عادل الكلباني وسلافوي جيجك:
الشيخ لا تغبطه الفكاهة ويكره السخرية

الكلباني الذي ردّ، في كل مرة، على الانتقادات والسخرية منه بـ"أدلة شرعية"، وترسانة من المخارج الفقهية، أعاد فور إذاعة البرنامج الذي سخر منه تغريدة قديمة للنيابة العامة مفادها أنّ "التشهير بالآخرين وإلحاق الضرر بهم" يمثل "جريمة معلوماتية". 

مثّل احتجاج الشيخ عادل الكلباني، إمام الحرم المكي السابق، على تقليده في برنامج تلفزيوني ساخر في فضائية مملوكة للسعودية، والذي اعتبره “مسيئاً”، لحظة مكاشفة عميقة لحالة الالتباس والفوضى التي زلزلت الأرض تحت أقدام الشيخ. 

رغم أنّ سيرة “الكلباني” تحفل بالطرائف ويرافقها الجدل على خلفية انتقالاته الفكرية المثيرة، إلا أنّ انفعاله الأخير الذي بلغ حد التهديد باللجوء للقضاء، كشف عن ارتباكه اللافت أمام تعميم المرح خارج إرادة الرقابة وتوجيه السلطة. إذ فقدت النكتة “وظيفتها الإيجابية” في تثبيت الوضع القائم ونزعت عنه الشرعية، بتعبير الفيلسوف السلوفيني سلافوي جيجك، فيما تحولت قوتها التوليدية إلى فعل منفلت وغير منضبط ، يستفز اليقينيات ويخدش أجهزة التحكم والقمع وصناعة المفاهيم. 

على كل حال، لم يكن حماس الكلباني تجاه محاولة تقليده في برنامج ساخر بنفس درجة قبوله المشاركة في فعاليات وعروض مختلفة برعاية رئيس هيئة الترفيه تركي آل الشيخ، وقد كشف أنّ الأخير قام بتدبير تصويره في إعلان موسم الرياض، والظهور فيه من دون علمه في المرة الأولى (!). 

ومن بين تلك المشاركات التي ألحقت بإمام الحرم المكي السابق انتقادات لاذعة، وقد طالبه كثيرون بـ”التوبة”، مسابقة البلوت (إحدى ألعاب الورق) الأكثر شعبية في السعودية، وكذا الإعلان الترويجي لموسم الرياض الترفيهي، مطلع العام، والأخير يعد ضمن خطط التنويع الاقتصادي والثقافي للأمير الشاب محمد بن سلمان في إطار سعيه للسلطة، وبناء سردية سياسية مغايرة عبر إلغاء بعض جوانب نظام الولاية، لجهة تعزيز فرصه السياسية في الحكم لدى حلفائه في الغرب والولايات المتحدة. 

الكلباني الذي ردّ، في كل مرة، على الانتقادات والسخرية منه بـ”أدلة شرعية”، وترسانة من المخارج الفقهية، أعاد فور إذاعة البرنامج الذي سخر منه تغريدة قديمة للنيابة العامة مفادها أنّ “التشهير بالآخرين وإلحاق الضرر بهم” يمثل “جريمة معلوماتية”. 

وواصل الكلباني تهديداته قائلاً: “بحمد الله نحن في عصر الحزم والعزم. واللي ما أدبوه أهله تأدبه المحاكم”. وتابع: “هناك فرق كبير بين السخرية والكوميديا اللطيفة. أظن أنّ المسألة ستصل للقضاء”.

ظاهرياً، يبدو رهان بن سلمان على إسلام تعددي، ونسخة غير قلقة من المستقبل في التعاطي مع المكونات التي كانت في الخطاب الرسمي السعودي تتعرض للنبذ والنقد المتواصلين، وتخضع لتعبئة وكراهية مؤدلجة، منهم الشيعة. إذ يرفض بن سلمان مواجهتهم أو تصنيفهم إلا على أساس المواطنية والحقوق المدنية، بحسب مقابلة صحافية معه في مجلة “ذي أتلانتيك” الأميركية. 

وعليه، لم يجد الكلباني حيلة سوى التراجع عن “تكفير” علماء المذهب الشيعي، وتحديداً بعد حملة اعتقالات طاولت رجال دين ممانعين للتحولات الجديدة، مثل سلمان العودة وآخرين. وثمّة مواقف أخرى عدلها الكلباني لتتطابق ورؤية ولي العهد السعودي، مثل اعتبار “خروج المرأة دون محرم لا حرج فيه”.

وقال إمام الحرم المكي السابق على فضائية “إم بي سي” المملوكة للسعودية: “الحق إنّني كنت (أكفّر علماء الشيعة) إلى فترة قريبة، ثم قرأت كتاباً، الشريف حاتم العوني حفظه الله وتكفير أهل الشهادتين. وحقيقة نقل نقولات ورجعت للنقولات التي نقلها عند أهل العلم ومنهم شيخ الإسلام المعتمد الأصلي عندنا، وحتى إنّني ناقشت أحداً عندي وكنت أريد أن أكتب مقالاً فتراجعت عن كتابة المقال”.

وأردف: “نعم، لم أعد أكفّر من قال لا إله إلا الله، فكل من قال لا إله إلا الله ومن أكل ذبيحتنا واستقبل قبلتنا فهو مسلم”.

ثمّة رغبة محمومة لدى الأمير الشاب في القطيعة مع الأساطير المؤسسة للحكم، وإنهاء أو حلحلة التحالفات القديمة التي انبثق عنها العقد الاجتماعي والسياسي للمملكة، بين الجد المؤسس لآل سعود محمد بن سعود ورجل الدين السعودي الشيخ محمد بن عبد الوهاب. 

لكن هذه الرغبة لا تقترن أبداً بانفتاح وتعدد سياسي، فمع كل خطوة انفتاح ديني واجتماعي هناك تقويض لأي معارضة سياسية.

والانفصال عن السردية السياسية الوهابية والبحث عن بدائل أخرى ممكنة، ومن ثم، تشكيل بيئة جديدة تتعين داخلها، يتزامن وعوامل اقتصادية تفرض نفسها بقوة وإلحاح شديدين، خاصة مع تراجع عوائد النفط، والبحث عن موارد أخرى، مثل مشروع مدينة نيوم، وتطوير المواقع السياحية والأثرية على امتداد الساحل الغربي للبحر الأحمر ضمن رؤية بن سلمان الاقتصادية 2030. 

وقد تضاعفت ميزانية هيئة تطوير بوابة الدرعية، المسؤولة عن تطوير المنطقة التراثية، الواقعة شمال الرياض، من 20 مليار دولار إلى 40 مليار دولار، العام الماضي، وفق جيري إنزيريلو، الرئيس التنفيذي للهيئة.

إقرأوا أيضاً:

يضاف إلى ذلك، محاولة تغيير سمعة المملكة في الخارج في ما يتصل بنشر التطرف والإرهاب. فما يزال قانون “تطبيق العدالة على رعاة الإرهاب” بالولايات المتحدة والمعروف اختصاراً بـ”جاستا”، يؤثر على العلاقات السعودية الأميركية. وهو القانون الذي وافق عليه الكونغرس، نهاية عام 2016، بينما تمت بواسطته مقاضاة السعودية والنخبة الحاكمة باعتبارها مسؤولة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، عن هجمات الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001. 

واللافت أنّه مع تدشين الهوية البصرية التي تزامنت والاحتفال بـ”يوم التأسيس”، شباط/ فبراير العام الحالي، تم اختيار عام 1727 (وليس عام 1747) لتأسيس الدولة السعودية الأولى، بما يعكس تغييباً قسرياً، مقصوداً ومتعمداً، للطرف الآخر في معادلة التأسيس (محمد بن عبد الوهاب). 

والعام الأخير، 1747، وفق السردية السياسية المؤسسة للحكم في المملكة، هو التاريخ الذي قرر فيه محمد بن عبد الوهاب الانتقال للدرعية التي كان يحكمها، وقتذاك، الجد المؤسس محمد بن سعود. وهنا، انعقد التحالف المتين بينهما والذي ظل بمثابة تفويض إلهي يماثل الإسلام في صورته الدعوية الأولى، لتتجدد الصيغة المعاصرة بين النبي والسلطان، الدين والسياسة، السيف والقرآن. 

وبالتبعية، غابت عن الهوية البصرية ليوم التأسيس السعودي أي إشارات دينية، رغم أنّ الشهادتين ما تزالان تتوسطان العلم السعودي. واقتصرت الرموز الأربعة على “التمر” و”المجلس” و”الخيل” و”السوق”، بينما منتصف الدائرة الرمزية فارغ.

إذاً، لا يعد الكلباني حالة استثنائية أو عرضية، إنّما يخضع لسياق عام مشدود تجاه تحولات عصبية ومتشنجة، بعضها سياسي اقتصادي، وبعضها الآخر إقليمي وخارجي، وبخاصة في ظل الاستقطاب الدولي ونتائجه على العالم، ودول الإقليم. وبغض النظر عن الخفة والمرح المرتبطين بأدوار الكلباني الفكاهية، هناك آخرون التحقوا بأفكار الأمير الشاب ومقترحاته، منهم عائض القرني، الذي قدم اعترافاً سياسياً في ركن السلطة الجديدة بتخليه ومراجعته عن أفكار الصحوة المتشددة وتأييده لـ”السياسات الخارجية المعتدلة” لبن سلمان.

وفي المحصلة، لا تعدو التحولات الجارية والتجاذبات المحتدمة بين التيارات الدينية والسلطة، كونها أمراً جديداً أو مباغتاً، بل إنّ تاريخ المملكة السياسي يعكس مثل هذه التباينات، خلال عقود سابقة. وتحدد درجة ومستوى نفوذ أو انحسار هذه التيارات بمدى ارتهانها لصراع الأجنحة داخل النخبة الحاكمة في الرياض. 

ومثلما دعم الملك فهد بن عبد العزيز تيار الصحوة، والذي صعد إلى الحكم في ظروف مماثلة لظروف ولي العهد، قبل أن يصطدم بهم بعد رفض رموزهم شرعنة قراره بخصوص نشر القوات الأميركية على الأراضي السعودية على خلفية تخوفاته من التهديدات العراقية، خلال حرب الخليج، فإنّ الأمير محمد بن سلمان لا بدّ أن تكون في باله حوادث تلك الفترة الصعبة والمتخمة بتغييرات، محلية وإقليمية ودولية، هائلة، بداية من الثورة الإيرانية عام 1979، ثم واقعة اقتحام الحرم المكي في العام ذاته، والحرب السوفيتية على أفغانستان.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
ميزر كمال- صحافي عراقي
بمعدل 22 حادثاً مرورياً في اليوم الواحد، و6 قتلى، تتفوق حوادث السير على معدلات العنف الناتجة من العمليات الإرهابية في العراق.
Play Video
باستخدام أدوات تكنولوجية مختلفة، كالقصص التفاعلية وتقارير 360 درجة ومقاطع فيديو ورسوم متحركة، استطاعت منصة Tiny Hand تغطية المعاناة والأثر الذي تتركه الحرب على الأطفال وايصالهما الى العالم.

4:41

Play Video
الكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية والناشطة اللبنانية غوى أبي حيدر والناشط السياسي الكويري ضومط قزي الدريبي ضيفا هذه الحلقة من بودكاست “نون” للحديث عن المثلية الجنسية وتصاعد الحملات المعادية لها في الآونة الاخيرة. المحزن ان ملاحقة العلم او الراية بات يشبه حملات مطاردة الساحرات في منطقتنا. تكثر الاخبار من حولنا عن سحب رواية، منع فيلم، مطاردة شعار، ومصادرة ألعاب أطفال لأنها تحمل ألوان قوس قزح، فضلا عن خطابات التحريض والكراهية والملاحقات القانونية والوصم الاجتماعي، وهو ما تكرر في أكثر من دولة بذرائع أخلاقية ودينية. غوى أبي حيدر وهي ناشطة وكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية. كتبت سلسلة مقالات عن انتحار الناشطة المصرية سارة حجازي قبل عامين بعد ان سجنت بسبب رفعها علم قوس قزح/ شعار مجتمع الميم وتم اضطهادها ونفيها بسببه الى ان انتحرت. اما الناشط السياسي ضومط قزي الدريبي، فقد شارك في كثير من نشاطات الحراك الاعتراضي السياسي في لبنان في السنوات الاخيرة، لكنه واجه حملات ضده مستغلين هويته الجنسية.

51:48

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني