“قوس النصر”: الفن الشمولي وفقاعة الحياة الوطنية المبتذلة

مثلما يعمل مشروع كنعان مكية النظري في مجال فضح لا مبالاة المثقف أمام العنف والقسوة، فهو لا يكف عن تأكيد أهمية (الذاكرة الجمعية) التي تحتاط للوقوع في الشَرَك نفسه.

“إن كل نصب شُيّد للحضارة، هو في نهاية الأمر، نصب للبربرية أيضاً”،  والتر بنيامين.

خلال حياتي في بغداد، لا أتذكر أنني ذهبت إلى ساحة الاحتفالات الكبرى أكثر من مرتين أو ثلاث، وأتذكر أنني رأيت “قوس النصر” عن قرب مرة واحدة، ولم يثر اهتمامي وقتها. بدا لي أنه مجرد علامة أخرى من علامات السلطة، يشبهها بدرجة كبيرة؛ سيف وقبضة يد قوية وخوذ عسكرية وعلم العراق. يتكرّر النصب بنسختين لتمرّ تحته استعراضات الجيش. وثمة منصة مرتفعة لصدام حسين، يجلس فيها ويحيي الحشود المستعرضة ملوّحاً بيده اليمنى، ويطلق النار أحياناً بيد واحدة من بندقية عتيقة الطراز، من الواضح أن رد فعلها قوية لدرجة تستحق المباهاة. الخلاصة هي أنني لم أتعامل مع هذا الشيء العملاق بوصفه مادة فنية، أو نصباً معمارياً يستحق التوقف عنده، ولا سيما في ظروف لا يملك فيها المرء ترف تأويل الأعمال الفنية الصادرة عن حكومة يدرك طريقة تفكيرها.

لم يمض على خروجي من العراق عام 1997 أكثر من سنة واحدة، حين أعطاني الصديق الشاعر اللبناني يوسف بزي كتاباً بعنوان “النصب التذكارية: الفن، الابتذال والمسؤولية في العراق” من تأليف سمير الخليل، الذي صرنا نعرف، في ما بعد، أنه كنعان مكية مؤلف “جمهورية الخوف”؛ ذلك الكتاب الغامض الذي تسرّب إلى العراق سراً ودار بشأنه همس كثير. 

تصفحت كتاب “النصب التذكارية”، وأدهشني للوهلة الأولى، حين حمل ذلك الشاخص الحديدي المقوّس على محمل الجد، بوصفه عملاً فنياً يستحق نصاً رصيناً يقوم على تأملات عميقة تنهل من ثقافة فنية رفيعة. ينتقل مكية في كتابه من بيان المستقبليين الإيطاليين، إلى طروحات “البوب آرت” ممثلاً بآندي وارهول، الذي عدّه ميشيل فوكو واحداً من أعظم مبدعي القرن العشرين في “التفكير اللاتصنيفي”. ثم يذهب إلى عمارة روبرت فينتوري في (التعقيد والتناقض والتعلّم من لاس فيغاس) مروراً بانطباعات جمالية ملهمة لنقاد وفلاسفة جمال، ورواد العمارة الحداثية وما بعد الحداثية، مستشهداً ومضمّناً ومتفقاً ومختلفاً في بناء نظري حاذق ورصين. 

قلت في نفسي: هل يستحق ذلك الشيء الحديدي الذي تركته ورائي في بغداد، من دون أن أعيره أي اهتمام، كل هذا البحث والتأمل؟ هل كان صدام عبقرياً إلى هذا الحد، كي يتسبب بكل هذا الجهد في قراءة تجربته كفنان هذه المرة؟!

لفترة طويلة من الزمن، شكل هذا الكتاب واحداً من أهم مرجعياتي في تقصّي معنى الأثر الفني، وكذلك في تذوّق فن العمارة، حتى إنني أشرت إليه في أكثر من مناسبة، من مثل مقالي: “عن النصب القديمة، عن النصب الجديدة” في صحيفة “العالم” العراقية، ومقالي “عبقرية البداهة” في صحيفة “المستقبل” اللبنانية عن نصب الشهيد لإسماعيل فتاح الترك، وكذلك أوردت فقرات منه في كتابي الأخير “تصدّع الجمال الأنثوي”، ونصحت بقراءته أصدقاء كثيرين يشاطرونني اهتماماتي الجمالية.

وفي أول لقاء جمعني بالمؤلف عام 2007، ما زلت أتذكر أنني قلت له: إن “النصب التذكارية” هو أهم كتبك من وجهة نظري، وكنت عندها قد قرأت له كتابَي “جمهورية الخوف” و”القسوة والصمت”. كنت محقاً في ذلك إلى حد كبير، لا سيما أن كتاب “في القسوة”، الذي ينطلق من قراءة عمل فني آخر هو جدارية الأسد الأشوري الجريج، لم يكن قد صدر بعد.

الخروج على مبادئ فترفيوس

ما يهمني في هذا الكتاب الفريد، بشكل أساس، ليس النقد الذي وجهه المؤلف لـ”قوس النصر”، بل الطريقة العميقة التي تأمّله بها، وهو يتفحّص رمزياته وموقعه المنظوري والأخطاء البنيوية في هيكله، من حيث عدم توافقه مع طبيعة الواقع. هذه الطريقة تمثّل بحق درساً جمالياً في رؤية نصب فني شاخص ذي ثلاثة أبعاد. فبعدما هيّأ له مكاناً مقبولاً في عالم الفن، قدّم قراءة جمالية منصفة منذ بدايتها، تنطلق من ذلك الإحساس الفطري بعلاقتنا بنسب الجسد الإنساني التي وضعها فترفيوس، بوصفها أساساً رياضياً في تقويم الآثار المعمارية والفنية، ليأخذ على منفّذ العمل تلاعبه الفجّ بتلك النسب. فيد منبثقة عن تفجر الأرض، ليست هي ذاتها اليد التي تمثّل امتداداً لجسد الكائن الإنساني برشاقته وقيمتها المتأصّلة في إدراكنا. فهذه اليد العملاقة، لا تستقيم مع الخيال السليم لافتراض أنها يد بشرية، كما حرص صدام على استعمالها بشكل مباشر والاستغناء عن غيرها من الحلول الجمالية، مثل: استخدام يد مثالية كما في النحت الإغريقي، أو في أعمال أنجلو على سبيل المثال، الأمر الذي جعل هذا الشاخص بعيداً من ذلك التلاعب الفني القصدي، الذي يمارسه الفنانون في طريقة مراوغتهم النسب المعروفة للجسد الإنساني، كما هي الحال في أعمال بيكاسو مثلاً. وبعيداً عن الممارسات السريالية التي تفكّك أعضاء جسد الإنسان، كما نفعل مع مكوّنات دراجة هوائية على سبيل التشبيه، لأن غاية (الفنان ـ الرئيس) ليست جمالية بحد ذاتها، ولا تهدف إلى ذلك النوع من الفن الذي يعمل ضد الفن من داخله. 

إن الإصرار على استخدام يد الرئيس كما هي، من خلال صبّها في قالب جبسي، ومن ثم مضاعفة حجمها، شكّل من وجهة نظر مكية البصرية الخالصة، تفاهة فاقعة وغباء أعمى. والمفارقة أن هذه التفاهة هي نفسها التي وجدها المؤلف سبباً في رفع مكانة النصب إلى مستوى مقارنته بأعمال عالمية معروفة بواقعيتها المفرطة، من دون أن يقع في التناقض، لأنه سيُعلِمنا بعد حين، كيف نفرّق بين المبتذل والرديء في الفن.

في هذا المنحنى التأملي، كشف كنعان مكية عن البصيرة الجمالية المُدرّبة تدريباً مميزاً على إبقاء المسافة المناسبة بإزاء أي عمل فني. لقد استطاع بلغة مرنة وحاذقة أن يدفع بـ “قوس النصر” إلى مقارنة مع نصب “قارصة الغسيل” لكلايس أولدنبرغ، ويمنحه عضوية نادي عائلة (البوب آرت) ويعزل قيمته الابتذالية عن قيمته الجمالية، ثم ومن خلال ذلك، يتأوّل ما يصفه بالفن الشمولي (التوتاليتاري). ومن خلال محاججة مبتكرة تتمتّع بتماسك نظري، يخترق مكية عالم صدام حسين بوصفه عالم الفن، بنسخته السياسية التي تصنع من خميرة الشعب نصبه الإيديولوجي المثالي، وهو يطبع حياة جمهوريته وناسها المشدوهين بفعل الخوف الذي ينتج الرياء العام. فالرئيس، الفنان، الذي خطّ بيده التصميم الأولي للنصب، ومن ثم اقترح، أو وافق على اقتراح تجسيد يده في المجسّم، هو صانع كل شيء يدور حوله؛ البشر وفضاء حياتهم، لتصدق مقولته الشهيرة: الفنان كالسياسي كلاهما يصنع الحياة بطرائق متقدّمة (ولكم كان عمله الفني يشبه طريقته في السياسة)!

لم يسخر مكية من قوس النصر ولم يهزأ من الفنان صدام حسين؛ لقد وضعه في المكان الذي يستحق فيه أن يؤخذ بجدية، لكي تكون قراءته قاسية بالقدر الذي يليق بـ “الواقعية الشمولية” بحسب غولومستوك، ولكيلا ينطبق عليه قول رسام الكاريكاتور الأميركي روي لجنتشتاين: “إن الأشياء التي يبدو أنني سخرت منها في الظاهر، تعجبني في الحقيقة”. فمكية لم يعجب بالنصب، وإنما أخذته الدهشة والذهول عندما استطلع رسوم الفنان المشرف على المشروع حتى قبل تنفيذه، وباشر تأليف كتابه هذا الذي اتخذه منطلقاً لتصفية حساباته مع نظام سلب فكرة مدينته التي وُلد فيها.

مواجهة لا إزالة

في مفارقة ثانية، وعلى رغم تقبيحه النصب، لا يدعو كنعان مكية إلى إزالته من الوجود بل مواجهته، لكن السؤال هو: ما الذي نواجهه في هذا الشاخص المُملّ بصرياً؟ هل ننتظر أن يحوّله الزمن إلى وجود ملقى في حياتنا كشيء طبيعي، أو ربما جمالي كما حصل مع برج إيفل؟ هل نواجه فيه النظام الشمولي، أم الفن الذي أخفق في أداء مهمته الجمالية؟ هل نواجه أنفسنا إذ ينسب تاريخ وجوده إلى جيلنا؟ 

في حقيقة الأمر، وبعد حين من الزمن، سينفصل النصب عن لحظة ولادته؛ سيتخلّى عن صانعه، وتعتريه عشرات القطائع التأويلية. سيأخذ مكانه في التاريخ، لا بوصفه ذكرى عن عهد ديكتاتوري، فالنُصب في نهاية الأمر، هي من ممتلكات المدينة وذاكرتها المتحولة. فإن كان قد وجِدَ أساساً من أجل تخليد نصر صانعه وقبضة يده العنيفة، فإنه سيتحوّل إلى نوع من القوطية المحلية، والتداولية المكانية للعلامات الدالة، لأن الشعوب لا تتعلم الدروس من تماثيلها، بل تستخدمها لغايات متعددة تستجيب لمزاجها الثقافي، كما يعلمنا تاريخ التصوّر الذي هو تاريخ المفاهيم المجتمعية الشاملة أو تاريخ الإيديولوجيات، وتاريخ البنى الذهنية المشتركة لمجموعة بشرية في فترة ما، بحسب جاك لوغوف. 

ربما، في يوم ما، سيقف الأطفال والسواح بمواجهته كطيف فولاذي جميل تنعكس عليه أشعة الشمس بمرح ما، فالقبح قيمة ثقافية قابلة للتبدّل، كما إن منطقها التأويلي لا يستقر عند مقترحها الأول. ولئن اقترن تأويل مكية للنصب، وحوله يطوف شبح صدام حسين، فإن الأجيال القادمة ستنظر إلى ذلك القوس بنوع من الأريحية والاسترخاء، تماماً مثلما يحدث لنا حين نفتتح جولتنا في متحف أوفتزي بلوحة أوتشللو، التي تصوّر مشاهد معركة سان رومانو الدموية بسيوفها ورماحها وضحاياها. اللوحة هنا تبتعد عن فكرة وجودها الذي يخلّد انتصار أهل فلورنسا على أهالي سيينا وتتجرّد من ذكرى الانتصار الحربي، لتستحيل إلى عمل فني (ربما هو قبيح أيضاً) من يدري؟! إن مسألة الجميل والقبيح مسألة ثقافية ومتبدّلة؛ ما الجميل في “قوس النصر” الذي يتصدّر واجهة شارع الشانزليزيه في باريس؟

في فصول كتاب “قوس النصر”، تتجلّى لنا بوضوح بعض أهداف مكية التي تقع خارج “قوس النصر”. النصب هنا مجرد مناسبة لمواجهة أسئلة كثيرة، يبدو أنها شغلت باله طويلاً. إنها أسئلة تتعلّق بموقف الفنان والمثقف من زمنه (خالد الرحال ومحمد غني حكمت نموذجاً) وتتعلّق كذلك بآلية إنتاج الخطاب الشمولي بما في ذلك في الفن والعمارة، ورومانسية استلهام التراث، واختلاق الذاكرة، وكذلك بموقف مكية الجمالي من فنون “البوب آرت” وعمارة ما بعد الحداثة بنسختها الفنتورية. وقبل ذلك كله، فإن المؤلف الذي دأب في حياته الكتابية على مراقبة حساسيتنا تجاه القسوة والعنف وعلاقات القوة القاهرة في الأنظمة الشمولية، لا يترك منطقة غامضة من هذه العلاقة دون أن يتوقف عندها مُسلّحاً بعُدّة فلسفية ناضجة ومستفزّة. 

الحس العام المتبلّد تجاه القسوة

ولئن كان هذا الكتاب يتميّز عن بقية مؤلفات كنعان مكية، من حيث انطلاقه من منطقة مختلفة تتخذ من الفن معبراً لها، فتصعب علينا قراءة هذا النص الجمالي بعيداً من سياق طروحاته الأخرى التي دأب من خلالها على تعقب مصير الإنسان في حطام العالم. فكثيراً ما تضلّلنا مفردات مثل الشمولية والدكتاتورية والقيادة والحرب والنصر والسيادة بضباب غاياتها المفهومية وتمويهاتها، وتنسى ذلك الفرد المقهور وحيداً ينوء بحمله الثقيل تحت وزر سلاسة وليونة تداولها. لطالما أخذ مكية بحسّنا السياسي بعيداً من السطح النظري للأحداث ليفتّش عن الألم الإنساني، الذي هو ضحية اللغة أو الشواخص الفنية على السواء. فهو، على سبيل المثال، لا يرى في شبكة الخوذ المهدورة تحت قبضة حامل السيف الأسطوري مجرد إضافة فنية لاستكمال مشهدية النصب، وإنما يتذكّر الرؤوس البشرية التي كانت تحمل هذه الخوذ قبل أن يخترقها الرصاص ويحيلها إلى جماجم بشرية مهشمة. وإذا كنا نرى في سيفَي “قوس النصر” مادة فولاذية غير قابلة للصدأ، جُمعت من بقايا أسلحة “الشهداء” لتجسّد رمزيتها الباسلة، فإنه يأخذنا إلى القتلى أنفسهم، وقد جرّدهم النصب من أي إمكانية لقول كلمتهم الأخيرة بحقّ ما حصل لهم، بعد تم تجريدهم من الحديد الذي كان بمثابة سلاحهم في أرض المعركة، لينسرح خيالنا نحو الأرض الجرداء التي تتمدّد جثامينهم فوق عريها المشبوه.

الذاكرة الجمعية… الاستذكار والتاريخ

مثلما يعمل مشروع كنعان مكية النظري في مجال فضح لا مبالاة المثقف أمام العنف والقسوة، فهو لا يكف عن تأكيد أهمية (الذاكرة الجمعية) التي تحتاط للوقوع في الشَرَك نفسه. ومن أجل ذلك، عمل على إطلاق أول فكرة محلية لمتحف ذاكرة، يتعلّق بفترة النظام السابق من خلال إتاحة أرشيفه للناس. ولكن هل يمكن أن تكتب الحياة لمثل هذا المشروع لو تحقّق بالفعل؟ من ناحيتي، لدي شكوك بخصوص ما نطلق عليه “الذاكرة الجمعية أو الذاكرة الإثنية”، ولقد عبّرت عن ذلك في أكثر من مناسبة، منها مقالي “الخوف من الفيديرالية”، وبالطبع لا أتبنّى في هذه الحال الإنكار التام الذي يتخذه ليفي شتراوس بشأنها، إنما أميل إلى الرأي الذي يقول بنسبيتها، ذلك أن أي مجموعة بشرية بحسب باستيد، لا تحافظ سوى على بنية جملة من الترابطات بين مختلف الذاكرات الفردية. ولأن الذاكرة لا تتمظهر بطريقة مباشرة، فهي بحاجة إلى أطر ثقافية وتاريخية ونفسية تحافظ عليها، وتكون في الغالب محفوفة بنوع من التوتّر والنسيان وإعادة الاكتشاف، لأنها ليست عملية اقتسام للماضي قارة ومستقرة في الضمير الشعبي العام، إنما هي استراتيجية تعمل في خضم ذاكرات مختلفة ومتبدّلة، متنازع على ملكيتها بطرائق انتفاعية في معارك المصالح والهويات والمكانة، أي في صراع القوى من أجل السلطة. 

السيطرة على الذاكرة والنسيان وفقاً لجاك لوغوف، هي من أكبر اهتمامات الطبقات والمجموعات والأفراد الذين هيمنوا ويهيمنون على المجتمعات التاريخية. فعلميات نسيان التاريخ أو إغفاله، مؤشران على عناصر التلاعب بالذاكرة الجمعية هذه.

ولعل الحال في عراق ما بعد صدام يوضح جانباً مهماً من هذه التوتّرات. فحتى قوس النصر، بكل ما ينطوي عليه من قبح معنوي وتصميمي، يمنح في إطار الصراع مع القوى المرتبطة بإيران، منزلة تعبير عن وطنية غائبة أو يتم محوها. وأي مراقب لطبيعة التجاذبات التي تحدث على الساحة العراقية، لن يتوه في التعرف إلى حركة الذاكرة المرنة. لم يختلف عراقيان اثنان في عبثية الحرب العراقية الإيرانية، حتى في زمن صدام نفسه، لكن ذكرى هذه الحرب تحوّلت إلى نوع من الصدام المعنوي بين من يعدها حرباً ضرورية ضد إيران، التي أثبتت نياتها المتأخّرة وتدميرها فرصة العراق التاريخية، أنها بلد العدوان الأول من وجهة نظر شريحة كبيرة، بينما يتمسك ما يطلق عليهم بالولائيين (الموالين لإيران) بسردية الجانب الإيراني عن هذه الحرب المجنونة. هكذا تمارس الذاكرة عملها انطلاقاً من موقع الفرد في الخرائط الإيديولوجية المتبدّلة. إنها تمارس انتقائيتها بنوع من مناوبة التذكر والنسيان، بحسب القيمة الانتفاعية والحجاجية التي تخدم أغراضها.

الطبعة الجديدة، والسؤال القديم

بعد صدور الطبعة الجديدة من كتاب كنعان مكية، بعنوان آخر هو “قوس النصر: الفن الشمولي في زمن صدام ـ منشورات الجمل” وهو نص يكاد يكون جديداً في مادته، أعدت قراءته مرة بعد أخرى، وعندها، ومع افتراض أن وعيي الجمالي قد تطوّر كثيراً مقارنة بما كان عليه قبل ربع قرن من قراءة النص القديم، تخلّصت من بعض انبهاري بالطريقة النادرة، التي يقرأ فيها مثقف عملاً فنياً، فأنا نفسي أصبحت أمتلك عُدّة بصرية مناسبة لتقويم مثل تلك الأعمال، لكن الذي بقي يشغل بالي هو: لماذا وجد كنعان مكية هذا النصب ممثلاً لمعنى صدام حسين نفسه ونزعته الشمولية الفريدة من نوعها، ولم أعثر على ذلك أنا شخصياً وقتها؟ ولا سيما أنني كنت أعيش في المدينة نفسها التي يغيب عنها مكية لأسباب معروفة، ولم ير النصب بشكل مباشر حتى سقوط حكم صاحبه. 

في داخل هذا السؤال، عثرت على المعادل النفسي الذي يجمعنا. لقد رفع مكية من شأن القوس إلى مصاف الأعمال الفنية، وأضفى على صدام صفة الفنان الذي عاش لحظة إلهام فنية خالصة، مبرراً ذلك في سياق بالغ الذكاء والفطنة، ليمرر من تحت القوس استعراضه العميق لحشود أفكاره الخاصة، بشأن الفن والدكتاتورية والذوق العام ومعنى العمارة الحديثة وعلاقتها بالتراث ومسؤولية الفنان ومساهمته وكذلك صمته. ثم عمد إلى إجراء مراجعة شاملة لذاكرتنا القريبة وإبقائها حية متيقظة وحساسة ضد الشمولية، حتى لو ظهرت أمامنا على هيئة آثار فنية. أما أنا، فكانت حالي حال الملايين ممن لم يجدوا في نصب صدام عملاً فنياً يستحق الاهتمام، ربما لأن هذا النصب لم يكن موجّهاً إلينا بالدرجة الأساس؛ إنه موجّه لفكرة الخلود التي تشغل بال صاحبه المهووس بموقعه التاريخي. ثم إننا في العراق، كنا نعيش فقاعتنا الوطنية؛ نحن والرئيس وخطبه وتصريحاته وحروبه وأغانيه وقصائده؛ كلنا داخل تلك الرغوة المنفلتة من فم التاريخ في الهواء وهي تنتظر انفجارها المرتقب. 

لم يكن “قوس النصر” غريباً عنا، ولم يستفزنا بصرياً؛ كان شيئا يشبه كل ما هو حولنا. فالمفردات التصميمية التي أدهشت مثقّفاً حساساً من مستوى مكية، كانت بالنسبة إلينا شعارات يومية سائدة: كلنا (سيوف بيمين القائد) كما تُردّد الأهازيج الشعبية، فهل نستغرب وجود ذينك السيفين العملاقين يتقاطعان في سماء مدينتنا؟ وهل نتعجب لوجود خوذ قتلى الحرب، وهي خوذ “العدو المجوسي” الذي كنا نغني عنه في التلفزيون: (وصّينا أمّ المعتدي تصبغ شعر رأسه)؟ ونعني أن على أم أي مقاتل إيراني أن تلوّن شعر ابنها بلون مميز، كي تتعرف عليه بعد أن يُعاد إليها ممزق الأوصال. نصب صدام من خارج الحالة الشمولية ليس هو نفسه من داخلها، إن لحظة الانتباه المثالية تحتاج إلى مسافة نفسية معقولة؛ إلى خروج الذات من شرنقة اليومي والمعتاد نحو دائرة الدهشة التي تنظر إلى الكارثة من بعيد.

الآن، وربما منذ قراءتي الأولى لكتاب “قوس النصر” (صدر أولاً مترجماً بعنوان “النصب التذكارية”)، أعيد رأسي للخلف وأغمض عيني، وأعيد ترديد تلك الأهازيج والأغاني والشعارات، وأتذكّر كيف كانت تمرّ سلسلة ومنسابة وربما عذبة على لساني؟ كيف يمكن أن تكون هذه “الأغاني” مستساغة وهي تتحدّث عن جثث قتلى في الخنادق والمزاغل والمفازات الحارقة؟ ما الذي تسمّم بداخلي كإنسان حتى فقدت حاسة التوقف بذهول أمام الموت؟ كيف كنت أتحدث عن “النصر”، وثمة مئات الآلاف من الموتى، رأيت بعيني مزق ملابسهم العسكرية معفرة بتراب الجبهات؟ كيف يمكن أن أقف أمام “قبضة الرئيس” ولا أرتعب من مشهد خمسة آلاف خوذة، كان يفترض أن تحمي جمجمة خمسة آلاف رأس بشري، يفكّر ويغنّي ويضحك؟ 

كيف قرأت مقولة صدام “لا نريد فناً يفسره لنا أحد” ولم أنتبه إلى علاقتها بنصبه الذي لا يحتاج إلى تفسير؟ 

يقول ميشيل فوكو في لحظة تأمّله لشخصية مفهومية وإشكالية: “لقد أدرك وارهول في ومضة ملهمة أن الشيء الوحيد الباقي؛ الشيء الوحيد المهم، هو التعدّدية لذاتها، بلا شيء في مركزها، وبلا نقطة تعلو على غيرها أو تأتي بعدها”. من جانبنا، كأفراد في مجتمع مغلق، فقد كنا نعيش لحظتنا الملهمة، حين أدركنا على حين غرة، أن تعدّد تمظهرات السلطة هي تعددية لذاتها ولا شي في مركزها. لقد كنا نعيش خواءنا الخاص، فكل شيء تبدّد في هواء حياتنا مثل أثير صلب. كنا فنّاني “بوب آرت” على طريقتنا، فكل شيء عادي ومقبول: قوس النصر؛ الجامع الكبير؛ الجداريات؛ التلفزيون؛ الحرب؛ الحصار؛ الموت. كنا كذلك وصرنا بالضبط مثل العائدين من مهاجري الثورة الفرنسية من آل بوربون، كما يصفهم تاليراند :”لم ننسَ شيئاً ولم نتعلّم شيئاً”.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
“درج”
بالمقارنة مع جرائم النظام الأخرى، قد يبدو تزوير شهادات جامعية مسألة بسيطة، لكنها ليست كذلك. لأنها تقتل مستقبل التعليم في سوريا، وتحيل أجيالاً إلى الاتكالية والفشل وتصنع نظاماً تعليمياً قائماً على التزوير والفساد.
Play Video
باستخدام أدوات تكنولوجية مختلفة، كالقصص التفاعلية وتقارير 360 درجة ومقاطع فيديو ورسوم متحركة، استطاعت منصة Tiny Hand تغطية المعاناة والأثر الذي تتركه الحرب على الأطفال وايصالهما الى العالم.

4:41

Play Video
الكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية والناشطة اللبنانية غوى أبي حيدر والناشط السياسي الكويري ضومط قزي الدريبي ضيفا هذه الحلقة من بودكاست “نون” للحديث عن المثلية الجنسية وتصاعد الحملات المعادية لها في الآونة الاخيرة. المحزن ان ملاحقة العلم او الراية بات يشبه حملات مطاردة الساحرات في منطقتنا. تكثر الاخبار من حولنا عن سحب رواية، منع فيلم، مطاردة شعار، ومصادرة ألعاب أطفال لأنها تحمل ألوان قوس قزح، فضلا عن خطابات التحريض والكراهية والملاحقات القانونية والوصم الاجتماعي، وهو ما تكرر في أكثر من دولة بذرائع أخلاقية ودينية. غوى أبي حيدر وهي ناشطة وكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية. كتبت سلسلة مقالات عن انتحار الناشطة المصرية سارة حجازي قبل عامين بعد ان سجنت بسبب رفعها علم قوس قزح/ شعار مجتمع الميم وتم اضطهادها ونفيها بسببه الى ان انتحرت. اما الناشط السياسي ضومط قزي الدريبي، فقد شارك في كثير من نشاطات الحراك الاعتراضي السياسي في لبنان في السنوات الاخيرة، لكنه واجه حملات ضده مستغلين هويته الجنسية.

51:48

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني