أمير عيد و”كايروكي”: رحلة الثورة المصرية
من “يا الميدان” إلى “حياة كريمة “

هل بتأديته الحملة الإعلانية لمبادرة رسمية من الدولة، أصبح أمير والدولة صديقين؟ وهل هذه الحملة بمثابة صفحة جديدة بين "كايروكي" والنظام؟

أثار أحد مقاطع الحملة الدعائية الرمضانية لمبادرة “حياة كريمة” جدلاً مصرياً، وهو المقطع الذي يؤديه مطرب فريق “كايروكي” أمير عيد للترويج لـ”مبادرة حياة كريمة” التي أطلقها الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي.

الجدال دار حول أداء أمير عيد أغنية الحملة، فهو وأعضاء فرقته “كايروكي”، يحظون بشعبية كبيرة في أوساط الشباب، وتربطهم صلة وثيقة بثورة الخامس والعشرين من كانون الثاني/ يناير 2011، إذ كانت الفرقة صوت ميدان التحرير طيلة أيام الثورة، وأصبحت لاحقاً صوت هذا الجيل بأكمله، تعبر عن أفراحه وآماله وخيباته.

تعود دهشة البعض من ظهور أمير في حملة “حياة كريمة”، إلى أنه كان من المعتاد حتى وقت قريب أن نسمع أو نقرأ عن أمير وزملائه أخباراً كمنع حفلة، أو مصادرة ألبوم قبل طرحه في الأسواق.

عانت هذه الفرقة من تضييقات في عهد جماعة الإخوان المسلمين وفي الوقت الراهن أيضاً. وربما يرجع السبب إلى مضمون كلمات الأغاني المتمردة التي تقدمها والتي تنتقد الأوضاع الاجتماعية والسياسية للدولة، والغناء عن ضياع حلم الثورة، وتردي حال الشباب. فعام 2012، قرر وزير الإعلام المصري أحمد أنيس منع إذاعة أغنية “مطلوب زعيم” بدعوى خدش الحياء العام وجرح المشاعر، ولاحتوائها على لفظ “دكر”. وعام 2017، رفضت الهيئة العامة للرقابة على المصنفات الفنية بعض أغاني ألبوم “كايروكي”، “نقطة بيضا”، وحظرت تداوله في الأسواق، وأوصت بعدم إذاعته في الإذاعة والتلفزيون. لكن أعضاء الفرقة تحدوا هذا القرار ونشروا ألبومهم الجديد مصوراً على الانترنت، وحقق نجاحاً كبيراً على مواقع التواصل الاجتماعي، فهل أصبح أمير والدولة صديقين؟

من قلب ميدان التحرير

“فرقة كايروكي بيعملوا الفكرة، بغض النظر عن استقبال الجمهور ليها، بيعملوا اللي طالع من جواهم، وبعدين الناس تستقبله زي ما تستقبلوا. أول مرة شفت أمير وهو عنده 17 سنة، ومن ساعتها استنيت أشوفه تاني، لما سمعت كايروكي، لقيت اللي نفسي أشوفه طول عمري”.

هكذا وصف “علاء الكاشف، مهندس الصوت الحائز جائزة “جرامي”، فرقة “كايروكي” مذ رآها للمرة الأولى عام 2003، وظل يدعمها لفترات طويلة بعد ذلك.

أمير عيد، شريف هواري، تامر هاشم، شريف مصطفى، آدم الألفي، هم أعضاء فريق “كايروكي”، الذين جمعهم الشغف والرغبة العارمة في تجديد الموسيقى المصرية، سرعان ما لفتوا الأنظار إليهم، فموسيقى “الروك” الممزوجة بالألحان الشرقية، لم تكن ذائعة الصيت حين تبنوها كقالب رئيسي لأغنياتهم، إضافةً إلى تناولهم مشكلات الشباب وأمنياتهم.

كانت ثورة الخامس والعشرين من يناير إيذاناً بانطلاقة حقيقية لأمير وزملائه، ففي خضم الثورة، جاء النجاح الأول لفريق كايروكي بأغنية “صوت الحرية” التي كتبها وغناها أمير عيد، وصُورت في قلب ميدان التحرير، لتُستخدم الآن بعد عقد من الثورة كوثائقي لأحداثها ومطالب وأحلام شبابها.

إن أحد أهم التغييرات في الموسيقى المصرية ما بعد الثورة كان جمالياتها التشاركية. كان فن الشارع، الذي يتراوح من الكتابة على الجدران الشعبية إلى الرسوم الهزلية المرتجلة إلى العروض الغنائية في الميدان، أمراً حيوياً في إشراك جماهير الطبقة العاملة بشكل مباشر كعاملين ثقافيين وتحويلهم إلى مشاركين سياسيين. أشرك فيديو كايروكي 2011 لـ”صوت الحرية” مشاركي التحرير بشكل مباشر في صنعه ومهد الطريق لمشاركات شعبية أخرى مع الجمهور.

يمكننا الآن التأريخ لأحداث الثورة بأغاني أمير وفريق “كايروكي”، ولا مبالغة في ذلك، في أغاني كايروكي وعلى مدار أكثر من عشر سنوات بعد الثورة، نستطيع أن نرى الحالة العاطفية ونشوة النصر في أغاني الفرقة عقب الثورة، ثم ما حملته الأعمال اللاحقة من شك وخوف لاحقاً، إلى خيبة الأمل نهايةً، فبعد أيام من رحيل الرئيس المعزول محمد حسني مبارك نزولاً عند مطالب الثورة، طرحت “كايروكي” أغينة “مطلوب زعيم“، وهي بمثابة “مانيفستو” حول مواصفات الرئيس المطلوب، وطالبت الأغنية بالعدل والحق في رئيس يكفل العيش، والحرية، والعدالة الاجتماعية.

 كما صُور فيديو الأغنية في شوارع حي الكوربة الشهير مع فرقته، حيث انضم أشخاص من خلفيات طبقية مختلفة حاملين لافتات “مطلوب زعيم” . في حين أن الفيديو عبارة عن احتجاج صريح، إلا أنه يعكس تحول الفرقة البطيء إلى قضايا الطبقة العاملة التي جلبت المتظاهرين إلى الشوارع، وهي الأغنية التي مُنعت من الرقابة بسبب “هدمها قيم الأسرة المصرية”.

بعد أحداث محمد محمود الأولى، وسقوط ضحايا جدد فيما يُعتبر ثاني موجات الثورة، أطلقت “كايروكي”، “يا الميدان“، التي أداها أعضاء الفرقة مع الفنانة عايدة الأيوبي متغنين بميدان التحرير رمز الثورة، مع معاتبة المحب على تأخره عن موعده قرابة الثلاثين عام. وغنواً بعدها بأشهر “اثبت مكانك“، والتي تنادي بالصمود، والوقوف على مطالب الثورة، وعدم التنازل عنها.

إقرأوا أيضاً:

من ميدان الأحلام، إلى أرض الواقع

مع خفوت وهج الثورة، وعقب أحداث 30 حزيران/ يونيو 2013، تحولت دفة أمير و”كايروكي” للغناء أكثر عن الناس وأحوالهم، تناولت أغنياتهم موضوعات اجتماعية أقل حدة من ذي قبل، تناسب النقد الاجتماعي الذي يعيشه ويطرحه الناس، وتعبر عن التشكك الذي ساور الجميع في كل ما حدث منذ 2011، والإنهاك الذي طاول الناس.

فتقريباً جميع المقاطع الخاصة بهم والتي تم إعدادها منذ عام 2013، صورت في أماكن مغلقة، أو مرتدين أقنعة. كل هذه التغييرات هي على النقيض مما جاء في أغنية “صوت الحرية”، والتي صورت علناً داخل حشود ميدان التحرير. ولم تعد وجوههم إلى الظهور بالكامل حتى إصدار أغنية “آخر أغنية” عام 2016، والتي أعلنوا فيها ولاءهم التام للثورة ومطالبها بالحرية. 

لم تعد الفرقة مهتمة بتقديم توجيهات بشأن المكان الذي يجب أن تتجه إليه مصر، سواء على المستوى الجماعي أو الفردي، وبدلاً من ذلك عبر أعضاؤها عن صعوبات الحياة، وعن الرغبة في حياة كريمة للجميع، نجد ذلك في أغنية ” والله ما عايز“، التي طرحت عام 2014، تخيلت الأغنية الطلبات البسيطة من سائقي سيارات الأجرة، وبائعي الأكشاك. وحتى عندما تحتد وتيرة الأغاني، تكون موجهه أيضاً لنقد المجتمع، وربما لنقد الذات أحياناً، نجد ذلك أيضاً في أغنية “هدنة” من ألبوم “نقطة بيضاء”، إنتاج 2017.

ومن باب التعمق أكثر في قضايا طبقات المجتمع، اتجهت “كايروكي” للتعاون مع الفن الشعبي، باعتباره ممثلاً رئيسياً لفئة من هذا المجتمع، في أغنية “الكيف” مع المطرب الشعبي الشهير طارق الشيخ، تناولت الغنية قضية المخدرات، وفي أغنية “غريب في بلاد غريبة” التي جمعت أعضاء الفرقة مع سلطان الطرب الشعبي عبدالباسط حمودة، تناولوا قضية تهميش هذه الفئة من البشر.

تحدث أمير في لقاء تلفزيوني مرة عند سؤاله عن دمج اللون الشعبي في موسيقى الفرقة: “أنا أغني الشعبي لأنه ممتع، لا شك في أن الشعبي هو نوع من الموسيقى التي تعبر عن طبقة مهمة جداً من الناس. مثل المهرجانات، إنها الموسيقى التي كنت أكرها صغيراً وهي الآن الموسيقى التي أحبها بلا خجل. تاريخياً الشعبي هو نوع متجذر في ثقافتنا”.

أنا الصوت اللي متبقي”

استعرضنا بعضاً من محطات رحلة تطور فريق “كايروكي” ونجمه أمير عيد لمحاولة استشفاف الإجابة على سؤال، هل بتأديته الحملة الإعلانية لمبادرة رسمية من الدولة، أصبح أمير والدولة صديقين؟ وهل هذه الحملة بمثابة صفحة جديدة بين “كايروكي” والنظام؟

تعليقاً على ذلك، كتب أمير عيد على «تويتر»: 

“كل اللي بيزايدوا وبيحكموا بتوع كلام ميعرفوش الحقايق والنوايا، ومفيش حد يعرف يجبرني على شيء ولا يشتريني، ولا أنا بنهزم”.

ربما يكون إعلان “حياة كريمة” مرحلة جديدة أكثر هدوءاً في حياة أمير و”كايروكي”، فأمير يرى بعينه أن كل من يحاول أن ينبس ببنت شفة على غير هوى النظام، أمامه خياران لا ثالث لهما إما مغادرة البلاد، أو التنكيل به.

لكننا سننتظر بكل شغف ألبوم الفرقة المقبل، متمنين أن يصدق أمير في ما قاله بأنه لا يُشترى ولا يهزم، سننتظر أمير بصوته المميز وأغاني “كايروكي” التي تنتمي إلينا، كما في آخر أعمال الفرقة “أنا الصوت اللي متبقي“.

“أنا الصوت اللي متبقي وخارم ودانكم بحقي
أنا اللي الدنيا بتهدد هرد وأقولها طقي
أنا النغمة النشاذ يا خلق
أنا اللي تابعكوا مني الفرق
أنا اللي جريمتي في قيمتي
أنا المبهج أنا المزعج أنا اللي صعب يتبنج
وأنا اللي لما بيهنج ما بعرفهوش”.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
يوسف الأمين
قبل أسابيع قليلة، تجنّدت السلطة الدينيّة والرسمية في لبنان وأجرت “اتّصالاتها الشرعيّة” لمحاربة تجمّعات المثليّين، على أساس أنهم خطر داهم، فيما يصار بكل وقاحة إلى لفلفة قضية اغتصاب أكثر من 20 طفلاً!
Play Video
باستخدام أدوات تكنولوجية مختلفة، كالقصص التفاعلية وتقارير 360 درجة ومقاطع فيديو ورسوم متحركة، استطاعت منصة Tiny Hand تغطية المعاناة والأثر الذي تتركه الحرب على الأطفال وايصالهما الى العالم.

4:41

Play Video
الكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية والناشطة اللبنانية غوى أبي حيدر والناشط السياسي الكويري ضومط قزي الدريبي ضيفا هذه الحلقة من بودكاست “نون” للحديث عن المثلية الجنسية وتصاعد الحملات المعادية لها في الآونة الاخيرة. المحزن ان ملاحقة العلم او الراية بات يشبه حملات مطاردة الساحرات في منطقتنا. تكثر الاخبار من حولنا عن سحب رواية، منع فيلم، مطاردة شعار، ومصادرة ألعاب أطفال لأنها تحمل ألوان قوس قزح، فضلا عن خطابات التحريض والكراهية والملاحقات القانونية والوصم الاجتماعي، وهو ما تكرر في أكثر من دولة بذرائع أخلاقية ودينية. غوى أبي حيدر وهي ناشطة وكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية. كتبت سلسلة مقالات عن انتحار الناشطة المصرية سارة حجازي قبل عامين بعد ان سجنت بسبب رفعها علم قوس قزح/ شعار مجتمع الميم وتم اضطهادها ونفيها بسببه الى ان انتحرت. اما الناشط السياسي ضومط قزي الدريبي، فقد شارك في كثير من نشاطات الحراك الاعتراضي السياسي في لبنان في السنوات الاخيرة، لكنه واجه حملات ضده مستغلين هويته الجنسية.

51:48

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني