لبنان: الاغتراب أسّس للاستقلال فهل يلعب دوره في الإنتخابات المقبلة؟

الحديث عن الاغتراب غالباً ما يقترن بتركيز على الأهمية الاقتصادية والمالية، وحتى في السياسة يُنظر الى المغترب اللبناني بصفته صوتاً وليس لاعباً مؤثراً ومؤسساً.

مع اقتراب استحقاق الانتخابات النيابية اللبنانية، يبرز الحديث عن الصوت الاغترابي بصفته مرجِّحاً في بعض الدوائر سيما مع توقع تراجع نسب الاقتراع على الأراضي اللبنانية لأسباب متنوعة. لكن الحديث عن الاغتراب غالباً ما يقترن بتركيز على الأهمية الاقتصادية والمالية، وحتى في السياسة يُنظر الى المغترب اللبناني بصفته صوتاً وليس لاعباً مؤثراً ومؤسساً. 

بيد أن هذه المقاربة تُهمّش الدور السياسي البارز الذي لعبه المغتربون اللبنانيون الأوائل دفاعاً عن الكيان اللبناني واستقلاله، وصولاً الى ولادة دولة لبنان الكبير عام 1920. وهو دور سياسي لا مبالغة في وصفه بـ “التأسيسي”، ومن الضروري قراءته ومراجعته، لفهم أدوار محتملة قد يلعبها الاغتراب في المرحلة المقبلة.

لكن ما هي الدروس السياسية للدور التاريخي لهذا الاغتراب؟

بين 1908 و1920 كان الفضاء الاغترابي للمهاجرين المتحدّرين من متصرفية جبل لبنان مسرحاً لنشاط سياسي لجمعيات أنشأها مهاجرون في مصر وفرنسا والولايات المتحدة الاميركية وأميركا الجنوبية، وذلك بهدف تحقيق استقلال لبنان وتثبيت هويته والدفاع عنها. ذلك أن الفضاء المذكور كان جزءاً من الاغتراب السوري الأكبر الذي بدوره مثّل مسرحاً لمواقف سياسية وسرديات تاريخية مختلفة، بل متناقضة أحياناً، مثل – بالاضافة الى الكيانية اللبنانية – سوريا الكبرى وسوريا الفيدرالية والمملكة العربية بقيادة الأمير فيصل.

فمن المرجّح جداً، بحسب الوقائع التاريخية، أن التيار السيادي الاستقلالي اللبناني نشأ أولاً في الاغتراب، وتحديداً مع جمعية “الاتحاد اللبناني” التي أسّسها في مصر مهاجرون لبنانيون وكان أحد ابرز أركانها المحامي اللامع والمثقف يوسف السودا المولود في بكفيا في قضاء المتن. تشكلت هذه الجمعية في القاهرة عام 1909 كمعارضة لدعوة بعض الأعيان من لبنانيين وغيرهم، بعد إعلان إعادة العمل بالدستور العثماني، إلى دمج متصرفية جبل لبنان في الولايات العثمانية المحيطة بها، الأمر الذي هدّد بالتنازل عن الامتيازات الاستقلالية الخاصة التي يتمتع بها جبل لبنان. أنشأت جمعية “الاتحاد اللبناني” تحت شعار لبناني لا طائفي وقام برنامجها على تثبيت الكيان اللبناني بالدفاع عن الامتيازات التي يتمتع بها بموجب نظامه الأساسي، والعمل على تطويره عبر نيل لبنان استقلاله التام في “حدوده الطبيعية”، بضمانة الدول العظمى، إضافة إلى تحسين الأوضاع الاقتصادية، وإصلاح أداة الحكم.

تركز نشاط “الاتحاد اللبناني”، في فترة ما قبل الحرب العالمية الأولى، على الدفاع عن امتيازات جبل لبنان الاستقلالية عبر التصدي لمحاولات ضمه الى الإمبراطورية العثمانية، فنشر في هذا المجال مبادئه في أوساط المهاجرين اللبنانيين عبر اتصاله بالجاليات اللبنانية في أميركا وأوروبا ودعوتها الى التضامن وتنظيم أنشطتها في إطار الأحزاب والجمعيات. كما أرسل الى هذه الجاليات نسخاً من قانونه الداخلي، مساعداً إياها في أن تنتظم سياسياً في جمعيات ذات صفة “قانونية” و”معنوية” تمكّنها من نشر فكرة الكيان اللبناني في أوساطها. وسرعان ما ظهرت جمعيات جديدة في الاغتراب ارتكزت على مبادئ “الاتحاد اللبناني” كأساس لنشاطها، أهمها جمعية “النهضة اللبنانية” التي تأسست في مدينة نيويورك عام 1911، و”الجمعية اللبنانية – باريس” التي تأسست في باريس عام 1912.

وجاء اندلاع الحرب العالمية الأولى ليعرّض الوجود اللبناني للخطر، إذ ألغت تركيا بعد دخولها الحرب، نظام لبنان الخاص وامتيازاته الاستقلالية، ما أدخله في نظام الولايات العثمانية. وهنا كان “الاتحاد اللبناني” في طليعة المدافعين عن “استقلال” لبنان إذ قدم عام 1917 مذكرة احتجاج إلى مفوضيات فرنسا وإنجلترا وإيطاليا في القاهرة أنكر فيها على تركيا “حق إلغاء استقلال لبنان وامتيازاته”، عبر احتلال جيوشها لأراضيه. ونتج عن المذكرة ردود فعل متباينة من الدول الثلاث المذكورة، أبرزها الاستياء الباطني الذي مثلته الحكومة الفرنسية رغم تعاطفها العلني مع اللبنانيين. ذلك أنه في العام 1917، كانت فكرة “سوريا الفرنسية” أو سوريا الكبرى تحظى بأولوية في دوائر القرار الفرنسي وغرف التجارة المرتبطة بها. فكان على “الاتحاد اللبناني” هنا أن يواجه تيارين سياسيين هدد برنامج كل منهما بإلغاء الامتيازات اللبنانية الاستقلالية، حيث هدفا منفردين، الى دمج لبنان بوجود سياسي أوسع هو سوريا الكبرى، التي سترتبط بشكل ما بالدولة الفرنسية، أو ستشكل جزءاً من المملكة العربية المُزمع قيامها. التيار الأول هو التيار السوري – الفرنسي الذي رعته الحكومة الفرنسية، فيما التيار الثاني، السوري – العربي، تبنته سلطة الحجاز بزعامة الشريف حسين بن علي.

وبالفعل، ركز “الاتحاد اللبناني” جهوده بشكل أساسي على مواجهة التيار السوري – الفرنسي الذي شكل الخطر الأكبر على الوجود اللبناني المستقل، وأفقده حامياً مؤثراً هو فرنسا التي ظلت حتى الحرب العالمية الأولى، السند الأهم للكيان اللبناني المستقل. وفي هذا السياق، حصل اجتماع في القاهرة في كانون الثاني 1918 بين ممثلين عن “الاتحاد” والدبلوماسي الفرنسي جورج بيكو، في إطار سعي دوائر القرار الفرنسية الى اقناع التيار الاستقلالي اللبناني بسياستهم الجديدة حيال لبنان. حاول بيكو إقناع ممثلي “الاتحاد” بالتخلي عن امتيازات لبنان واستقلاله التي كانت ضرورية خلال الحكم العثماني، لكنها، برأيه، “ستصبح دون فائدة، عند مجيء فرنسا الى لبنان، وتقوم هي بهذه المهمة”. الا ان ممثلي “الاتحاد” ظلوا متمسكين بمطلبهم الأساسي وهو الكيان اللبناني المستقل. وفي أعقاب الاجتماع، ساد خوف لدى “الاتحاد” من مخططات السياسة الفرنسية الجديدة، فوضع مذكرة أرسلها الى “دول الحلفاء” والصحف، وجاء فيها تشديد على المطلب الأساسي: “استقلال لبنان، في حدوده الطبيعية، بضمانة الدول العظمى”. 

أحدثت هذه المذكرة التي نشرت في جريدة Le Temps الباريسية استياءاً لدى المسؤولين الفرنسيين الذين اعتبروها “طعنة في صدر فرنسا” في ظروف الحرب التي تمرّ بها، فيما صورت الدعاية الفرنسية نشاط “الاتحاد” الاستقلالي بأنه نابع فقط من عدائه لفرنسا. الا ان “الاتحاد” ظل ثابتاً على موقفه وانخرط في الأنشطة الصحافية مؤكداً أن مطالبته باستقلال لبنان “تخدم عقيدة مجردة”، وتتماهى مع المناخ الدولي الجديد الداعم لتحرّر الشعوب وحقها في تقرير مصيرها ونيلها استقلالها وذلك في أعقاب إعلان مبادئ الرئيس الأميركي وودرو ولسون.

وكان على “الاتحاد” التصدي أيضاً للتيار العربي – السوري الذي برز خلال الحرب، نتيجة لاتفاق الحسين، شريف مكة، مع البريطانيين، على إنشاء مملكة عربية تشمل لبنان. نَبّه “الاتحاد” من خطورة الانزلاق إلى خط التيار المذكور الذي يحاول دمج المسألة اللبنانية بالمسألة السورية، كما رفض محاولة استمالة اللبنانيين الى خطته عن طريق “الاعتراف للبنان الصغير باستقلال داخلي”. ومع انتهاء الحرب العالمية الأولى، وتقديم وفد مجلس ادارة جبل لبنان مطالبه الى مؤتمر الصلح المنعقد في باريس عام 1919، اعتبر “الاتحاد اللبناني” أن المطالب ظلت بعيدة عن تحقيق استقلال لبنان التام، وسجل اعتراضه عليها عبر لجنته في القاهرة التي صاغته بكتاب أرسلته إلى رئيس مجلس إدارة جبل لبنان آنذاك حبيب باشا السعد. وأبرز ما جاء في الكتاب تسجيل “الاتحاد” لخيبة أمله لأن مجلس إدارة جبل لبنان لم يطالب باستقلال لبنان التام، وقصر مطالبه على الاستقلال الإداري، الأمر الذي ترك الباب مفتوحاً أمام دخوله في الاتحاد السوري.

وبعد نهاية الحرب العالمية الأولى، تصدى “الاتحاد اللبناني” أيضاً للمشروع الحجازي – السوري الهادف الى ربط لبنان بوجود سياسي أوسع هو سوريا الكبرى التي قد تكون جزءاً من مملكة الشريف حسين العربية. ففي آذار 1920 اجتمع المؤتمر السوري في دمشق وأعلن استقلال سوريا بحدودها الطبيعية ومبايعة الأمير فيصل نجل الشريف حسين ملكاً عليها، ذاكراً أن أماني اللبنانيين الوطنية ستبقى في حدود متصرفية جبل لبنان، مستبعداً مدينة بيروت من تصوره للبنان. احتج “الاتحاد اللبناني” على هذا القرار، فأرسل الى مجلس إدارة جبل لبنان برقية استنكر فيها فكرة إبقاء بيروت خارج لبنان، متمنياً على المجلس الدفاع بحزم “عن حق لبنان في استقلاله بحدوده الطبيعية”.

تبين لنا هذه المراجعة التاريخية الموجزة أهمية جمعية “الاتحاد اللبناني” كنموذج للنشاط السياسي الاغترابي، من حيث الوضوح والثبات في الموقفين السيادي والاستقلالي وعدم المساومة عليهما، وذلك على الرغم من الإغراءات والضغوط الفرنسية على الجمعية، ومن ثم محاولة استمالتها للدخول في المشروع العربي، وكلاهما بهدف حضّها على التنازل عن الثوابت الكيانية التي رفعتها ودافعت عنها. ومن الملفت أيضاً ان “الاتحاد اللبناني” كان يريد لبنان كياناً ذا استقلال تام دون أي وصاية أو رعاية أجنبية، فرنسية كانت أم غيرها، خلافاً لبعض الجمعيات ذات النزعة اللبنانية مثل “النهضة اللبنانية” التي كانت تريد لبنان مستقلاً يحكمه فرنسي وذلك تحت رعاية فرنسا.

الهجرة الكبيرة للشباب وكوادر المتعلمين والكفاءات من لبنان منذ 2019 الى يومنا هذا وفرت لهم نوعاً من “الخروج السياسي”، لكنهم يلعبون أدواراً في هيئات وجمعيات يبدو أنها فاعلة في تشكيل الانتخابات والرأي العام الغربي لمصلحة الانتفاضة، وهو دور يُشبه تاريخ “الاتحاد اللبناني”. وهذا دور لا بد سيكون أساسياً مع تراجع العمل السياسي المعارض في الداخل اللبناني، علاوة طبعاً على التصويت العقابي الكبير ضد كل من تسبب بهجرتهم من البلد.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
هلا نهاد نصرالدين – صحافية لبنانية
اعتكف سعد الحريري عن المشاركة في الانتخابات الأخيرة، فالأضرار والخسائر التي لحقت به جرّاء مشاركته في السياسة اللبنانيّة، فاقت المكاسب التي حقّقها، إلا أنّ خياراته الخاطئة انتخابيّاً وسياسيّاً واقتصاديّاً ما زالت تلاحقه حتى اليوم.
Play Video
باستخدام أدوات تكنولوجية مختلفة، كالقصص التفاعلية وتقارير 360 درجة ومقاطع فيديو ورسوم متحركة، استطاعت منصة Tiny Hand تغطية المعاناة والأثر الذي تتركه الحرب على الأطفال وايصالهما الى العالم.

4:41

Play Video
الكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية والناشطة اللبنانية غوى أبي حيدر والناشط السياسي الكويري ضومط قزي الدريبي ضيفا هذه الحلقة من بودكاست “نون” للحديث عن المثلية الجنسية وتصاعد الحملات المعادية لها في الآونة الاخيرة. المحزن ان ملاحقة العلم او الراية بات يشبه حملات مطاردة الساحرات في منطقتنا. تكثر الاخبار من حولنا عن سحب رواية، منع فيلم، مطاردة شعار، ومصادرة ألعاب أطفال لأنها تحمل ألوان قوس قزح، فضلا عن خطابات التحريض والكراهية والملاحقات القانونية والوصم الاجتماعي، وهو ما تكرر في أكثر من دولة بذرائع أخلاقية ودينية. غوى أبي حيدر وهي ناشطة وكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية. كتبت سلسلة مقالات عن انتحار الناشطة المصرية سارة حجازي قبل عامين بعد ان سجنت بسبب رفعها علم قوس قزح/ شعار مجتمع الميم وتم اضطهادها ونفيها بسببه الى ان انتحرت. اما الناشط السياسي ضومط قزي الدريبي، فقد شارك في كثير من نشاطات الحراك الاعتراضي السياسي في لبنان في السنوات الاخيرة، لكنه واجه حملات ضده مستغلين هويته الجنسية.

51:48

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني