fbpx

رقصة التانغو بين القيصر والساحرة

للمرّة التالية يثبت بوتين أنه مخطّط بارع، إذ بظهوره المسرحي والاستعراضي في رقصة الفالس مع وزيرة خارجية النمسا في عرسها قال بوتين لخصومه الأوروبيين إنهم لن يتمكّنوا من عزله سياسياً ولا حتى شعبياً عن أوروبا.

كلّما احتاج الرئيس الروسي إلى تلميع صورته في الداخل والخارج يلوذ بما يُعرف باسم “جيش المدوّنين الروس”. إنه جيش الكتروني ينشط على شبكات التواصل الاجتماعي، وفي المقدّمة على شبكة “لايف جورنال”، التي تخصّصت في إظهار بوتين بأشكال استعراضية، فنراه مثلاً يخلع ملابسه، عدا لباس البحر للغوص في مياه بحيرة متجمّدة كما فعل في كانون الثاني/ يناير الماضي، احتفالاً بعيد الغطاس، وسط أجواء شديدة البرودة وصلت إلى 6 درجات تحت الصفر.

القنوات التلفزيونية الرسمية تتسابق في ما بينها على بثّ الصور الملوّنة لبوتين وهو يسير وسط جليد بحيرة “سيليغر”، على بعد 400 كلم من موسكو مرتدياً معطفاً من الفرو وحذاءً شتوياً مع رقبة طويلة، كما وهو يمارس رياضة “الهوكي الليلي”، على حلبة الجليد وسط الساحة الحمراء في موسكو، أو ركوب الخيل أو الجودو، أو الصيد في الغابات. حرص بوتين على الظهور كرجل مفتول العضلات، وكمحترف في ممارسة فنون الدفاع عن النفس، وقيادة الطائرات المقاتلة وركوب الدرّاجات النارية.  لكن هذه المرّة فاجأ بوتين العالم عندما ظهر وهو يراقص وزيرة خارجية النمسا كارين كنايسل في حفل زواجها الذي حضره بدعوة شخصيّة منها في خطوة لاقت انتقادات لاذعة من سياسيّي النمسا وأوروبا كونها “تُضعف موقف أوروبا في نزاعها مع روسيا”. ولعل أكثر ما أثار السخط والغضب في أوساط المجتمع النمساوي هي تلك المقاطع المصوّرة التي أظهرت كنايسل تختتم رقصة الفالس مع بوتين بانحناءة شديدة وركوع أمام قدميه بشكل سيضرّ النمسا لسنوات طويلة، بحسب وسائل إعلام نمساوية وغربية.

“الحدث ليس بمثل هذه الدرجة الكبرى من الأهمية والدراماتيكية لدرجة إثارته القلق، غير أنه بالتأكيد يعكس  حماقة ديبلوماسية لا تُغتفر”

كنايسل البالغة من العمر 55 سنة، اختارها حزب “الحرية” اليميني المتطرّف وزيرةً للخارجية من حصّته في التحالف الحكومي، على رغم أنها لا تنتمي إليه رسمياً، وكنايسل خبيرة في شؤون الشرق الأوسط، وتتقن اللّغة العربية. وكانت قضت جزءاً من طفولتها في العاصمة الأردنية عمان، إذ كانت برفقة والدها الذي عمل طياراً خاصاً للعاهل الأردني الراحل حسين بن طلال. وكانت درست القانون واللّغات الشرق أوسطية في جامعة فيينا، ثم درست العلاقات الدولية في الجامعة العبرية في القدس، وفي الجامعة الأردنية في عمان، وحصلت عام 1989 على منحة فولبرايت لمواصلة أبحاثها في مركز الدراسات العربية المعاصرة في جامعة جورج تاون في واشنطن، حيث حصلت على الدكتوراه عام 1992. وهي تتقن إضافة إلى الألمانية 7 لغات هي: الانجليزية والفرنسية والإسبانية والإيطالية والعربية والعبرية.

سلوك استفزازي وعزل استخباراتي

أطلقت المعارضة السياسية أوسع حملة من نوعها تطالب الوزيرة بالاستقالة، وتساءل المعلّق السياسي روبرت ميزيك بسخرية “هل من الممكن أن تقدم وزيرة الخارجية على مثل هذا السلوك غير المهني؟”. وكتبت صحيفة “دير ستاندرت” أن “وزيرة الخارجية فقدت مصداقيتها بسبب الطريقة التي تصرّفت بها مع بوتين”. ووصفت النائب الأوروبية عن الحزب الاشتراكي ايفلين ريغنر سلوك الوزيرة بأنه “استفزازي، ومعيب لصورة النمسا”.

في روسيا بدا المزاج العام على العكس تماماً، إذ ساد نوع من الحماسة والنشوة السياسية من هالة “السحر” التي أحاطت بالرئيس بوتين كما ذكر مقدّم برنامج “الشو” في قناة ( روسيا -1) المقرّب من الكرملين فلاديمير سولوفيوف، واصفاً بوتين بأنه هذه المرّة أيضاً “كان متألّقاً في كل شيء”، وأنه “على رغم محاولات الصحافة الغربية شيطنته، فإنه قد استقبل في النمسا وبعدها في ألمانيا بحفاوة وحرارة كبيرة”.

السؤال الأكثر إلحاحاً في وسائل الإعلام الأوروبية، بعد أفول بريق العرس النمساوي هو: هل ينبغي على الاتحاد الأوروبي أن يقلق ما دامت الدولة التي تترأس الدورة الحالية لمجلس أوروبا هي في الواقع حصان طروادة لروسيا؟”. يجيب المحلّل السياسي النمساوي والأستاذ في الجامعة الأوروبية في بودابست أنطون بيلينكا في حوار مع أسبوعية “كابيتال” الصادرة في صوفيا “أن الحدث ليس بمثل هذه الدرجة الكبرى من الأهمية والدراماتيكية لدرجة إثارته القلق، غير أنه بالتأكيد يعكس “حماقة ديبلوماسية” لا تُغتفر”.

رقصة التانغو التي بدأت بين فيينا وموسكو لا يبدو كما يتّضح من تحقيق استقصائي لصحيفة “واشنطن بوست” أنها ستنتهي عند هذا الفصل، إذ نقلت الصحيفة الأميركية في عددها الصادر بعد يوم من العرس والفالس البوتيني عن مصادر مطّلعة “أن دوائر الاستخبارات الغربية أصبحت أكثر تحفّظاً وحذراً في تبادل المعلومات مع نظيرتها النمساوية، تحسّباً لتسرّبها إلى الخصم الروسي”.  بالتأكيد أن النمسا لا تواجه حال حجر أو عزل سياسي مثل الذي كانت تعرّضت له خلال عام 2000 إبان فترة حكم حزب الحرية اليميني المتطرّف بزعامة يورج هايدر، الذي كان آنذاك مستشاراً للبلاد وأجبر على الاستقالة تحت الضغوط الداخلية والدولية بسبب تمجيده الحقبة النازية، ولكنها “الآن على الأقل تحت الحجر أو العزل الاستخباراتي”، كما توضح الوقائع المتلاحقة.

يختلف كثر من المحلّلين الأوروبيين مع مع رأي بلينكا ويرون أن على الاتحاد الأوروبي أن يقلق ويتّخذ ما ينبغي من إجراءات ضد النمسا التي أضرّت بسياسته حيال روسيا. وقال الخبير في مكتب المجلس الاوروبي للسياسة الخارجية (ECFR) في برلين غوستاف غريسيل “إن ما حصل في النمسا يبعث برسائل خاطئة للكرملين، إذ لم يكن هناك أي داع أو حاجة لدعوة بوتين”. وأكّد أن “زيارة بوتين التي حصلت في اليوم التالي إلى ألمانيا واجتماعه مع المستشارة مركل يختلفان جوهرياً عن زيارته النمسا، كونها الزيارة الأولى لبوتين إلى العاصمة الفيدرالية منذ ضم القرم إلى الاتحاد الروسي، أما النمسا فاستقبلته مرّات عدة وبحفاوة بالغة، هذا إضافة إلى أنه اختار فيينا لتكون أول دولة أجنبية يزورها بعد إعادة تنصيبه رئيساً للبلاد، كما أن وجوده في ألمانيا كان بمثابة زيارة عمل رسمية لإجراء مباحثات حول قضايا حيويّة مثل الأزمة في سوريا وأوكرانيا، ومشروع (نورث ستريم) لنقل الغاز إلى ألمانيا، وليس لتبادل المجاملات أو تدعيم الروابط الشخصية، وأكّدت ذلك دعوة وزيرة الخارجية النمساوية”.

براعة العلاقات العامة

للمرّة التالية يثبت بوتين أنه مُخطّط تكتيكي واستراتيجي بارع، فهو حقّق من تلبيته دعوة الوزيرة إلى حفل زفافها مكاسب كبيرة يحتاج إليها في الظروف الحرجة التي يواجهها منذ سنوات في علاقته مع الغرب. إذ بظهوره المسرحي والاستعراضي في رقصة الفالس قال بوتين لخصومه الأوروبيين إنهم لن يتمكّنوا من عزله سياسياً ولا حتى شعبياً عن أوروباً. في المقابل، تسبّب تودّد الوزيرة النمساوية للرئيس الروسي على هذا النحو المذل بالإساءة للمشاعر الوطنية وبأضرار فادحة لدور النمسا كوسيط في النزاع بين روسيا وأوكرانيا. يقول بيلينكا” إن أوكرانيا ليست الدولة الوحيدة التي ستفقد فيها النمسا هيبتها السياسية”. وبرأي غريسيل “أن المشكلة أكبر وأفدح، لأن حزب الحرية يتبنّى المواقف الروسية في قضايا إقليمية ودولية كثيرة، ولا سيما في ما يرتبط بمنطقة البلقان”، وهذا اتّضح من تصريح أدلى به زعيم الحزب ونائب المستشار هاينس – كريستيان شتراخه، قال فيه “إن كوسوفو هي بلا شك جزء من الدولة الصربية”، ما يشير بشكل واضح إلى أن السياسة الخارجية للنمسا في تنافر صارخ مع الجزء المتبقي من الاتحاد الأوروبي.

“النمسا بالنسبة إلى روسيا قاعدة عمليات ميدانية ومركز للدعم اللوجستي يمكن استخدامه لشن عمليات ضد دول أخرى في الاتحاد الأوروبي والحلف الأطلسي، وبشكل خاص النشاطات التجسّسية والاستخباراتية”

يقود ممثلو حزب الحرية اليميني المتطرّف وهو الحليف الأصغر في الائتلاف الحاكم بزعامة المستشار سبستيان كورتس، إضافة إلى وزارة الخارجية، حقيبتي الداخلية والدفاع. وهذا الحزب هو الوحيد من بين جميع التشكيلات السياسية الصغيرة في أوروبا يرتبط رسمياً باتفاق تعاون مع “حزب روسيا الموحّدة” بزعامة بوتين وبالتالي تتداول الأوساط السياسية الكثير من الأسئلة عن طبيعة المصالح التي تسعى روسيا إلى تحقيقها في النمسا، والطريقة التي سيلجأ اليها الكرملين لتسخير هذه العلاقات الدافئة والمتميّزة داخل الحكومة النمساوية واستغلالها.

النمسا بالنسبة إلى روسيا قاعدة عمليات ميدانية ومركز للدعم اللوجستي يمكن استخدامه لشن عمليات ضد دول أخرى في الاتحاد الأوروبي والحلف الأطلسي، وبشكل خاص النشاطات التجسّسية والاستخباراتية والعمليات الاقتصادية والمالية الهادفة إلى الالتفات إلى العقوبات الأوروبية، إضافة إلى التجسس التكنولوجي، وسرقة الأسرار التقنية والاقتصادية. يؤكد غريسيل “أن روسيا تحتاج قبل أي شيء إلى أن تغض الحكومة النمساوية نظرها وتلتزم الصمت ولا تتدخل في ما يفعله رجالها داخل الحكومة”. ويسلط تحقيق لـ “واشنطن بوست”، الأضواء على كيفية قيام روسيا بهذه النشاطات منذ أن تسلّم حزب الحرية اليميني إدارة هيئة الاستخبارات النمساوية التابعة لوزارة الداخلية التي هي الأخرى يقودها وزير من الحزب. يتّضح من التحقيق الذي يستند إلى معلومات موثّقة من مصادر أمنية أوروبية “أن الشرطة النمساوية طوقت في شباط/ فبراير الماضي مكاتب الوكالة الفيدرالية لحماية الدستور ومكافحة الإرهاب وصادرت وثائق وملفات سرية”. ونقلت الصحيفة الاميركية عن مسؤول رفيع في وكالة الاستخبارات الأوروبية قوله “إن إدارته قررت بعد هذا الحادث مباشرة وقف تبادل المعلومات الحساسة مع جهاز الاستخبارات النمسوي تحسبا لخطر وقوعها في أيدي الروس”. ويشدّد بيلينكا على “أن مثل هذه الحالة وتكرّرها خلقتا فجوة عميقة من عدم الثقة بين أجهزة الاستخبارات الأميركية والأوروبية والأطلسية وشريكتها النمساوية”.

التقارب بين فيينا وموسكو والغزل المتبادل بين بوتين والسياسيين الشعبويين في الحكم لن يتطوّر برأي المراقبين الأوروبيين إلى مستوى انتهاك الحكومة النمساوية العقوبات المفروضة على روسيا، أو محاولة التأثير في مسار السياسة الأوروبية وجوهرها، في ما يخص سوريا حيث يبذل بوتين جهوداً مستميتة للحصول على أموال أوروبية لإعمار ما دمّرته الحرب التي شنّتها طائراته المقاتلة وبراميل الأسد المتفجّرة، ولكن الأكيد هو أن الهيئات الأوروبية سوف تراقب وتتابع عن كثب ما تفعله الاستخبارات النمساوية ومع من ترقص وزيرة الخارجية.

إقرأ أيضاً:
ماكنة الدعاية الرسمية تفشل في وقف تراجع شعبية بوتين في روسيا
الصحافيّون الروس القتلى كانوا على وشك كشف أمر خطير يخصّ بوتين
كيف لجأ بوتين إلى المؤامرات والجاسوسية في حربه الباردة ضد الناتو؟

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
ميريام سويدان – صحافية لبنانية
انفجار بيروت الذي انقض على أفراحها الصغيرة وتلك الكبيرة أيضاً، لم يسلم منه أحد، لم يسلم منه شيء، حتى اللوحات الهانئة والتحف الفنية… فيما الدولة غائبة، تتصرّف وكأنّ لا شيء حدث، تشتري المزيد من الوقت على حساب خسائرنا، وحسب.
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني