روسيا التي أرهقت العالم… بـ”التفاهة”

لعل المظاهر جزءً من نظام "التفاهة" القائم على الخطاب الخداع، خاصة وأن الكسالى المدافعين عن الحرب الروسية ضد أوكرانيا، لا يزعجون ولا يكلفون أنفسهم عناء البحث واستعراض خفايا الأمور.

 صدق من قال: المظاهر خدّاعة، ويبدو أن التحكم بالمرادفات والألفاظ أمر سهل جداً للرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونخبه الإعلامية والسياسية على شاشات التلفزة وما يقدمونه من ألفاظ حول جمالية التدخل الروسي في سوريا وأوكرانيا. ولعل المظاهر جزءً من نظام “التفاهة” القائم على الخطاب الخداع، خاصة وأن الكسالى المدافعين عن الحرب الروسية ضد أوكرانيا، لا يزعجون ولا يكلفون أنفسهم عناء البحث واستعراض خفايا الأمور، فتغيب عنهم البصيرة في رؤية روسيا تسحق حريات الشعوب، حيث يقول ألان دون في كتابه “نظام التفاهة”: “المهارة الأولية التي ينبغي تعليمها للناس ليست مهارة اعتناق الرأي، بل مهارة “لا-اعتناقه”: أي القدرة على ترك مسافةٍ بين النفس والرأي، مع مقاومة أراء الانتماء إلى معسكرٍ فكري رغم عدم القدرة على اتخاذ القرار”. وإن للتفاهة أداةٌ لغوية هامة هي “اللغة الخشبية” أي اللغة الجوفاء، والنطق بتحصيل حاصل القائم على الحشو أو مجرد التكرار بألفاظ مختلفة… وكأن في أمر الهجوم والحرب قضيةً جديدةً تدفع بمعرفتنا إلى الأمام! 

هكذا هو حال التبريرات الروسية في اجتياح أوكرانيا، وحربها ضد رغبة وحرية اختيار الشعب الأوكراني مصيره وحيواته. 

لم يأت المشهد الروسي العسكري ضد أوكرانيا بالجديد أو المخالف عن أسباب تواجده في سوريا، فهي كما يزعم الرئيس بوتين تأتي رفضاً لسياسة القطب الواحد، وإن العالم أصبح متعدد الأقطاب. لكن ماذا فعلت هذه التعددية بالعالم الذي قالت روسيا إنها جاءت لحمايته؟

في الأمس كانت ألسنة النظام الروسي تلوك علانية قصة مساهمتها الفعالة في انتصار السوريين على السوريين، وهي التي لم تكلّف نفسها عناء إيجاد مخرجً للحفاظ على سوريا وإيجاد مشتركات وتقاطعات بما يحفظ لسوريا مكانتها وجغرافيتها، عوضاً عن المساهمة في تدمير مساحات شاسعة، وتشريد وقتل الملايين. دولة عظمى لا تجد حلولاً لطموحات شعبٍ يرغب بحريته! لكنها تجد آلاف الحلول العسكرية عوضاً عن ذلك. فتدخلت في سوريا منذ العام 2015 بحجة ملاحقة فلول داعش الذي انتهى وجوده ككتّلة تنظيمية صُلبة منذ نهاية ذلك العام في الباغوز. بل إن تواجده(التنظيم الإرهابي) الضعيف بين الحين والأخر وإن أخذ طابع التنظيم وإعادة الترتيب كما حصل في أحداث سجن الحسكة، يبدو في مضمونه رسائل أثبات وجود فاشل لا أكثر، وتواجده بطبيعة الحال ينحصر في الشمال الشرقي، فلماذا لم تنسحب بعد إعلان انتهاء أسباب تواجدها؟ أم إن مهمة القوات الروسية لجم كُل صوتٍ مخالف لسياساتها، خاصة وأن التدخل العسكري الروسي شكّل العلامة الفارقة في تاريخ الحدث السوري، فتغيرت موازين القوى على الأرض، وتمكنت روسيا من حصار قوات المعارضة السورية وخسارتهم لمناطق إستراتيجية.

يبدو أن روسيا ترسم معالم حياة شديدة القسوة، بدءاً من تدخلها في سوريا، وليس من المعلوم هل ستنتهي في أوكرانيا.

 اليوم، تستدرج روسيا لحربها ضد أوكرانيا، عناوين تاريخية وجغرافية انتهى مفعولها بفعل الرغبة الشعبية والقرار الجماهيري. ولم تتحامل على نفسها وتدخل في حواراتٍ، أو تتفهم طبيعة النظام السياسي في أوكرانيا بعد الثورة التي أطاحت برئيسها السابق فيكتور يانوكوفيتش، بل تذهب بعيداً في  وحشيتها حينما تلجأ إلى التهديد باستخدام السلاح النووي. 

لم يخطئ من قال “الأزمات مختبر العقول” وهي المشكلة –التحدّي الذي يُجلي الغمامة عن حجم التحكم الشخصي بالانفعالات والكاشف عن مستوى الوعي الفردي والجماعي، حتّى الأنظمة ذاتها في حلّ مشاكلها الداخلية أو مع دول الجيران. عدد لا يستهان به من دول العالم إمّا لا تتمكن من حماية نفسها، أو لا تخلو من المشاكل الداخلية، ومن صراع القوميات بين الأكثرية والأقلية، أو الصراع بين الهويّات الفرعية مع الهويّة السائدة. ووفقاً لما تسوقه روسيا وتمنح نفسها من شرعنة التدخل في أوكرانيا، وهي بطبيعة الحال تبريرات مخيفة ومُضطربة، فإنه يجوز أن تأكل الدول القوية نظيرتها الأقل قوة منها، وتنحصر لغة العنف والسلاح كأداة وحيدة للتواصل والحوار لحل الخلافات.  

تستمر روسيا في خرق القانون الدولي، وهذا الأخير بطبيعة الحال جعلت موسكو منه سيفاً على رقاب الدول الفقيرة والضعيفة فقط، وها هي تجتاح دولة أخرى ذات سيادة كاملة، ولم يطلب النظام الأوكراني منها ذلك، فعمّقت موسكو تفعيل لغة السلاح والقوة العسكرية، كلغة وحيدة في وجه رغبة شعبٍ يتطلع للرفاهية والعدالة الاجتماعية.

ويبدو أن روسيا ترسم معالم حياة شديدة القسوة، بدءاً من تدخلها في سوريا، وليس من المعلوم هل ستنتهي في أوكرانيا؟ 

التدخل يمهّد لمستقبل أسود للحريات والديمقراطية في العالم، وموسكو تتماهى مع الحكومات القمعية التي تمارس العنف ضد شعوبها، وتغذي النزعات المركزية في الحكم، لتكون المستفيدة بطبيعة الحال، كونها تسعى لإعادة أمجاد إمبراطوريتها، وخلق كتّلة سياسية-بشرية في مواجهة التواجد الأمريكي-الأوربي في العالم.  

تبدو روسيا مُلزمة بحماية وتغذية تلك الكتّلة من الدول الساعية للحفاظ على هيمنة العسكرة على الحياة العامة، وتغاضيها عن تفضيل الدول الصديقة لها في سحق الحرية أمنياً وعسكرياً على الاستماع لمطالب المجتمعات المحلية، وتالياً رجحاناً لثقافة إركاع الشعوب والحريات وتمهيداً لتاريخً مدوٍ من الإلغاء والظلم الاجتماعي بانعكاساته على التوازن والتركيبة السياسية والبشرية حول العالم، خصوصاً أن الشرق الأوسط يعجّ بالنموذجين الروسي والأوكراني، فثمة من لا يزال يحلم بالمزيد من ممارسة العنف وصلافة التعامل مع الشعوب، وتغذية شبكات الفساد والإفساد والنهب، وإهمال دور المراكز العلمية، وإهمال الضرر الجذري العميق ببنية تلك الدولة وبشعوبها واقتصاداتها ودورها في المحيط الإقليمي. هؤلاء يجدون لدى روسيا القوة الهائلة التي تحميهم دوماً وأبداً. في المقابل، نجد دولاً وأنظمة أخرى تحلم بالنموذج الأوكراني والحصول على بطاقة العبور نحو الرفاهية الاقتصادية والتداول السلمي للسلطة والاحتكاك والاستفادة من التطور العلمي، وهذه الدول والأنظمة بحاجة إلى مد يد العون لها.  هي ذات الدينامية التي  تسعى روسيا من ورائها للسيطرة على أطراف محددة من العالم، وتدخل في شراكات مع أقطاب ودول أخرى ولا مشكلة أبداً للمزيد من المواجهات، والمزيد من القتل والاستهتار بالبطون الجائعة في ظل التداعيات الاقتصادية المريعة من وراء هجومها على أوكرانيا أو تدخلاتها في سوريا أو أي مكان أخر. 

ولعل أبرز منجز حضاري للعالم الغربي، كان ولا يزال نجاحهم في لجم تضخم التوحش العسكري في قسم كبير من العالم، والزج به في حضن القانون، وتالياً تمكنت لعقود عديدة من إنهاء شريعة الغاب، ما أفسح المجال أمام الشعوب والدول التي لا تملك القوة والسطوة العسكرية أن تعيش بما لديها من إمكانيات دون خوف من هجوم أو غزوة بمجرد إنها تتطور وتسعى نحو الأفضل. وأوكرانيا التي تخلت عن سلاحها النووي في تسعينيات القرن الماضي، طمعاً باستقلالها وأمنها وسيادتها، تخلّت عن أخطر الأسلحة فتكاً، وتنازلت عن ترتيبها العالمي في سلاحه النووي، طمعاً بالانضمام إلى مجموع الأنظمة والدول التي تفضل رفاهية شعبها على ترسانتها العسكرية، إلا أن الرد والمكافأة جاءت في عقلية الجار التي نظرت إلى فعل التخلي على أنه ضعف وهوان، وها هي أوكرانيا تعيش حرباً تشكل أزمة أخلاقية لدول “الناتو” جميعاً، فإما التدخل وإنهاء الحرب، أو أن انتصار روسيا سيشكّل عودة إلى مرحلة قد تقلب حياتنا رأساً على عقب.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
هلا نهاد نصرالدين – صحافية لبنانية
اعتكف سعد الحريري عن المشاركة في الانتخابات الأخيرة، فالأضرار والخسائر التي لحقت به جرّاء مشاركته في السياسة اللبنانيّة، فاقت المكاسب التي حقّقها، إلا أنّ خياراته الخاطئة انتخابيّاً وسياسيّاً واقتصاديّاً ما زالت تلاحقه حتى اليوم.
Play Video
باستخدام أدوات تكنولوجية مختلفة، كالقصص التفاعلية وتقارير 360 درجة ومقاطع فيديو ورسوم متحركة، استطاعت منصة Tiny Hand تغطية المعاناة والأثر الذي تتركه الحرب على الأطفال وايصالهما الى العالم.

4:41

Play Video
الكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية والناشطة اللبنانية غوى أبي حيدر والناشط السياسي الكويري ضومط قزي الدريبي ضيفا هذه الحلقة من بودكاست “نون” للحديث عن المثلية الجنسية وتصاعد الحملات المعادية لها في الآونة الاخيرة. المحزن ان ملاحقة العلم او الراية بات يشبه حملات مطاردة الساحرات في منطقتنا. تكثر الاخبار من حولنا عن سحب رواية، منع فيلم، مطاردة شعار، ومصادرة ألعاب أطفال لأنها تحمل ألوان قوس قزح، فضلا عن خطابات التحريض والكراهية والملاحقات القانونية والوصم الاجتماعي، وهو ما تكرر في أكثر من دولة بذرائع أخلاقية ودينية. غوى أبي حيدر وهي ناشطة وكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية. كتبت سلسلة مقالات عن انتحار الناشطة المصرية سارة حجازي قبل عامين بعد ان سجنت بسبب رفعها علم قوس قزح/ شعار مجتمع الميم وتم اضطهادها ونفيها بسببه الى ان انتحرت. اما الناشط السياسي ضومط قزي الدريبي، فقد شارك في كثير من نشاطات الحراك الاعتراضي السياسي في لبنان في السنوات الاخيرة، لكنه واجه حملات ضده مستغلين هويته الجنسية.

51:48

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني