط قزي الدريبي ضيفا هذه الحلقة من بودكاست “نون” للحديث عن المثلية الجنسية وتصاعد الحملات المعادية لها في الآونة الاخيرة. المحزن ان ملاحقة العلم او الراية بات يشبه حملات مطاردة الساحرات في منطقتنا. تكثر الاخبار من حولنا عن سحب رواية، منع فيلم، مطاردة شعار، ومصادرة ألعاب أطفال لأنها تحمل ألوان قوس قزح، فضلا عن خطابات التحريض والكراهية والملاحقات القانونية والوصم الاجتماعي، وهو ما تكرر في أكثر من دولة بذرائع أخلاقية ودينية. غوى أبي حيدر وهي ناشطة وكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية. كتبت سلسلة مقالات عن انتحار الناشطة المصرية سارة حجازي قبل عامين بعد ان سجنت بسبب رفعها علم قوس قزح/ شعار مجتمع الميم وتم اضطهادها ونفيها بسببه الى ان انتحرت. اما الناشط السياسي ضومط قزي الدريبي، فقد شارك في كثير من نشاطات الحراك الاعتراضي السياسي في لبنان في السنوات الاخيرة، لكنه واجه حملات ضده مستغلين هويته الجنسية.

51:48

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني