الأمراض المستعصية وجهٌ خفي للفايروسات:
التصلب اللويحي والسرطان كمثال

حالات مرضية غامضة تصيب الكبد عند الأطفال تم الإبلاغ عنها في عدد من الدول الأوروبية والأميركية شغلت وسائل الإعلام العالمي والمحلي في الأيام القليلة الماضية. فماذا وراءها؟

حالات مرضية غامضة  تصيب الكبد عند الأطفال تم الإبلاغ عنها في عدد من الدول الأوروبية والأميركية شغلت وسائل الإعلام العالمي والمحلي في الأيام القليلة الماضية. وبرغم أن السبب وراء هذه الحالات الغامضة من التهاب الكبد والتي أدت في حالة قليلة إلى الحاجة لزراعة كبد بصورة مستعجلة، ما زالت مجهولة المصدر، إلا أنه من المرجح أن يقف وراءها فايروس… ربما. وكانت قد أعلنت منظمة الصحة العالمية أنها فتحت بالفعل تحقيقاً لمتابعة الموضوع وكشف الأسباب.

في سياق منفصل، تصدر خبر الكشف عن سببية بين الإصابة بفايروس إبشتاين- بار EBV والإصابة بمرض التصلب اللويحي/المتعدد العناوين الإخبارية حول العالم في الفترة الأخيرة. الدراسة التي نشرت في مجلة Science العلمية العريقة هي المرة الأولى الذي تجرأ فيه العلم على تصويب الإصبع نحو سبب للإصابة بمرض التصلب اللويحي، منذ وصف طبيب الأعصاب الفرنسي جان مارتن شاركو في 1868 المرض وأعطاه اسمه. 

أعادتني هذه الأخبار في الذاكرة إلى محاضرة علمية حضرتها منذ بضع سنوات في إسبانيا، عندما قال أحد الباحثين المهمين في مجال الفايروسات إنه سيأتي اليوم الذي يدرك فيه العلم الدور الخفي للفايروسات في الكثير من الأمراض المستعصية التي لم يجد لها العلم علاجاً بعد ولعل السرطان مجرد البداية. 

هل نشهد نهاية مرض التصلب اللويحي (المتعدد)؟

لأن مرض التصلب اللويحي المتعدد هو مرض مناعي بالدرجة الأولى وبما أن الجهاز المناعي قد تطور للتعامل مع العوامل المعدية، فقد اشتبه العلماء لفترة طويلة في تورط الفايروسات بطريقة أو بأخرى في جوهر مرض التصلب اللويحي المتعدد. ومن بين كل الفيروسات التي تمت دراستها، برز فايروس ابشتاين- بار كعامل بارز في تحفيز المرض. 

وهذا الفايروس ينتمي لعائلة فايروسات “الهربس”، وهو من الفايروسات الشائعة جداً بحيث يقدر بأن 95 في المئة من البالغين، أصيبوا بالفعل بهذا الفايروس في وقت ما خلال حياتهم. يصيب فايروس “ابشتاين- بار”   الأطفال، بحيث يسبب أعراضاً طفيفة شبيهة بالرشح كما يصيب البالغين مسبباً ما يعرف بـ”داء التقبيل” ولكنه في معظم الحالات من الفايروسات التي لا تحمل تهديداً لحياة المصاب.

في دراسة جديدة، تمت دراسة عينات 10 ملايين جندي أميركي، تم التعرف بينهم على 801 حالة إصابة بالتصلب اللويحي المتعدد. المدهش في الموضوع أنه  في جميع الحالات ما عدا واحدة كانت هنالك إصابة سابقة بفايروس “ابشتاين- بار” في مرحلة ما. بعبارة أخرى، الإصابة بفيروس “ابشتاين- بار” كانت سابقة للإصابة بالتصلب اللويحي المتعدد والمحفزة له. في هذه الحالة، كان ربما يمكن تجنب إصابة هؤلاء بالتصلب اللويحي لو أنهم لم يكونوا قد أصيبوا بالفيروس المذكور.

برغم إثبات هذه الدراسة أن الإصابة بفايروس “ابشتاين- بار” محفزة بالضرورة لتطور مرض التصلب اللويحي، إلا أنه ما زال هنالك الكثير من الأسئلة التي تنتظر إجابات علمية.

فكيف مثلاً لفايروس شائع لهذه الدرجة، أن يسبب مرضاً كالتصلب اللويحي المتعدد الذي يصيب فئة دون الأخرى؟

في الحقيقة ما زلنا لا نعرف بعد. الأكيد أن عوامل أخرى تلعب دوراً هنا وهذا ما يعمل العلماء لكشفه وربما في المستقبل القريب سيحمل العلم إلينا الجواب. ولكن الأهم هنا هو التوجه العلمي السريع نحو الاستفادة من هذه المعطيات الجديدة لإيجاد علاج للتصلب اللويحي المتعدد وهذا ما بدأ العمل عليه بالفعل. وهل مثلاً إيجاد لقاح لفايروس “ابشتاين- بار”، والتي تعمل عليه شركات كبيرة منها “موديرنا” التي اعطتنا لقاحاً لـ”كوفيد- 19″ سابقاً، من شأنه أن يكون نهاية مرض التصلب اللويحي المتعدد؟

سيأتي اليوم الذي يدرك فيه العلم الدور الخفي للفايروسات في الكثير من الأمراض المستعصية التي لم يجد لها العلم علاجاً بعد ولعل السرطان مجرد البداية. 

فايروسات مسببة للسرطان؟ كيف نحمي أنفسنا؟

السرطان أو “هداك المرض” كما يسميه كثيرون هو مثال عن الأمراض ذات التعقيد العالي التي ما زال العلم يبحث عن حلول لها في ظل غياب علاج أو حتى فهم كامل لطبيعة كل حالة من حالات هذا المرض الذي يبث الخوف في النفوس. الخلفية الجينية، نمط الحياة وحتى العوامل البيئية تلعب دوراً كبيراً في السرطان ولكن قد تفاجأ عزيزي القارئ عندما تتعلم أن عدوى بعض الفايروسات قد تؤدي إلى الإصابة بالسرطان!

فايروس الورم الحليمي البشري HPV على سبيل المثال، وهو فايروس ذات أنواع كثيرة، البعض منها يعتبر ذات مخاطر عالية لدورها في الإصابة ببعض أنواع السرطانات. فهي المسبب الرئيسي لجميع حالات سرطان عنق الرحم تقريباً بحسب وكالة الـCDC الأميركية. هذا عدا سرطان العضو الذكري، سرطان المهبل وحتى السرطانات الفموية المرتبطة بالعدوى المستمرة بهذه الفايروسات على المدى الطويل. فايروسات إلتهاب الكبد الوبائي من النوع (B) و-(C) التي تصيب الكبد هي أيضاً يمكن أن تؤدي أحياناً إلى سرطان الكبد في حالات الإصابة المزمنة.

 فيروسات عديدة أخرى بتنا نعرف دوراً كبيراً لها في أنواع محددة من السرطان مثل سرطانات الدم (اللوكيميا)، سرطان الغدد اللمفاوية أو حتى سرطان الجلد. 

الخبر الإيجابي أن هنالك لقاحات موجودة لفايروسات الورم الحليمي البشري وإلتهاب الكبد الفيروسي (B) قادرة على توفير درجات حماية عالية ما إذا تم التلقيح بالطريقة والوقت المناسبين. أما في حالات أخرى، فللأسف ما زلنا لا نملك لقاحات فعالة حتى الآن لفيروسات يمكن تزيد خطر الإصابة بسرطانات معينة منها إلتهاب الكبد الفايروسي (C)، فايروس العوز المناعي البشري HIV، أو حتى فايروس “ابشتاين- بار” وغيرها.

 في هذه الحالات تبقى الحماية من الإصابة بهذا النوع من الفايروسات، الفحوصات المتكررة والكشف المبكر هي الأنجع لتوقي هذه الأنواع من السرطان.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
“درج”
تستعدّ البلاد لتحديات أكثر صعوبة، في ظل استمرار مسار الفساد وغياب الإصلاحات الحقيقية.
Play Video
بعد جريمة تكساس التي وقع ضحيتها 21 شخصاً بينهم 19 طفلاً، أُعيد النقاش حول آفة السلاح في أميركا. بعد عشرات جرائم القتل الجماعي، لا تزال السلطات الأميركية عاجزة عن اتخاذ قرارات تضبط انتشار السلاح.

2:29

Play Video
فراس حمدان هو محامٍ لبناني نشط بالساحات خلال انتفاضة 17 تشرين وكان ثمن نضاله كبيراً. شرطة مجلس النواب أصابت فراس برصاصة من سلاحٍ محرم دولياً اخترقت قلبه بإحدى التظاهرات، وعلى رغم أن شظاية الرصاصة بقيت في قلبه، إلا أن فراس تحدّى وترشّح على الإنتخابات، وربح. ليعود إلى الساحة نفسها ولكن هذه المرة كنائب!

4:38

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني