المسلسلات السورية الرمضانية: سمّ في دسم الدراما

تعيد الدراما السوريا بكل "براءة" إنتاج أفكار داعشية - أو لا تعرف كيف تتناولها- وتبثّها ضمن مشاهد متتالية من العنف والقتل والعلاقات الأسرية المريضة وإذلال أصحاب الفكر النظيف وتسلّط الشخصيات الفاحشة الثراء.

“ريم: أنا آسفة.

الضابط: آسفة؟ المهم تفهمي غلطك.

شمس: لا تآخذها سيدي هدول بيشوفوا الأوروبيين شو بيلبسوا وبيقلدوهن وبيفكروا هي هية الحضارة. 

الضابط: البنات المحترمات بيلبسوا شي محتشم وحتى بأوروبا ماحدا بيلبس هيك غير بنات الشوارع”. 

وهكذا انتهى مشهد التحرّش في مخفر الشرطة. البنت التي تلبس ينطلوناً جلدياً أسود وكنزة من الصوف، وهو زي طبيعي جداً حتى في شوارع دمشق، تبكي وتبدي الندم وأختها التي نصحتها قبل الخروج من المنزل تبكي من التـأثّر والضابط الذي يمثّل الشخصية الإيجابية البسيطة في المسلسل يحاضر في طريقة اللباس التي تجنّب التحرّش. 

حوار في واحدة من حلقات أحد المسلسلات التي يتحلّق حولها السوريون في ليالي رمضان للترفيه عن أيامهم البائسة. ولا يخفى على “ذكاء” المخرجة وهي امرأة للأسف أنها أعطت الانطباع المقيت بأن المتحرّش ضحية لباس الفتاة. ولا يغفر لها أنها اعتذرت اليوم على صفحات التواصل الاجتماعي عن المشهد وبرّرته بأنه “تشريح للواقع الذي يعيشه مجتمعنا الذكوري”. فهي تستوعب أن التشريح يجب أن يُغطّى ضمن إطار نقدي يتعاطف مع الفتاة وكرامتها وحقها في حريتها. وهو ما لم يحصل.

هكذا تعيد الدراما السوريا بكل “براءة” إنتاج أفكار داعشية – أو لا تعرف كيف تتناولها-  وتبثّها ضمن مشاهد متتالية من العنف والقتل والعلاقات الأسرية المريضة وإذلال أصحاب الفكر النظيف وتسلّط الشخصيات الفاحشة الثراء. 

يخرج المشاهد وقد نال نصيبه من اليأس وتعلّم درسه الأزلي بأن لا يتدخّل في الشأن العام ويتحاشى أصحاب السلطة وأن المال لا يأتي سوى من طرق غير مشروعة وأن مقارعة النظام الاجتماعي والاقتصادي السائد تنتهي بالفقر أو السجن أو القتل .

مهمة الترفيه والتثقيف صارت من ماضي الدراما التلفزيونية السورية. وتقديم شخصيات إيجابية يمكنها المضي قدماً في مجتمع ولو كان فاسداً صار ضرباً من المستحيل ضمن حوارات المسلسلات. هل فقد الكتّاب والمخرجون القدرة على التدخّل الإيجابي في مجريات هذا الزمان السيء؟ أبطال الدراما إمّا شخصيّات محطّمة تسعى إلى الانتقام أو شخصيات فاسدة تشقّ طريقها للوصول إلى السلطة أو الإثراء بطرق غير مشروعة.

مازلنا نتمتّع بأداء الممثلين الطبيعي ونعترف بصدق الكاميرا وإبداع المخرجين ولكننا بحاجة ماسة للخروج من مأساة جلد الذات المستمّرة. أين مساحة الخيال التي تتيحها الدراما عادة لإعادة التفكير بالحياة؟ أين بذور الحلول التي كانت تزرعها فينا المشاهد الدرامية فنجد داخلنا بعض الأمل للاستمرار؟ 

بقدر فرحنا بعودة الإنتاج الفني الدرامي المحلّي، والذي جمعنا من جديد بحماسة الغريق المتعلّق بقشّة، لا نستطيع أن نمنع أنفسنا من التساؤل: هل فقدنا القدرة على التجديد؟ هل اختفى الجمال تماماً بيننا؟ هل اختفت القيم حقّاً وتبخّرت الأحلام؟ 

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
يوسف الأمين
قبل أسابيع قليلة، تجنّدت السلطة الدينيّة والرسمية في لبنان وأجرت “اتّصالاتها الشرعيّة” لمحاربة تجمّعات المثليّين، على أساس أنهم خطر داهم، فيما يصار بكل وقاحة إلى لفلفة قضية اغتصاب أكثر من 20 طفلاً!
Play Video
باستخدام أدوات تكنولوجية مختلفة، كالقصص التفاعلية وتقارير 360 درجة ومقاطع فيديو ورسوم متحركة، استطاعت منصة Tiny Hand تغطية المعاناة والأثر الذي تتركه الحرب على الأطفال وايصالهما الى العالم.

4:41

Play Video
الكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية والناشطة اللبنانية غوى أبي حيدر والناشط السياسي الكويري ضومط قزي الدريبي ضيفا هذه الحلقة من بودكاست “نون” للحديث عن المثلية الجنسية وتصاعد الحملات المعادية لها في الآونة الاخيرة. المحزن ان ملاحقة العلم او الراية بات يشبه حملات مطاردة الساحرات في منطقتنا. تكثر الاخبار من حولنا عن سحب رواية، منع فيلم، مطاردة شعار، ومصادرة ألعاب أطفال لأنها تحمل ألوان قوس قزح، فضلا عن خطابات التحريض والكراهية والملاحقات القانونية والوصم الاجتماعي، وهو ما تكرر في أكثر من دولة بذرائع أخلاقية ودينية. غوى أبي حيدر وهي ناشطة وكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية. كتبت سلسلة مقالات عن انتحار الناشطة المصرية سارة حجازي قبل عامين بعد ان سجنت بسبب رفعها علم قوس قزح/ شعار مجتمع الميم وتم اضطهادها ونفيها بسببه الى ان انتحرت. اما الناشط السياسي ضومط قزي الدريبي، فقد شارك في كثير من نشاطات الحراك الاعتراضي السياسي في لبنان في السنوات الاخيرة، لكنه واجه حملات ضده مستغلين هويته الجنسية.

51:48

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني