اغتيال الصحافة المستقلة: جبهة بوتين الثانية في حربه على أوكرانيا

لا يقتصر التضييق على الحريات في روسيا على الصحافة والمدونين، بل يستهدف أيضاً كل منتقدي السلطات أو المسؤولين في وسائل التواصل الاجتماعي. 

وجّه الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، رسالة “تهديد مبطنة” إلى الصحافي الروسي المعارض ديمتري موراتوف، الفائز بجائزة نوبل للسلام، قائلاً إنها “لن تحميه من تصنيفه عميلاً أجنبياً في حال مخالفته القانون”، وذلك طبقاً لما أوردته صحيفة “الإندبندنت”. 

بوتين لدى سؤاله عما إذا كان يتعهد بألا يُصنَّف موراتوف “عميلاً أجنبياً”، رد قائلاً: “إذا لم ينتهك القانون الروسي، ولم يُقدِم على شيء يدعو إلى تصنيفه عميلاً أجنبياً، فلن يحدث ذلك”. إلا أنه استدرك القول محذراً موراتوف مما وصفه بـ”محاولة الاختباء وراء جائزة نوبل، واستخدامها كدرع لانتهاك القانون الروسي، ولفت الانتباه إليه”، مضيفاً: “هذا يعني أنه يفعل ذلك عمداً لجذب الأنظار إليه أو لسببٍ آخر. في حين أن الجميع، مهما كانت إنجازاتهم، يجب أن يلتزموا بالقانون الروسي”. جاءت تحذيرات بوتين المبطنة، في مقابلته مع مذيعة الأخبار الأميركية هادلي غامبل على شبكة CNBC. كان هذا بمثابة الانذار الاول من حاكم روسيا إلى الصحافيين الروس المعارضين من عواقب التمرد على مصادرة حقهم في نقل المعلومات إلى الجمهور الروسي، وإبداء آرائهم ومواقفهم حيال السياسات التي ينتهجها في إدارة الدولة، أو استخدام تعابير يعدها النظام انتهاكاً للقوانين الروسية، التي أراد من خلالها خنق الحريات العامة وتحجيم دور الصحافة. 

نوبل ليست درعاً للاختباء

تهديد بوتين يعود إلى قيام الكرملين بتشريع قانون مثير للجدل عام 2012 لاستخدام بنوده كمبرر عند استهداف المنظمات غير الحكومية. فلقد صنف هذا القانون الكثير من الهيئات والأفراد على أنهم “عملاء أجانب”. وبالتالي فإنه بحكم هذا التصنيف يتحتم عليهم الكشف عن الجهات التي تمول مؤسساتهم. لم يكن مفاجئاً أن يشهد المجتمع الروسي والعالم استعراضات تم التخطيط لها خلال السنوات الاخيرة عند استخدام هذا القانون لقمع صحافيين ومنافذ إعلامية مستقلة. موراتوف المشهور بجرأته وصراحته وشجاعته لم يترك بالطبع تحذير بوتين يمر من دون رد فعل، إذ علق بشكل مباشر ومن دون مراوغة على بوتين قائلاً في تصريح لوكالة Interfax الروسية للأنباء إنه “لن يتراجع خوفاً من النظام الروسي” وأشار إلى أن “الدولة يمكنها أن تفعل ما تشاء، لكننا سنقبل الجائزة، ولن نتنازل عنها”. وأضاف موراتوف، الذي يرأس تحرير إحدى الصحف المستقلة بروسيا، صحيفة Novaya Gazeta، أنه لن يرفض الجائزة كما فعل الكاتب الروسي بوريس باسترناك، الذي أُجبر على رفض جائزة نوبل للآداب عام 1958 بضغط من النظام السوفياتي. 

تحتجّ روسيا على التعامل الغربي مع مؤسسات إعلامية يمولها ويحدد سياستها الكرملين مثل قناة “آر تي في” و”سبوتنيك”، اللتين تم حظرهما في أوروبا والولايات المتحدة، تبدو الشيزوفرينيا السياسية لموسكو فاقعة في ملاحقة الصحافة المستقلة والصحافيين المعارضين، التي تحولت إلى جبهة الحرب الثانية بعد اجتياح أوكرانيا، إذ أطلق بوتين حملة واسعة لقمع الاعلام المستقل أو المعارض داخل البلاد.

هذا الواقع دفع بالصحافة المستقلة الروسية إلى مغادرة البلاد بعد تداعيات غزو أوكرانيا، فمثلاً قال صحافيون روس من ، إنهم بصدد إطلاق منبر إعلامي جديد في أوروبا، بعدما علقت صحيفتهم أنشطتها بسبب تحذيرات تلقتها من السلطات. 

أُنشئت “نوفايا غازيتا” بعد تفكك الاتحاد السوفياتي، وتعرضت الصحيفة وصحافيوها للترهيب والاعتداء بسبب التحقيقات في انتهاكات الحقوق والفساد، وقُتل 6 من صحافييها بسبب عملهم. 

وأعلن رئيس تحرير المشروع الجديد كيريل مارتينوف، في بيان: “نحن، صحافيي (نوفايا غازيتا) الذين أُجبروا على مغادرة روسيا بسبب حظر افتراضي على مهنتنا، يسعدنا أن نعلن أننا نعمل على (نوفايا غازيتا أوروبا)، التي تشاركنا قيمنا ومعاييرنا”. 

في اليوم نفسه، قال الصحافي الروسي ديمتري موراتوف الذي كان يرأس تحرير “نوفايا غازيتا”، والفائز بجائزة نوبل للسلام العام الماضي، إنه تعرض لهجوم على قطار روسي من قبل مهاجم ألقى عليه طلاء أحمر، ما تسبب في إزعاج شديد لعينيه. وأضاف موراتوف، لـ”نوفايا غازيتا أوروبا”، أن الهجوم وقع على قطار متجه من موسكو إلى سامارا. 

بحيرة البجع- عنوان الوداع الأخير

كان آخر ما رآه المشاهدون في 3 آذار/ مارس هو تسجيل بالأبيض والأسود لرقصة باليه تشايكوفسكي في بحيرة البجع من الحقبة السوفياتية. بعد دقائق، اختفت قناة Dozhd TV، وهي القناة التلفزيونية المستقلة الوحيدة المتبقية في روسيا. وقف بث القناة كشف بشكل عميق إلى أين يقود بوتين روسيا، ولهذا لم تفاجئ المراقبين قرارات حظر مؤسسات الميديا المستقلة كلها . يتفق خبراء الميديا الروس على ان هذه الخطوة ستترك ارتدادات خطيرة ليس فقط على الإعلام المستقل في روسيا، بل على مستقبل الصحافة هناك، وستمس حقوق الإنسان في روسيا عموماً. ربما يكون بوتين اشبع بتصفيته الصحافة المعارضة، جبروت غروره ونزعاته النفسية المتفجرة تحت ضربات انهيار جيشه (الجبار) وأسلحته الفتاكة، التي ظل يفخر بإنجازاتها في غروزني وسوريا وليبيا وغيرها من بلداننا البائسة، إلا أن صدمته بعودة بث قناة “دوجد”، عبر تطبيق “تلغرام” أطلقت العنان لعدوانيته ضد المحتجين الرافضين لحربه على أوكرانيا. وكان رئيس تحرير القناة تيخون دزيادكو أعلن في وسائل التواصل الاجتماعي عن فراره مع عائلته من روسيا. 

قبل نحو 12 عاما شهدت روسا حدثا بارزا فاق التوقعات على خلفية توجه الكرملين المتنامي نحو خنق الحريات الصحافية،ففي العام 2010 وللمرة الأولى بثت هذه القناة التلفزيونية المستلقة برامجها ما أشاع في الدوائر السياسية والتجمعات الثقافية مناخاً من التفاؤل، بخاصة في أوساط الشباب من اللبيراليين المتطلعين إلى اندماج بلادهم في موجات الديموقراطية والانفتاح على الثقافة العالمية، ونبذ الانغلاق والتعصب الديني والثقافي والتطرف السياسي. ما حصل هو أن عدوان بوتين على أوكرانيا الذي سماه الكرملين عملية عسكرية رافقه عدوان ليس أقل قسوة وبشاعة على الصحافة الروسية المستقلة. 

 اختيار بحيرة البجع بحسب مجلة ( الايكونوميست)كان رمزياً، اذ ان القنوات التلفزيونية السوفيتية كانت عرضت الرقصة نفسها في 19 آب- أغسطس 1991، عندما حاول (الكي جي بي) والجيش الانقلاب على ميخائيل غورباتشوف. الروس الذي ينتمون إلى هذه الحقبة الزمنية يتذكرون قيام هاتين المؤسستين بإعلان حالة الطوارئ في روسيا، وما رافق ذلك من إغلاق ولو لفترة وجيزة اذاعة صدى موسكو، وهي المحطة الإذاعية الليبرالية الرئيسية في روسيا، كما وتم إيقاف مطابع الصحف وخصوصاً تلك القريبة من قيادة الدولة آنذاك. قيام جنرالات الأمن والجيش الانقلابيون بإغلاق هذه الميديا كشف عن فرط غبائهم وضيق أفقهم لأنهم أثاروا اهتمام الروس وانجذابهم إلى إذاعة Echo of Moscow، التي باتت منذ ذلك الحين، الميديا المفضلة لملايين المشاهدين الراغبين في متابعة الأخبار والمناقشات والبرامج الحوارية. 

إقرأوا أيضاً:

حفلات الكرملين لإعدام الميديا المستقلة

مع بداية الحرب الروسية على أوكرانيا، انطلقت الحرب البوتينية على الميديا المستقلة تحت شعار “من ليس معنا فهو ضدنا”، وهي العبارة نفسها التي كان الرئيس الأميركي جورج بوش نطق بها خلال الحرب على صدام حسين. فجأة وجدت “صدى موسكو”- ايخو موسكوفا، وللمرة التالية نفسها في خط المواجهة مع السلطة الحاكمة، وبالتحديد مع بوتين. الصحافة المستقلة في روسيا كلها أصبحت هدفاً مباشراً لأدوات قمع النظام، وكانت في مقدمة من طاولتهم نيران قناصة الكرملين . بعد يومين من طلب الادعاء العام من هيئة الرقابة الروسية على الاتصالات “روسكومنادزور”، وقف بث إذاعة “إيخو موسكفا” وقناة “دوجد” التلفزيونية، بتهمة توجيه اتهامات بممارسة “أنشطة متطرفة” ونشرهما “معلومات كاذبة”عند تغطيتهما “العملية العسكرية الخاصة” في أوكرانيا. وفي رد فعل على هذا القرار التعسفي، قرر مجلس إدارة الإذاعة تصفية أعمالها وإغلاق موقعها الإلكتروني نهائياً، ما حرم الروس واحدة من أهم المنصات الإعلامية التي تغرد خارج سرب الكرملين وسياساته. إلا أن مديرها أليكسي فينيديكتوف لم يغادر روسيا ويواصل الآن العمل وتغطية الأحداث على قناته على “تلغرام”. 

 تعود ملكية هذه المحطة الإذاعية المعارضة إلى شركة “غاز بروم ميديا” التي كانت حازت معظم أسهمها (66 في المئة) شركة الغاز الروسية العملاقة “غازبروم“. ويؤكد خبراء الميديا الروس أن الكرملين سعى من خلال تمويل هذه الإذاعة “المشاغبة”، إلى احتوائها والضغط عليها لخفض حدة معارضتها وانتقادها السلطة، فيما رأى آخرون أن بوتين اراد أن يبعث برسالة للغرب مفادها أن روسيا تحترم حرية الصحافة، وتمول الصحافة المعارضة من ميزانية الدولة. ومع أن الدولة كانت تسيطر مالياً على الإذاعة، إلا أن ذلك لم يمنع مراكز في الحزب الحاكم والاوليغارشيا المقربة من بوتين من توجيه انتقادات لاذعة للمسؤولين الذين يشاركون في برامجها الحوارية. كشف تقرير، نشرته مجموعة “أغورا” الدولية لحقوق الإنسان بالتعاون مع مؤسسة “روسكومسفوبودا” الروسية المعنية بمراقبة حرية الوصول إلى المعلومات، عن تصاعد وتيرة تقييد حرية الرأي والوصول إلى المعلومات. وقالت إن “قيام اذاعة صدى موسكو بحل نفسها، ومن ثم من بعدها قرار قناة “دوجد” بوقف بثها بعد تعطيل موقعيهما الإلكترونيين”. دفع مؤسسات صحافية اخرى إلى اتخاذ قرارات مماثلة، فلقد اوقف موقع “زناك” الإخباري صدوره، كما قرر هو الاخر توقفه عن العمل “بسبب كثرة القيود التي فرضت أخيراً على عمل وسائل الإعلام في روسيا”. أما موقع “ذي فيليدج” الذي يشكل مرجعاً للحياة الثقافية في موسكو، فقرر إغلاق مكتبه في العاصمة الروسية ورحل إلى وارسو ببولندا. في مداخلة لها في في مؤتمر حول مستقبل الصحافة المستقلة في روسيا على خلفية الملاحقات والاغلاقات والغرامات الكبيرة للكرملين، نظمه معهد الصحافة الدولية، في فيينا قالت رئيسة تحرير وصاحبة امتياز الموقع الالكتروني المعارض “ميدوزا” الذي هاجر إلى لاتفيا، الصحافية الروسية غالينا تيمتشينكو إنه “ثمّة قوانين كافية في روسيا لإدانة أي صحافي ولأي سبب، وثمّة أدوات كافية للقضاء على أي وسيلة إعلامية معارضة او مستقلة”. وأضافت “الرقابة موجودة أساساً” بعدما تمّ منع وسائل الإعلام، من استخدام مصطلحات “غزو” و”هجوم” و”إعلان حرب” أو الحديث عن مقتل مدنيين على يد الجيش الروسي”، وتابعت، “أشعر بأن هدف بوتين النهائي هو البقاء مع من يعملون لصالحه، ما يعني أن من سيبقى سيتم إرغامه اما على الخنوع والخضوع لارادة السلطة أو اختيار الفرار الى دولة اخرى، أو سيتم القضاء عليه”. 

بوتين خسر الحرب الاعلامية

تشكل “الحرب ضد الإعلام”، وفق تيمتشينكو، “جبهة ثانية” لروسيا، إلى جانب غزو أوكرانيا. وبحسب بونوماريف، “أكثر ما يخشاه الكرملين هو أن يخسر حرب الإعلام هذه”. ويرى خبراء في الميديا أن “بوتين خسر فعلاً الحرب الاعلامية وانهارت هيبته ومكانة روسيا لدى الرأي العام الدولي على خلفية جرائم الحرب وفشل جيشه في احتلال أوكرانيا كما كان جنرالاته يقولونه له”. الفشل العسكري صاحبه فشل أكبر لأن ارادة الكرملين لم تتحقق وقرارته الرامية إلى منع الصحافيين من القيام بعملهم وايصال المعلومات الموثوقة والدقيقة عن مجريات وتطورات العدوان الروسي على أوكرانيا لأوسع عدد من الجمهور”. كل التشريعات والقرارات التنفيذية التي هدفت إلى ارغامهم على نشر الأكاذيب عن مسار الحرب واخفاء القتلى من الجنود الروس، والصمت على هزيمة القوات الروسية على كل الجبهات والصمت حيال جرائم الحرب بحق المدنيين الأوكرانيين، لم تنفع لان العدد الأكبر منهم رفض الانصياع لهذه الأوامر، مفضلين دفع التكاليف الباهظة من العقوبات التي وردت في القوانين الاستثنائية ونقل مواقعهم إلى وسائل التواصل الاجتماعي. الفرصة الوحيدة التي توفرت أمام محرري “ميدوزا” وغيرها من الميديا الروسية المستقلة للإفلات من الملاحقة والسجون هي الفرار من البلاد، حتى يتمكنوا من مواصلة العمل في قنوات الاتصال الافتراضي لتلبية القراء البالغ عددهم بحسب تيمنتيشنكو اكثرمن مليوني متابع على “تلغرام”، وأيضاً على وسائل التواصل الاجتماعي. وكشفت تيمنتيشنكو عن وجود مراسلين لصحيفتها الإلكترونية في اوكرانيا، وثلاثة محررين في موسكو يعملون بسرية تامة. 

لوائح لاعتقال الصحافيين المعارضين

تشير تقارير من داخل روسيا إلى ان السلطات الامنية شرعت في التاسع من آذار/ مارس الماضي بإعداد قوائم بأسماء الصحافيين الذي كانوا يعملون في مؤسسات إعلامية رفضت تنفيذ التعليمات الرسمية واحكام الرقابة، وكذلك تلك التي تحصل على تمويلات من مؤسسات دولية، والتي أدرجت تحت مسمى “عملاء اجانب”. وبحسب تيمتيشنكو، “لقد صنفت تحت طائلة هذا القانون غالبية الصحف المعارضة، والمكاتب الصحافية للميديا الأجنبية”. الصحافية الروسية اوكسانا هي المراسلة الاولى التي تقتلها صواريخ القصف الروسي على العاصمة كييف. وذكرت وكالات الانباء الأجنبية أن “بولينا اوكسانا كانت تعد تقريراً لمصلحة الموقع الإخباري المستقل ذا انسايدر عن الدمار الهائل الذي أحدثه القصف الروسي على أحد المركز التجارية، وسقط قتلى وجرحى”. وكانت بولينا عملت في وقتٍ سابق في جمعية مكافحة الفساد التي أسسها المعارض الروسي أليكسي نافالني، لكنها غادرت روسيا لاحقاً.

ألقت حرب بوتين على أوكرانيا صحيفة “نوفايا غازيتا” المعارضة ورئيس تحريرها المشاكس والناقد العنيد لزعيم الكرملين ديمتري موراتوف في شباك السلطة الحاكمة التي كانت تترقب أي خطأ ترتكبه الصحيفة لتقبض على رقاب هيئة تحريرها ذات الميول الليبرالية، وهو ما كان يعيه طاقم الصحيفة، فكان القرار بعدم التحدث المباشر عن الحرب. يقول نائب رئيس الصحيفة كيريل مارتينوف لمجلة “الإيكونوميست”، “ركزنا نظرنا على الخسائر الكبرى التي تتسببها في الداخل الروسي، فأخذنا نتناول في تقارير وتحقيقات استطلاعية كل جوانب الأزمات التي تثيرها هذه الحرب داخل البلاد وانعكاساتها على السكان، ومقارنتها بما حصل في روسيا في تسعينات القرن الماضي، عندما عايشنا الفصل الأول من انهيار الامبراطورية السوفياتية، الآن نحن نعيش وقائع الفصل الثاني من انهيار الفيدرالية”. برأي مارتينوف “إن مراسلي الصحف الأجنبية، ووكالات الأنباء الدولية الذي قرروا البقاء والعمل في هذه الظروف القاسية من التقييدات والممنوعات التي حددتها التشريعات الجديدة، يواجهون المخاطر التي تهدد الصحافيين الروس المعارضين، ورافضي هذه الحرب، كالسجن لـ15 عاماً لمجرد استخدام كلمة الحرب، بدلاً من العملية العسكرية”.

تكميم الأفواه والعودة إلى الحقبة السوفياتية

 اعتبرت هيئات الأمم المتحدة المتخصصة بمراقبة انتهاكات حقوق الإنسان إن قانون “الأخبار الكاذبة” الذي أقر في روسيا في آذار الماضي هو محاولة من السلطات الروسية “لتكميم أفواه السكان”. لكن المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف برر إصدار هذا القانون بسبب الحرب الإعلامية غير المسبوقة على روسيا، واصفاً الأوضاع الحالية بالاستثنائية التي تتطلب تدابير استثنائية. ورجحت المسؤولة عن روسيا لدى منظمة “مراسلون بلا حدود” جان كافلييه “ألا تبقى أي وسيلة إعلام مستقلة بمنأى عن الحظر”، وأضافت أن الوضع الآن “كما لو أننا نعود إلى الحقبة السوفياتية، مع فرق أن الإنترنت موجود الآن ويشكل فضاء حراً”. ولم يتوان النظام عن دهم منازل عدد من الصحافيين الاستقصائيين وعائلاتهم، وسط تزايد الضغوط على وسائل الإعلام المستقلة في روسيا. وأعلن موقع “بروجيكت”، وهو موقع مستقل متخصص في الصحافة الاستقصائية أن “منزل رئيس تحريره رومان بادانين والصحافية في الموقع ماريا يولوبوفا اقتحمتهما الشرطة”. واعتقلت قوة من الأمن في العام الماضي صحافياً آخر هو نائب رئيس التحرير ميخائيل روبين، بحسب بيان نشرته هذه الوسيلة الإعلامية على حسابها في تطبيق “تلغرام”. وكانت وجهت اتهامات إلى بادانين في قضية تشهير تعود إلى عام 2017، وفق ما ذكرت محاميته آنا بوغاتيريوفا لقناة “دوجد” التلفزيونية المستقلة. 

كشف تقرير، نشرته مجموعة “أغورا” الدولية لحقوق الإنسان بالتعاون مع مؤسسة “روسكومسفوبودا” الروسية المعنية بمراقبة حرية الوصول إلى الإنترنت والمعلومات، عن تصاعد ممارسات السلطات الروسية لتقييد حرية الرأي وحجب الوصول إلى المعلومات التي لا تتماشى مع سياسات الدولة، وتوجهات النخب الحاكمة. ورصد التقرير الذي صدر تحت عنوان “حرية الإنترنت 2019: خطة الحصن”، زيادة حالات حجب المواقع والصفحات “المتطرفة التي تروج للإرهاب”، والملاحقة القضائية من قبل السلطات للنشطاء السياسيين على شبكات التواصل الاجتماعي، ووسائل الرقابة على وسائل الإعلام، والقيود المفروضة لمنع الوصول إلى المحتوى، واحتجاز الصحافيين والمدونين، وكذلك التهديدات الموجهة إليهم والضغط عليهم من ممثلي السلطات. وأوضح التقرير أنه في العام 2019، تم تسجيل 438 ألفاً و981 حالة تدخل في حرية الإنترنت في روسيا، ارتبطت أكثر من 434 ألف حالة منها بتقييد الوصول إلى المواقع والخدمات، وفرض حظر على المعلومات لأسباب مختلفة. ومقارنةً بالعام 2018، زاد عدد حالات حظر المعلومات من قبل هيئات الدولة أكثر من الضعف (272. 7 ألف حالة للأشهر التسعة الأولى من عام 2019 مقارنة بـ161 ألفاً للعام السابق بأكمله). كما زاد عدد الهجمات السيبرانية على المواقع المعارضة (32 مقابل 20) وارتفع عدد القضايا المرفوعة من الدولة ضد مواطنين بسبب طريقة استخدامهم الإنترنت (79 مقابل 58). 

موسم هجرة المراسلين من موسكو 

تدهور حرية التعبير في روسيا الذي اشتدت وتيرته مع شن بوتين الحرب على أوكرانيا دفع دول غربية بينها الولايات المتحدة السلطات الروسية إلى حث موسكو على حماية حرية مؤسسات الميديا، وأعربت في بيان مشترك عن تنديدها بحملة القمع التي تشنها موسكو ضد وسائل الإعلام المستقلة. ووقع على البيان ممثلو 18 دولة، وأشاروا إلى أن روسيا تبدو عازمة على إغلاق إذاعة أوروبا الحرة/ راديو ليبرتي المدعومة من الحكومة الأميركية بعد إغلاق 9 من وسائل الإعلام المستقلة. وقال البيان “نحض روسيا الاتحادية على الامتثال لالتزاماتها الدولية في مجال حقوق الإنسان وضمان حرية وسائل الإعلام وسلامة الصحافيين”. وأضاف “ندعو الحكومة الروسية إلى الكف عن قمع الأصوات المستقلة، وإنهاء الإجراءات ذات الدوافع السياسية ضد الصحافيين والمؤسسات الإعلامية، وإطلاق سراح جميع المعتقلين بدون وجه حق”. كما لفتت الدول الغربية إلى طرد روسيا مراسلة “بي بي سي” سارة راينسفورد، وهو ما اعتبرته هيئة الإذاعة البريطانية اعتداء على حرية الإعلام. 

في ظل هذه الإجراءات القمعية، طردت موسكو مراسلة “بي بي سي” اللندنية، وأبلغتها بعدم السماح لها مطلقاً بالعودة إلى روسيا. وأشارت قناة “روسيا 24” التلفزيونية إلى أن تأشيرة دخول الصحافية البريطانية تنتهي صلاحيتها في 31 آب/ أغسطس، وأنها لن تُجَدد في تدبير اعتُبر رداً على الضغوط البريطانية المزعومة على وسائل الإعلام الروسية في المملكة المتحدة. وقالت سارة رينسفورد لشبكة “بي بي سي”، إن المسألة “لا تتعلق بعدم تجديد تأشيرتي، على الرغم من أن الأمر يبدو كذلك من الناحية الفنية، إنني مبعدة وأُبلغت أنني لن أتمكن مطلقاً من العودة”. وأعربت عن “بالغ حزنها” لمغادرتها بشكل مفاجئ بلداً أمضت فيه ما يقرب من ثلث حياتها وتتحدث لغته. وقالت “روسكومنادزور” إن الاطلاع على المواقع الإلكترونية لخدمة اللغة الروسية التابعة لـ”بي بي سي” و”دويتشه فيلي” و”ميدوزا” و”راديو سفوبودا”، الفرع الروسي لـ”إذاعة أوروبا الحرة”، أصبح “محدوداً”. ولم يعد متاحاً فتح المواقع الرئيسة لـ”بي بي سي” و”دويتشه فيلي”، إلا بشكل متقطع، كما أصبح من المستحيل الاطلاع على المقالات التي تتناول الحرب في أوكرانيا، بحسب صحافيين من وكالة الصحافة الفرنسية في موسكو. وذكر متابعو المواقع الرئيسية لـ“ميدوزا” و”سفوبودا” أنهم يواجهون صعوبة في دخول هذه المواقع… ودأب مراسلو هذه المواقع على كتابة تحليلات وتحقيقات تنتقد الكرملين. وكانت روسيا منعت “دويتشه فيلي” وأجبرت مراسليها على التوقف عن العمل.
تحتلّ روسيا مواقع متأخرة في تصنيفات المنظمات الدولية لحرية الرأي والصحافة، فوفقاً لمنظمة “مراسلون بلا حدود” شغلت روسيا في العام 2019 المركز 149 في تقييم حرية الصحافة، وحلّت بين وفنزويلا وبنغلادش. كما تواصل منظمة “فريدوم هاوس” وصف روسيا للسنة الخامسة على التوالي بالدولة الخالية من حرية استخدام الإنترنت بسبب حظر المستخدمين والاعتقالات.
وتطرق التقرير إلى “الاستخدام الخبيث” لقانون الانترنت المستقل “رونيت”، لـ”تنظيم الإنترنت في روسيا وحمايتها من التهديدات الخارجية “في حال قررت الدول الغربية فصل روسيا عن الشبكة العالمية، ما يعتبره خبراء “أغورا” و”روسكومسفوبودا” مبرراً لتعزيز رقابة الدولة، بخاصة في ظل عدم ذكر التهديدات التي سيتم استخدام القانون لمواجهتها.
لا يقتصر التضييق على الحريات في روسيا على الصحافة والمدونين، بل يستهدف أيضاً كل منتقدي السلطات أو المسؤولين في وسائل التواصل الاجتماعي. 

في العام الماضي، رُفعت 78 قضية ضد مواطنين روس بتهمة “إهانة السلطات”، وكان للقضايا المرفوعة بحجة “إهانة الرئيس فلاديمير بوتين” نصيب الأسد بواقع 44 قضية، في حين حوكم 6 أشخاص آخرين انتقدوا قيادات الأجهزة الأمنية. 

ودخل القانون الذي يحظر إهانة السلطات حيز التنفيذ في 29 آذار 2019، ويحظر نشر معلومات تهين المجتمع والرموز الرسمية الروسية والدولة والحكومة، ويواجه مخالفوه غرامة تتراوح بين 30 و100 ألف روبل (500 و1600 دولار)، وفي حال تكرار الجرم- تكون الغرامة بين 100 و200 ألف روبل أو السجن. 

 صنفت المنظمة غير الحكومية “فريدوم هاوس”، التي ترصد حرية الإنترنت في 65 دولة، لأول مرة روسيا على أنها “غير حرة”، وهذا أدنى تصنيف بين ثلاثة تصنيفات ممكنة. وقال أدريان شهباز، مدير أبحاث الحرية على شبكة الإنترنت، وهو تقييم سنوي لحرية الإنترنت العالمية تجريه المنظمة،”لقد شهدنا تدهور اً مستمر اً في حرية الإنترنت في روسيا على مدى السنوات الخمس الماضية”. ووفقاً للتقرير، حدث “تراجع حاد” في الحرية الرقمية التي تتقلص بشكل مطرد أصلا في روسيا من عام 2013 إلى عام 2014، بعد ثورة الكرامة في أوكرانيا وقيام الكرملين بضم شبه جزيرة القرم بعد ادعاء روسيا بأنها جزء من أراضيها. ويتضح من التقرير أن السلطات زادت بدرجة كبيرة الرقابة على المحتوى الذي ينتقد سياسات روسيا في أوكرانيا، بما في ذلك المعلومات المتعلقة بالاحتجاجات المناهضة للحكومة. كما فرضت رقابة على بعض المواضيع التي يتم تناولها عبر الإنترنت، مثل قضايا المثليين والعابرين جنسياً.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
هلا نهاد نصرالدين – صحافية لبنانية
اعتكف سعد الحريري عن المشاركة في الانتخابات الأخيرة، فالأضرار والخسائر التي لحقت به جرّاء مشاركته في السياسة اللبنانيّة، فاقت المكاسب التي حقّقها، إلا أنّ خياراته الخاطئة انتخابيّاً وسياسيّاً واقتصاديّاً ما زالت تلاحقه حتى اليوم.
Play Video
باستخدام أدوات تكنولوجية مختلفة، كالقصص التفاعلية وتقارير 360 درجة ومقاطع فيديو ورسوم متحركة، استطاعت منصة Tiny Hand تغطية المعاناة والأثر الذي تتركه الحرب على الأطفال وايصالهما الى العالم.

4:41

Play Video
الكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية والناشطة اللبنانية غوى أبي حيدر والناشط السياسي الكويري ضومط قزي الدريبي ضيفا هذه الحلقة من بودكاست “نون” للحديث عن المثلية الجنسية وتصاعد الحملات المعادية لها في الآونة الاخيرة. المحزن ان ملاحقة العلم او الراية بات يشبه حملات مطاردة الساحرات في منطقتنا. تكثر الاخبار من حولنا عن سحب رواية، منع فيلم، مطاردة شعار، ومصادرة ألعاب أطفال لأنها تحمل ألوان قوس قزح، فضلا عن خطابات التحريض والكراهية والملاحقات القانونية والوصم الاجتماعي، وهو ما تكرر في أكثر من دولة بذرائع أخلاقية ودينية. غوى أبي حيدر وهي ناشطة وكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية. كتبت سلسلة مقالات عن انتحار الناشطة المصرية سارة حجازي قبل عامين بعد ان سجنت بسبب رفعها علم قوس قزح/ شعار مجتمع الميم وتم اضطهادها ونفيها بسببه الى ان انتحرت. اما الناشط السياسي ضومط قزي الدريبي، فقد شارك في كثير من نشاطات الحراك الاعتراضي السياسي في لبنان في السنوات الاخيرة، لكنه واجه حملات ضده مستغلين هويته الجنسية.

51:48

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني