اليمين الأوكراني: نظرة عن قرب

مع بدء التحضيرات للغزو الروسي على أوكرانيا في نهاية شتاء 2022، أطلقت الحركة حملة علاقة عامة تحث الناس على التزام الهدوء والاستعداد. كان شعار الحملة التي أجرتها "آزوف" بأسلوبها المعتاد هو بالضبط "لا داعي للذعر - استعد!".

يعيش يورغي (60 سنة) في السويد منذ 2014، رجل متحفظ، وهادئ، لا يرغب في التحدث مع الغرباء، استغرق الأمر بعض الوقت، و الكثير من الأخذ والرد، قبل أن يوافق على إخباري عن غضبه وخيبة أمله تجاه عائلته، و وتحديداً أخوته.

نشأ يورغي في غرب روسيا، في مدينة سانت بطرسبرغ ويتحدث اللغة الروسية، لكنه انتقل في سن مبكرة إلى الأجزاء الأوكرانية من الاتحاد السوفياتي آنذاك. بعد سقوط الاتحاد السوفياتي واستقلال أوكرانيا، طور ما سماه “الانتماء القومي” لأوكرانيا.

يقول يورغي: “ليس لدى الكثير من أفراد عائلتي المشاعر ذاتها تجاه أوكرانيا. لأنهم عاشوا في أجزاء مختلفة من روسيا، مع معظم السكان الناطقين بالروسية، لم يتمكنوا أبداً من التعرف إلى أوكرانيا وكانوا يرون الأوكران بدلاً من ذلك روساً. لذلك نحن الآن على جوانب مختلفة من خط المواجهة. لا أستطيع أن أقبل أن روسيا تغزو حدودنا، وأشعر بكراهية شديدة لما يعرضون بلادنا له”.

قاتل ستيبان بانديراس في الثلاثينات والأربعينات من القرن الماضي ضد الاتحاد السوفياتي وبولندا من أجل استقلال أوكرانيا. بالنسبة إلى القطاع الأيمن، فهو بطل، بينما في روسيا وشرق أوكرانيا يُنظر إليه على أنه أحد المساعدين النازيين في روسيا.

من هو اليمين الأوكراني – وما هو الدور الذي يلعبونه في الحرب ضد روسيا؟

لقد كانت رسالة متكررة ومكثفة من بوتين أثناء الاستعدادات لغزو أوكرانيا: “اجتثاث النازية” من أوكرانيا. كان بإمكان الرئيس بالسهولة نفسها أن يلفظ اسم “آزوف” – الوحدة العسكرية التي يقودها يمنيون راديكاليون أوكرانيون، التي تأسست عام 2014 للقتال بشكل أساسي ضد الانفصاليين الروس في منطقة دونيتسك الشرقية.

تعود أصول حركة “آزوف” إلى وحدة عسكرية تطوعية تشكلت في بداية الحرب في شرق أوكرانيا دونباس، 2014. أسس الوحدة مثيرو الشغب ونشطاء كرة القدم اليمينيون المتطرفون تحت اسم كتيبة آزوف. كان للكثير من الأعضاء خلفية سياسية في منظمة باتريوتس الأوكرانية المنحلة الآن، وهي منظمة عنصرية ومعادية للسامية كانت في الأصل اتحاداً شبابياً متشدداً للحزب اليميني المتطرف SNAP، الذي تأسس عام 1991 تحت اسم “الحزب الوطني الاجتماعي الأوكراني” (SNAP)، وعام 2004 غير اسمه إلى “سفوبودا” (الحرية)، ولديه تاريخ طويل من الانتفاضات المعادية لروسيا ومعاداة السامية.

أعلن زعيم الحزب أوليه تاهنيبوك عام 2004 أن أوكرانيا تحكمها مافيا “يهودية من موسكو”، وقد وضعه مركز Simon-Wiesental عام 2012 في المركز الخامس بين معادي السامية الرائدين في العالم.

تعتقد المنظمة رسمياً أنه في “الكيان المعين من قبل الدولة والذي يُسمى الآن أوكرانيا”، والذي هو في الواقع “ليس أوكرانياً”، استولى “المحتلون الداخليون” على الحكومة.

 لكن منذ عام 2012، تم تقليص الرسائل الأكثر تطرفاً. اليوم، يظهر الحزب كحزب يميني شعبوي تمكن مقارنته بـ”حزب الجبهة الوطنية” في فرنسا، كما تقول مريدولا غوش، التي تبحث في التطرف اليميني في أوكرانيا في معهد التنمية لأوروبا الشرقية في كييف.

في نهاية عام 2014، تمت إعادة هيكلة “كتيبة آزوف” إلى فوج خاص مع دمجها رسمياً في الحرس الوطني، الذي يخضع بدوره لوزارة الداخلية في البلاد. يقع الفوج الذي ضم حوالى 800-900 فرد عند تأسيسه في ماريوبول في جنوب شرقي أوكرانيا، على حافة البحر الأسود – وبشكل أكثر تحديداً في البحر الداخلي الذي يحمل الاسم ذاته، بحر آزوف – وتستخدم “خطاف الذئب“، الذي استخدمته قوات الأمن النازية الخاصة تاريخياً، من بين أشياء أخرى، كرمز للحركة.

زعيم “حركة آزوف” هو أندريه بيلتسكي، الذي أعلن سابقاً أن مهمة أوكرانيا التاريخية هي “قيادة البيض في الأرض في حرب صليبية نهائية ضد البشر الذين يقودهم الساميون”. اليوم، الخطاب الرسمي لـ”آزوف” أقل تطرفاً، لكنه يعكس نظرة عالمية استبدادية عرقية.

المحلل المقيم في كييف في مركز دراسات أوروبا الشرقية في معهد السياسة الخارجية (UI) في السويد، أندرياس أوملاند، يرى أنه في الوقت نفسه الذي تطورت  “حركة آزوف” ككيان عسكري، بدأت تتشكل حولها حركة سياسية تحمل الاسم نفسه.

“منذ عام 2014، ظهرت حركة واسعة حول فوج “آزوف”، تتألف من حزب سياسي (الاتحاد الوطني)، وحرس مدني (سنتوريا، الميليشيا الوطنية سابقاً، يرتدون الزي العسكري يسيرون بالمشاعل وما شابه بطريقة تشبه ألمانيا في الثلاثينيات)، وناشر كتب (أورينتير)، نوادي فنون الدفاع عن النفس، ومراكز اجتماعية، مراكز أنشطة الشباب.”

في الانتخابات البرلمانية لعام 2019، حصلت الكتلة القومية الموحدة، التي تضم “اتحاد آزوف الوطني”، على نحو 2.3 في المئة فقط من الأصوات. في الوقت نفسه، كان لآزوف حلفاء في مناصب حكومية قوية. على سبيل المثال، يُعتبر أرسين أفاكوف، الذي شغل منصب وزير الداخلية لسنوات عديدة حتى استقالته الصيف الماضي، صديقاً لآزوف. مثال آخر هو فاديم تروجان، القائد السابق لفوج “آزوف”، الذي كان نائب رئيس هيئة الشرطة الوطنية حتى استقالته.

في عام 2016، أصدر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) تقريراً يتهم كتيبة آزوف بانتهاك القانون الإنساني الدولي.

وصف التقرير الأحداث التي وقعت خلال الفترة بين 2015 و 2016 حيث قيل إن آزوف استولى على مبانٍ مدنية في أوكرانيا واستخدمها كمخزن لأسلحتهم وشرد السكان بعد نهب منازلهم. كما اتهم التقرير الكتيبة باغتصاب وتعذيب سجناء في منطقة دونباس. من جانب الكونغرس الأميركي، كانت هناك مصلحة في تصنيف الكتيبة في قوائم الإرهاب.

مع بدء التحضيرات للغزو الروسي على أوكرانيا في نهاية شتاء 2022، أطلقت الحركة حملة علاقة عامة تحث الناس على التزام الهدوء والاستعداد. كان شعار الحملة التي أجرتها “آزوف” بأسلوبها المعتاد هو بالضبط “لا داعي للذعر – استعد!”.

 ما يقولونه ليس أن زيلينسكي أحمق أو خائن أو عميل روسي لا يستطيع أو لا يريد رؤية غزو وشيك. ولكن بالأحرى فقط أن الدولة ليست مستعدة بما فيه الكفاية لأسوأ احتمال ممكن، ولهذا السبب يتعين عليهم الصمود. وهو بالضبط ما كانوا يقولونه منذ فترة طويلة: إنهم حركة قوية وغير متطرفة تصمد عندما لا يستطيع السياسيون غير الأكفاء في البلاد القيام بذلك. بدلا من ذلك، يقولون، “زيلينسكي ليس قويا بما فيه الكفاية، لكننا كذلك”.

“هم فعلاً من وراء المقاومة  في معركة ماريوبول الأن، و المعركتين السابقتين في 2014-2015 ضد القوات الروسية” بحسب فراس زياد بورزان، الباحث والكاتب في الشؤون الأوراسية.

في مقطع فيديو انتشر على منصة خدمة الرسائل Telegram، قام عضو ملثم من كتيبة آزوف الأوكرانية بوضع الذخيرة في شحم الخنزير – استهزاءً بجنود مسلمين من الشيشان جاءوا للقتال تحت قيادة رمضان قاديروف إلى جانب القوات الروسية. حساب الحرس الوطني الأوكراني على “تويتر”، قام بمشاركة المقطع أيضاً.

إقرأوا أيضاً:



“آزوف” ليست الوحيدة

في الوقت نفسه، هناك قدر كبير من التداخل بين كتيبة “آزوف” والحركات والتيارات النازية العلنية، مثل “ووتانجوغيند” Wotanjugend، التي تعبد هتلر، والتي وصفها مؤسسها عام 2016 بأنها “جامعة صغيرة على الإنترنت لمؤيدي أيديولوجية اليمين”. ويشارك موقع الويب الخاص بهم ترجمات ومقالات بشكل حصري تقريباً باللغة الروسية.

 تعود جذور” ووتانجوغيند” إلى المشهد الموسيقي للنازيين الجدد في روسيا في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. ووفقاً لمؤلفي كتاب “التطرف اليميني المتشدد في روسيا بوتين: الموروثات والأشكال والتهديدات” ، فإن قادتها وأعضاءها “نصبوا أنفسهم كنخبة من طليعة النازيين الجدد”.

أشادت الحركة بالأعمال الإرهابية النازية مثل تلك التي حدثت في كرايستشيرش في شهر آذار/ مارس 2019 في نيوزيلندا و جزيرة أوتويا 2011 في النرويج .

في منشور على الموقع الرسمي بعد الهجمات، وصفت “ووتانجوغيند”  مطلق النار بـ”فايكنغ الانتقام الذي حصل بالتأكيد على مكانه في فالهالا. (في الأساطير الإسكندنافية، فالهالا عبارة عن قاعة مهيبة ضخمة تقع في أسكارد، يحكمها الإله أودين).

أليكسي ليفكين (Alexei Levkin) هو الوجه الأكثر شهرة في ووتانجوجيند. في مقابلة عام 2019 مع مجلة من النازيين الجدد في اليونان Golden Dawn، وصف ليفكين نفسه بأنه “أيديولوجي سياسي” في الميليشيا الوطنية في آزوف.

لدى ليفكين ماضٍ من التطرف والعنف النازيين في وطنه روسيا. عام 2006 تم القبض عليه بتهمة القتل المزدوج، ولكن تم إسقاط التهم في ما بعد؛ كان أيضاً جزءاً من عصابة للنازيين الجدد يُزعم أنها شاركت في تخريب مقابر لليهود والمسلمين، وفي عدد من الاعتداءات وأربع جرائم قتل على الأقل.

تأسس القطاع الصحيح Right Sector، خلال تظاهرات كييف عام 2013. جنباً إلى جنب مع الجماعات القومية المتطرفة الأخرى، عرفوا أنفسهم من خلال عنفهم ودورهم القيادي خلال الهجمات على الشرطة وقوات الأمن.

من الناحية الأيديولوجية، يرى القطاع الصحيح نفسه على أنه قومي ويؤسس ايديولوجيته على تعاليم القومي الأوكراني ستيبان بانديراس.

قاتل ستيبان بانديراس في الثلاثينات والأربعينات من القرن الماضي ضد الاتحاد السوفياتي وبولندا من أجل استقلال أوكرانيا. بالنسبة إلى القطاع الأيمن، فهو بطل، بينما في روسيا وشرق أوكرانيا يُنظر إليه على أنه أحد المساعدين النازيين في روسيا.

– من الصعب الحديث عن إيديولوجيا متماسكة لهذه الجماعات الصغيرة، التي لا تشكل سوى 2 في المئة من مجموع المقاعد في البرلمان، بينما الرئيس يهودي من منطقة ناطقة باللغة الروسية وانتخب بنسبة 73 في المئة بحسب الباحث فراس زياد بورزان.

ويضيف: “أنه في الغالب هي كيانات عبر الإنترنت، بحيث لا يمكن تمثيله في المجال العام، كمنظمة مادية نشطة على الأرض. لذلك أنا أفضل وصفها بأنها حركة قومية اوكرانية متشددة لها توجه معاد للهيمنة الروسية التي لها جذور تاريخية بعيدة في إخضاع هذه المنطقة”. و ينبه زياد إلى ضرورة  إدراك أن هذه الجماعات “تهتم بالقيم التقليدية الأوكرانية، وهذا يشترك فيه جزء واسع من الأوكرانيين، ليسوا بالضرورة من اليمين المتطرف، على سبيل المثال النظرة إلى الكنيسة، وشكل الأسرة و تفسير الأخلاق، لذلك الحكم على الصور المنتشرة في الحرب صعب.”

فريق “درج” اطلع على تقرير  قدمه ألكسندر ريتزمان، كبير المستشارين في معهد الأبحاث الدولي مشروع مكافحة التطرف في برلين، عن خطر أن تصبح الحرب في أوكرانيا أرضاً خصبة للتطرف العنيف، والتي حذرت أيضاً مجموعة التحليل الأميركية SITE Intelligence منها مع بداية الغزو الروسي، حيث  أطلقت الحكومة الأوكرانية موقع التجنيد الخاص بها. هناك رسالة مفادها أن الجميع مطلوب، حتى أولئك الذين لم يحملوا سلاحًا في أيديهم من قبل، وتشكيل لواء من المقاتلين الدوليين الذين يرغبون في المشاركة في الحرب إلى جانب القوات الأوكرانية، حيث تتكون النسبة الأكبر من المتطوعين الأجانب الذين يسافرون الآن إلى أوكرانيا للمشاركة في القتال من المواطنين الأوكرانيين المقيمين في الخارج. وبحسب السلطات المحلية، فإن هؤلاء يبلغ عددهم حوالى 80 ألف شخص. وثاني أكبر مجموعة هم المتطوعون الأجانب الذين يحملون أفكار يمينية قومية.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
يوسف الأمين
قبل أسابيع قليلة، تجنّدت السلطة الدينيّة والرسمية في لبنان وأجرت “اتّصالاتها الشرعيّة” لمحاربة تجمّعات المثليّين، على أساس أنهم خطر داهم، فيما يصار بكل وقاحة إلى لفلفة قضية اغتصاب أكثر من 20 طفلاً!
Play Video
باستخدام أدوات تكنولوجية مختلفة، كالقصص التفاعلية وتقارير 360 درجة ومقاطع فيديو ورسوم متحركة، استطاعت منصة Tiny Hand تغطية المعاناة والأثر الذي تتركه الحرب على الأطفال وايصالهما الى العالم.

4:41

Play Video
الكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية والناشطة اللبنانية غوى أبي حيدر والناشط السياسي الكويري ضومط قزي الدريبي ضيفا هذه الحلقة من بودكاست “نون” للحديث عن المثلية الجنسية وتصاعد الحملات المعادية لها في الآونة الاخيرة. المحزن ان ملاحقة العلم او الراية بات يشبه حملات مطاردة الساحرات في منطقتنا. تكثر الاخبار من حولنا عن سحب رواية، منع فيلم، مطاردة شعار، ومصادرة ألعاب أطفال لأنها تحمل ألوان قوس قزح، فضلا عن خطابات التحريض والكراهية والملاحقات القانونية والوصم الاجتماعي، وهو ما تكرر في أكثر من دولة بذرائع أخلاقية ودينية. غوى أبي حيدر وهي ناشطة وكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية. كتبت سلسلة مقالات عن انتحار الناشطة المصرية سارة حجازي قبل عامين بعد ان سجنت بسبب رفعها علم قوس قزح/ شعار مجتمع الميم وتم اضطهادها ونفيها بسببه الى ان انتحرت. اما الناشط السياسي ضومط قزي الدريبي، فقد شارك في كثير من نشاطات الحراك الاعتراضي السياسي في لبنان في السنوات الاخيرة، لكنه واجه حملات ضده مستغلين هويته الجنسية.

51:48

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني