كيف تحولت الحرب الأوكرانية
الى فرصة لدول نفطية؟

لا يزال مشهد الحرب الأوكرانية والتغيرات السياسية التي ستفضي إليها غير واضحة بعد، وبالتالي فإن توقع مشهد سوق النفط لا يزال خاضعاً للتأويل.

برغم التبعات المأساويّة للعدوان الروسي على أوكرانيا، إنسانياً واقتصادياً وسياسياً، إلّا أنّ الأزمة شكّلت لبعض الدول، تحديداً النفطيّة منها، فرصة لانتعاش اقتصادها وتحقيق أرباح سريعة وسهلة حتى وإن لفترة محدودة. 

بسبب الحرب الأوكرانية، تعود إلى الواجهة أزمة الاعتماد المفرط على سوق خارجي واحد لاستيراد النفط، وهو ما جعل دولاً أوروبية ومتوسطية وآسيوية تعيد التفكير في ضرورة إيجاد أسواق بديلة لاستيراد النفط الخام والغاز الطبيعي والفحم، عوضاً عن السوق الروسي نتيجة الأزمات السياسيّة والخضّات الأمنيّة التي قد تؤثّر في عمليّة استيراد وتصدير النفط.

وفي سياق البحث عن تنوع مصادر النفط وجدت دول نفطية بعينها تحقق أرباحاً لم تكن متوقعة ما ساعدها مالياً وسياسياً لتتمكن من فرض أجنداتها في ملفات عالقة بينها وبين دول غربية. 

من أبرز المستفيدين من الحرب الروسيّة- الأوكرانيّة هي دول الخليج والعراق. فبعدما أعلنت الولايات المتّحدة الأميركيّة في آذار/ مارس 2022 حظر واردات النفط الروسي والغاز الطبيعي والفحم، ارتفعت أسعار النفط والغاز لتسجّل أعلى سعر لها للمرّة الأولى منذ 14 عاماً، بحيث وصلت قيمة برميل النفط في الأسبوع الأوّل من آذار إلى 139 دولاراً أميركيّاً قبل أن تعود وتنخفض لاحقاً.

برغم التبعات المأساويّة للعدوان الروسي على أوكرانيا، إنسانياً واقتصادياً وسياسياً، إلّا أنّ الأزمة شكّلت لبعض الدول، تحديداً النفطيّة منها، فرصة لانتعاش اقتصادها وتحقيق أرباح سريعة وسهلة حتى وإن لفترة محدودة. 

الاتحاد الأوروبي في أزمة!

الدول الأوروبيّة، خلافاً لما جرت العادة، لم تجارِ البيت الأبيض في قراره، فهي لم تحظر استيراد النفط والغاز من روسيا. فمثلاً قال رئيس الوزراء الألماني أولاف شولز إن أوروبا “تعمدت استثناء” الطاقة الروسية من العقوبات لأنه لا يمكن تأمين إمداداتها “بأي طريقة أخرى” في الوقت الحالي. فيما صرّح رئيس الوزراء الهولندي مارك روته: “الحقيقة المؤلمة هي أننا ما زلنا نعتمد إلى حدّ كبير على الغاز الروسي والنفط الروسي، وإذا أجبرنا الآن الشركات الأوروبية على التوقف عن التعامل مع روسيا، فستكون لذلك تداعيات هائلة حول أوروبا بما في ذلك أوكرانيا وكذلك حول العالم”.

في هذا السياق، ذكر بيان البيت الأبيض أنّ “الولايات المتحدة قادرة على اتخاذ هذه الخطوة بسبب بنيتنا التحتية القوية للطاقة المحلية، ونحن ندرك أنه ليس كل حلفائنا وشركائنا في وضع يسمح لهم حالياً بالانضمام إلينا. لكننا متحدون مع حلفائنا وشركائنا في العمل معاً لتقليل اعتمادنا الجماعي على الطاقة الروسية والحفاظ على الضغط المتزايد على بوتين، مع اتخاذ خطوات نشطة في الوقت نفسه للحد من التأثيرات في أسواق الطاقة العالمية وحماية اقتصادنا”.

في العام الماضي، استوردت الولايات المتحدة نحو 700 ألف برميل يومياً من النفط الخام والمنتجات البترولية المكرّرة من روسيا. وبناءً على ذلك سيحرم الحظر الأميركي روسيا عائدات بمليارات الدولارات سنوياً، وفقاً لبيان البيت الأبيض.

روسيا كانت تصدّر نحو 5 ملايين برميل يوميّاً من النفط الخام ونحو مليوني برميل يومياً من المنتجات بشكل رئيسي إلى أوروبا وآسيا، قبل اجتياحها لأوكرانيا في 24 شباط/ فبراير 2022، بحسب “رويترز“. عام 2021، كانت روسيا أكبر دولة مصدرة للغاز الطبيعي في العالم، وثاني أكبر دولة مصدرة للنفط الخام بعد المملكة العربية السعودية، وثالث أكبر دولة مصدرة للفحم بعد إندونيسيا وأستراليا، وفقاً لـ“إدارة معلومات الطاقة الأمريكية” (U.S. energy information administration)

فرض العقوبات وتجنّب بعض الدول الصادرات الروسيّة، قد تعرّضان ثلاثة ملايين برميل يومياً من إنتاج النفط الروسي للخطر في شهر نيسان/ أبريل، بحسب وكالة الطاقة الدوليّة. وفي هذا السياق، صرّح  نائب رئيس الوزراء الروسي ألكسندر نوفاك في 7 نيسان/ أبريل إن إنتاج روسيا النفطي في هذا الشهر قد ينخفض بنسبة 4 – 5 في المئة، بسبب الصعوبات المالية واللوجستية.
ولم تنشر روسيا بيانات إنتاجها لشهر آذار/ مارس أي الشهر الذي يلي اجتياحها لأوكرانيا.

لكن بسبب ارتفاع أسعار النفط العالمي في مقابل عدم قدرة الدول الأوروبيّة على مقاطعة النفط الروسي، فإنّ روسيا تحقّق أرباحاً اليوم من صادراتها النفطيّة، وذلك في مقابل خسائرها الناجمة عن العقوبات الأميركيّة والأوروبيّة عليها. فيتوقّع اقتصاديّو “بلومبرغ” أن تكسب روسيا نحو  321 مليار دولار من صادرات الطاقة هذا العام، بزيادة أكثر من الثلث عن العام الماضي.

في الفترة الأخيرة، اقترح الاتحاد الأوروبي بعض العقوبات الجديدة على روسيا من بينها حظر صادراتها من الفحم، على أن يوافق مبعوثو الاتحاد الأوروبي، في 14 نيسان/ أبريل على هذا الإجراء ويدخل حيّز التنفيذ اعتباراً من منتصف آب/ أغسطس، علماً أنّ ألمانيا هي التي ضغطت لتأخير التنفيذ حتى منتصف آب/ أغسطس.

إقرأوا أيضاً:

النفط الخليجي إلى الواجهة!

بحسب “رويترز“، قد يسعى مستوردو النفط في آسيا مثل اليابان وكوريا الجنوبيّة (خصوصاً حلفاء الولايات المتّحدة الأميركيّة) إلى تقليل اعتمادهم على شراء الخام الروسي، واللجوء إلى بدائل مثلاً من الشرق الأوسط، وبالتالي من المرجّح أن يزيد الطلب على نفط المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والكويت. وتستفيد السعوديّة مثلاً من هذا الوضع، إذ رفعت شركة “أرامكو” السعودية المنتجة للنفط سعر البيع الرسمي لنفطها الخام إلى دول آسيا  لشهر أيّار/ مايو.

دول الخليج التي تعتمد على النفط والغاز في الجزء الأكبر من دخلها تعوّدت على فترات الازدهار والانهيار النفطي، وهي على علم أنّ هذه الفترة من الازدهار هي مؤقتة نتيجة الغزو الروسي لأوكرانيا ولكنّها ستتراجع حتماً وبالتالي وبينما تحقّق دول الخليج اليوم أرباحاً هائلة، ستواصل سياسة مالية صارمة مع التركيز على التنويع الاقتصادي، وفقاً للـ CNN Business. واستشهد المقال ببحث أجرته مجموعة Mitsubishi UFJ Financial Group (MUFG) في شباط/ فبراير أن دول مجلس التعاون الخليجي (المملكة العربية السعودية وسلطنة عمان والإمارات العربية المتحدة والكويت وقطر والبحرين)، من المرجح أن تشهد ارتفاعاً في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 6.1 في المئة عام 2022 على خلفية ارتفاع أسعار النفط، إضافة إلى فائض مالي للمرّة الأولى منذ عام 2014.

العراق أحد المستفيدين!

أمّا في ما يخصّ العراق، فقد تكون هذه إحدى المرّات القليلة التي يستفيد فيها من أزمات الخارج  بدلاً من أن يدفع ثمن حروب وأزمات الآخرين. فبحسب وزارة النفط العراقية، صدّر العراق أكثر من 100 مليون برميل من النفط بعائدات بلغت 11.07 مليار دولار، وهي الأعلى منذ عام  1972 أي منذ 60 عاماً.

وبرغم اعتماد العراق الكبير على عائدات تصدير النفط، إلّا أنّ البلاد ما زالت تعاني من أزمة في قطاع الكهرباء بسبب عدد السكان الضخم البالغ حوالى 41 مليون نسمة، إضافة إلى الفساد في البلاد. فتوفر إيران حالياً ثلث احتياجات العراق من الغاز والكهرباء، إلّا أنّ الإمدادات الإيرانيّة ليست منتظمة.
عام 2021، بلغت قيمة عائدات العراق من تصدير النفط الخام أكثر من 75 مليار دولار أميركي. بحسب موقع البنك الدولي، فالعراق من أكثر دول العالم اعتماداً على النفط. على مدى العقد الماضي، شكلت عائدات النفط أكثر من 99 في المئة من الصادرات، و85 في المئة من ميزانية الحكومة، و42 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، فيعرّض هذا الاعتماد المفرط على النفط البلاد لتقلّبات دورية.

لا يزال مشهد الحرب الأوكرانية والتغيرات السياسية التي ستفضي إليها غير واضحة بعد، وبالتالي فإن توقع مشهد سوق النفط لا يزال خاضعاً للتأويل، فهل تتّجه بعض الدول إلى الاعتماد أكثر على أسواق الشرق الأوسط؟ وهل تستفيد دول مجلس التعاون الخليجي والعراق من الأزمة الأوكرانيّة على المدى البعيد؟ 

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
ميزر كمال- صحافي عراقي
بمعدل 22 حادثاً مرورياً في اليوم الواحد، و6 قتلى، تتفوق حوادث السير على معدلات العنف الناتجة من العمليات الإرهابية في العراق.
Play Video
باستخدام أدوات تكنولوجية مختلفة، كالقصص التفاعلية وتقارير 360 درجة ومقاطع فيديو ورسوم متحركة، استطاعت منصة Tiny Hand تغطية المعاناة والأثر الذي تتركه الحرب على الأطفال وايصالهما الى العالم.

4:41

Play Video
الكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية والناشطة اللبنانية غوى أبي حيدر والناشط السياسي الكويري ضومط قزي الدريبي ضيفا هذه الحلقة من بودكاست “نون” للحديث عن المثلية الجنسية وتصاعد الحملات المعادية لها في الآونة الاخيرة. المحزن ان ملاحقة العلم او الراية بات يشبه حملات مطاردة الساحرات في منطقتنا. تكثر الاخبار من حولنا عن سحب رواية، منع فيلم، مطاردة شعار، ومصادرة ألعاب أطفال لأنها تحمل ألوان قوس قزح، فضلا عن خطابات التحريض والكراهية والملاحقات القانونية والوصم الاجتماعي، وهو ما تكرر في أكثر من دولة بذرائع أخلاقية ودينية. غوى أبي حيدر وهي ناشطة وكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية. كتبت سلسلة مقالات عن انتحار الناشطة المصرية سارة حجازي قبل عامين بعد ان سجنت بسبب رفعها علم قوس قزح/ شعار مجتمع الميم وتم اضطهادها ونفيها بسببه الى ان انتحرت. اما الناشط السياسي ضومط قزي الدريبي، فقد شارك في كثير من نشاطات الحراك الاعتراضي السياسي في لبنان في السنوات الاخيرة، لكنه واجه حملات ضده مستغلين هويته الجنسية.

51:48

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني