عندما شاهدت صديقي المخفي قسراً على “يوتيوب”

لا أعرف أين انتهى المطاف بصديقي وما هو موقفه من كل ما شهدته بلادنا التي جلنا في أرجائها، وكيف سيكون رد فعله إذا ما شاهد نفسه جالساً بجوار باسل المغيب منذ أكثر من تسعة أعوام.

قبل أيام أرسل لي زميل صحافي وصديق افتراضي مقيم في السويد رابطاً لفيديو على موقع “يوتيوب” مرفقاً بعبارة واحدة مختصرة: “اعتقدت أنه صوتك”. كان الفيديو المرفوع بتاريخ السادس عشر من أيلول/ سبتمبر 2020، لتقرير إخباريٍ عن حي ساروجة في المدينة القديمة بالعاصمة السورية دمشق، أما العبارة المختصرة للصديق فكانت إشارة إلى تشابه مفترض بين صاحب التعليق الصوتي وصوتي الشخصي، وهو سرعان ما رددت عليه، بمجرد أن بدأت مشاهدة المقطع المصور، بنكتة سمجة: “الصوت ليس جميلاً بالفعل لكنه ليس برداءة صوتي”. إلا أن مجرى الحوار  القصير هذا سرعان ما تغير، فقبل أن أنهي الدقيقة الأولى من الفيديو الذي بالكاد تتجاوز مدته الدقيقتين، خطفني وربط لساني وشل أصابعي للحظات مشهد لم يتعد 5 ثوان بالضبط: صديقي باسل طباخ، يجلس على كرسي واطئ، ويحاول أن يخرج شيئاً من جيب بنطاله الجينز. 

ليس من شيء استثنائي في مشهد كهذا بالطبع، باستثناء تفصيل جوهري: باسل مختف قسرياً هو وشقيقه الأصغر زاهر منذ الثاني عشر من آذار/ مارس 2013، حيث اعتقلتهما تعسفياً من منزلهما في بلدة جرمانا في ريف دمشق اللجان الشعبية التابعة للنظام السوري، ومن دون إظهار أمر قضائي يبيح لهم ذلك، ومن دون إيضاح أسباب الاعتقال، بينما لم تستطع عائلتهما معرفة مكان احتجازهما ومصيرهما منذ ذاك التاريخ.

نشأ باسل في دمشق، بينما تنحدر أسرته من حلب. تعرفت إليه خلال سنتي الجامعية الأولى في كلية الأدب الإنكليزي في جامعة دمشق، ولم يمر وقت طويل قبل أن يصبح لنحو عامين أقرب أصدقائي ومرشدي إلى العاصمة التي كادت تلتهمني أو فَعَلَتْ. سأطوف المدينة مع باسل وسنجول في أنحائها على قدمينا أو عبر حافلات النقل الشعبية الصغيرة المعروفة بـ”السرافيس”. عبره، وعبر أسرته، وعبر أصدقائنا المشتركين سأشاهد جزءاً مما بقي من الطبقة الوسطى في كبرى مدن البلاد: خليط طائفي ومناطقي لشبان ترعرعوا في العاصمة رغم أن معظم عائلاتهم تنحدر من محافظات أخرى، من دير الزور شرقاً إلى طرطوس غرباً ومن حلب شمالاً إلى السويداء جنوباً.

في كل حي من أحياء دمشق الرئيسية تقريباً، كان باسل يعرف أي مطاعم الشاورما هو الأفضل، وكانت اختياراته دائماً قائمة على إيجاد التوازن بين عوامل ثلاثة: أن تكون جودة المطعم ونكهة شاورماه ممتازة، أن يكون صالحاً للاستهلاك البشري ولا ينتقل زبائنه فور انتهائهم من وجباتهم إلى سيارات الإسعاف، وأن تكون أسعاره مقبولة وفي متناول الجيب الضيق بما يكفي على الأقل لأن يبقى بحوزتنا ما يكفل عودتنا إلى منازلنا. كان يأخذني إلى شارع جانبي هنا أو زقاق هناك ليدلني على مطعم صغير أو محل “سري” يبيع فطائر أو حلويات أو مأكولات ما كان لي أن أتذوق بجودتها لولاه.

ومع باسل وآخرين في فريق للمسير كان ينظم رحلات للتخييم أو التجوال مشياً، سأشاهد الكثير من سوريا عبر أنشطة تنوعت بين تمضية ليال في منطقة قريبة من قلعة بني قحطان في جبال الساحل أو رحلة إلى جبل الزاوية في ريف إدلب أو مسير في ثلوج الزبداني في ريف دمشق. وأنا أفكر اليوم أنني على الأرجح ما كنت شاهدت مناطق متعددة في البلاد لولا أن صديقي دعاني للانضمام إلى هذا الفريق الذي ضم أساتذة جامعيين ومهندسين وطلاباً وصحافيين وفنانين، وغلبت عليه روح النقذ تجاه سياسات النظام، الاقتصادية منها على الأقل، قبل أن تنقسم مواقف أعضائه عقب اندلاع الاحتجاجات بين صمت ونأي بالنفس كما فعل باسل، أو تأييد رخيص أذهلنا مستواه للممثل معن عبد الحق، أو انخراط كامل في الانتفاضة كالصحافي جهاد أسعد محمد المعتقل هو الآخر منذ آب/ أغسطس 2013.

سنمضي معاً أنا وباسل ساعات طويلة في مسارح دمشق، مسرح الحمراء أو القباني أو المسرح الدائري نشاهد أعمالاً رديئة عموماً كانت سخريتنا منها تستهلك منا ساعات أطول، أو أفلاماً من كل بقاع العالم خلال مهرجان دمشق السينمائي، وشيئاً فشيئاً، مسرحيات وأفلاماً وعروضاً فنية وحفلات موسيقية في دار الأوبرا بعيد افتتاحها، حيث كانت فعالياتها الثقافية مجانية في البداية، وبأسعار رمزية لاحقاً.

كان باسل موهوباً وصاحب ذائقة موسيقية ورث جزءاً منها عن أبيه الذي يمتهن العزف الموسيقي. عمو أبو هاشم- والد باسل، كان عازفاً على آلة الكمان، حدثني صديقي كيف كان لوالده مسار واعد خلال شبابه وكيف عزف خلف بعض أشهر مطربي حلب، وكيف انتهى به المطاف لا يكاد يجد فرصة عمل في وقت يتحول فيه عازف رديء مثل هادي بقدونس إلى نجم يُقدم في وسائل الإعلام على أنه “موسيقار”، قبل أن يشغل، أي بقدونس، لاحقاً منصب نائب نقيب الفنانين السوريين. وبفضل باسل، استمعت إلى ألوان وألوان من الموسيقى، بعضها لم أكن قد سمعت به من قبل. أما هو فقد علم نفسه عزف العود بدأب لافت محاولاً أن يقدم شيئاً في هذا المجال.

موهبة باسل لم تقتصر على الموسيقى، ولا دأبه كذلك. في مطلع سنتنا الجامعية الثالثة وليس في تاريخ أبكر من ذلك، اتخذ قراراً بدا لنا حينها مغامرة غير محسوبة العواقب: التقديم إلى امتحانات الثانوية العامة مجدداً بهدف دراسة الفنون التشكيلية في كلية الفنون الجميلة، وهو كان يعني، مما كان يعنيه، أن على باسل أن يهجر دراسته في كلية الآداب بعدما تجاوز منتصف الطريق لأن القوانين الناظمة ما كانت تسمح بالجمع بين دراستين جامعيتين نظاميتين في الوقت ذاته، هذا مع العلم أن التحاقه بكلية الفنون ما كان مضموناً، إذ يحتاج دخولها، إضافة إلى تحقيق معدل علامات جيد في الثانوية العامة، النجاحَ بفحص تخصصي في الرسم للقبول في الكلية، فحص لم تكن تغيب عنه بالطبع في بلادنا الجميلة المحسوبيات الثقيلة التي لم يكن باسل يملك مثلها. إلا أنه في المقابل امتلك شغفاً قاده إلى دورة تدريبية على تقنيات الرسم امتدت أشهراً في مركز أدهم إسماعيل للفنون التشكيلية التابع لوزارة الثقافة، قبل أن ينجح بالفعل في ثانويته العامة الجديدة ومن ثم في فحص القبول بكلية الفنون التي تخرج منها خلال أربع سنوات قبل وقت قصير من اندلاع الثورة السورية.

لكن باسل الذي كان يسعى إلى التجريب في الموسيقى والفن التشكيلي، ويتخذ قرارات جريئة على صعيد مساره المهني والدراسي الشخصي، لم  تكن لديه جرأة موازية في أمور أخرى. أذكر كيف لفتت نظَرَه خلال سنتنا الجامعية الأولى فتاة هادئة الملامح بشعر أحمر كان يدوخه، وبدا أنه هو الآخر لفت نظرها، على الأقل بسبب نظراته التي ما كانت تغادرها بمجرد أن يراها. بيد أن باسل لم يكن باسلاً في هذا المضمار، واحتاج ذهابه إليها وبدء حديث معها أشهراً طويلة من التشجيع والحث والتحفيز والدعم، فيما لا تسعفني الذاكرة اليوم حول مسار علاقتهما بعد ذلك ومصيرها.

تابعت لهنيهات مشاهدة الفيديو مصعوقاً معقود اللسان، وبعد نحو نصف دقيقة أخرى، ظهر باسل مجدداً، جالساً لوحده وبيده سيجارة، حينها فقط أدركت أن المقطع المصور قديم ويعود إلى وقت سابق لاعتقاله، وإن كان تاريخ رفعه الحديث على “يوتيوب” هو ما شوشني. وسيعود باسل للظهور في مناسبة ثالثة في الفيديو نفسه، هذه المرة  جالساً مع صديق كان هو الآخر عضواً في فريق المسير ولا أعرف أين انتهى به المطاف وما هو موقفه من كل ما شهدته بلادنا التي جلنا في أرجائها، وكيف سيكون رد فعله إذا ما شاهد نفسه جالساً بجوار باسل المغيب منذ أكثر من تسعة أعوام.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
كارمن كريم – صحفية سورية
يبدو أن الدول التي دعمت المعارضة بشكل صريح وجدت نفسها أمام حقيقة لم تحسب لها حساب: بقي الأسد في الحكم، وبعد 11 عاماً، لا بدّ من مراجعة الكثير من الحسابات على الساحة السياسية ووضع الجانب الإنساني للأزمة السورية جانباً.
Play Video
“فلقة” جديدة يتلقّاها أطفال سوريين في بلدة غزة البقاعية في لبنان. نشر الصحافي هادي الأمين فيديو يُظهر تعنيف شاويش لأطفال سوريين لأنهم “يقصّرون في عملهم”. وفي كل مخيم للاجئين في لبنان، يتعيّن شاويش سوري ليكون بمثابة مسؤول عن هؤلاء الأطفال. في وقتٍ يتعرض فيه هؤلاء الأطفال لانتهاكات عدة من تسرب تعليمي وعمالة مبكرة و تعنيف لفظي وجسدي، يأتي هذا الفيديو ليؤكّد ذلك. حيث ترتفع وتيرة خطاب رسمي وإعلامي تمييزي تجاه السوريين في لبنان الذين تتراكم حولهم معلومات مغلوطة. فيما هناك حوالى 30 ألف طفل لاجئ يعمل في مهن قاسية الأطفال اللاجئين الذين أقحموا في سوق العمل خصوصاً الزراعة. وبعد انتشار الفيديو ألقت القوى الأمنية، بإشارة من مدعي عام البقاع القاضي منيف بركات، القبض على الشاويش وأحالته إلى القضاء المختص.

1:23

Play Video
يرصد هذا التحقيق أبرز التعقيدات التي ترافق دفن اللاجئين السوريين في دول الجوار، بدايةً من تعثّر الحصول على قبر لاستقبال الرفات، مروراً باستحالة إعادة الرفات إلى سوريا، وليس نهايةً بظروف الدفن غير الطبيعية، في غياب أفراد من الأسرة أو بعيداً منهم، أو في مقابر “طوارئ” مشيّدة على وجه الأرض، أو في مقابر على سفوح الجبال أو ضمن أراضٍ طينية.

1:56

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني