إعلان “زين” لرمضان 2022:  ثلاث دقائق من ابتذال مآسٍ إنسانية من أجل “آلو” إضافية

نجاح إعلان لا يرتبط بتغطية أكبر عدد من المآسي، لكن المنتجين لم يعُوا ذلك، فاستسهلوا تقديم المأساة والمعاناة الإنسانية والحروب الطاحنة في قالب دعائي لأجل كلمة "آلو".

ما هكذا يا شركة “زين” تورد الإبل، ليس باستحضار كلّ كوارث العالم وحروبه من أجل كلمة “آلو”. تعود قصّة مَثَل الإبل إلى مالك بن مناة أخ الشاعر والفارس الجاهلي سعد بن زيد مناة الذي كان خبيراً في رعي الإبل، وفي يومٍ أوكل لأخيه الصغير هذه المهمة بعد انشغاله بالزواج، قام سعد بالفعل بتوريد الإبل، لكن بطريقة خاطئة فلم ترتوِ، ولما جاء أخوه الأكبر ورأى ما فعله سعد قال عبارته الشهيرة: “أوردَها سعد وسعد مشتمل، ما هكذا يا سعد تورد الإبل”، ومشتمل تعني هنا أنه لف رداءه على جسده كله حتى لا تخرج منه يده، وهكذا بات المثل يقال لمن يقوم بعمل من دون إتقانه، وشركة “زين” فعلت الأمر ذاته، إذ لم تتقن ما أنجزته وقدمت إعلانها لرمضان عام 2022 بطريقة ركيكة واستسهال بعد سنوات من تقديم أعمالٍ فارقة وجميلة.

خلال ثلاث دقائق من أحدث إعلان لها، تسرد شركة الاتصالات “زين”، أهم الكوارث والأحداث والحروب، أفضل وصف لهذا الإعلان هو طبخة من المآسي، كأن طباخاً مدّ يده إلى كل ما في خزانة العالم من كوارث وحروب ومعاناةٍ ووضعها في طنجرة واحدة، فقال لا بأس برشة من الحرب ولن تضر زيادة في حدة العنصرية ولنجعل انفجار بيروت زيت الطبخة، فبدت النكهة غريبة والرائحة منفرة.

يبدأ الإعلان بظهور الفنانة اللبنانية نادين نسيب نجيم تشرب القهوة أمام الشباك فيباغتها انفجار بيروت وتسقط أرضاً، لتظهر عبارة بالخط العريض: “وأنتم تترقبون ثالث حرب عالمية، مرت بالقرب منكم ألف حرب يومية قنابلها التنمر، ألغامها العنصرية وخنادقها تبتلع الطفولة حية”، تبدو العبارة افتتاحيةً جيدة لمشكلة واحدة سيسلط الإعلان الضوء عليها، إلا أن المشهد التالي ينسف فكرة الحروب الشخصية تماماً، فأول مشهد بعد العبارة الافتتاحية هو توديع نادين زوجها الذاهب إلى الحرب، مع عبارة “إلى نصف قلبي.. امضِ لحربك وسأمضي لحربي”، هل انتبه المنتجون أن الإعلان يحتوي مديحاً للجيوش والحرب وقبولاً لهم؟ وهو افتتاحية مستفزة لإعلان يودّ التحدث عن الحروب الصغيرة. يذهب زوج نادين إلى حربه التي قد يقتل فيها أشخاصاً آخرين بالفعل، بينما يقتتل العالم في أماكن عدّة ليس أولها اليمن ولا آخرها الحرب الروسية الأوكرانية، البذلة العسكرية ليست بداية موفقة للحديث عن الحروب الصغيرة كالعنصرية والتنمر!

يستمر الإعلان في إظهار التهجير وتبعات الحروب، ويمرر من وقت إلى آخر مشهداً عن العنصرية أو التنمر، وهكذا لا تكاد تبدأ فكرة حتى تسقط على رأسك فكرةٌ ثانية وثالثة مستوردة من مكان آخر تماماً، دون ربط أو تسلسل منطقيّ.

الشركة التي تنتشر في 8 دول لم تنسَ تقديم لمحة عن تلوث البحار بالبلاستيك، وسارعت الممثلة نجيم بالقيام بمبادرة تمنح فيها الورد لمن يجمع قوارير البلاستيك، وعلى رغم أنها فكرة مبتكرة لو طُبِقت على أرض الواقع إلّا أن مكانها في الفيديو لم يكن مناسباً، فلو أردنا تتبع الحروب الصغيرة والفردية التي أراد تقديمها صناع الإعلان سيكون التلوث مشكلة عالمية لا دخل فيها لا من قريب ولا من بعيد بالعنصرية أو التنمر. 

يحتوي الإعلان بالفعل على الكثير من القضايا والمآسي، فحتى الطفل المغربي ريان كان له بعض الثواني في الإعلان، حيث يظهر منقذون وهم يخرجون طفلاً من البئر، مشهدٌ يبدو استنساخاً لحادثة الطفل المغربي لكن بنهاية مختلفة، إذ يخرجُ الطفل حيّاً، ألم يفكر المنتجون بعائلة ريان الملوّعة بفقدان طفلها، ألم يفكروا بأن صنع نهاية أفضل هو تلاعب بمشاعر الناس الذين انتظروا خمسة أيام بارقة أمل؟ 

ومن الغريب أن الشركة غفلت عن تقديم حكاية خاصة بوباء “كوفيد- 19″، ولا يعني هذا الاستخفاف بهذه الطروحات، لكن المشكلة في قالب التقديم، فلا يمكن جمع تهجير الفلسطينيين مع أزمة التلوث، إذ تحتاج كل قضية مساحة إعلان خاصة بها، فكان يمكن أن يكون الإعلان عن قضية التلوث حصراً، حيث تجد الممثلة فكرة مبتكرة وهي منح الورد مقابل كل كيس عبوات بلاستيكية يجمعها الناس، من جهة أخرى القضية وهدم منازل الفلسطينيين يحتاجان إعلاناً منفصلاً وكاملاً، لكن “زين” أبت إلا أن تورد الإبل بطريقتها.

من المخزي استخدام قضايا كبيرة وحساسة من أجل إعلان اتصالات، هدفه الأول والأخير جني المال وقد يكون منتجوه ممن يرمون العبوات البلاستيكية في الطرق أو يتنمرون على الآخرين، من جهة أخرى لا يمكن استغلال هدم منازل الفلسطينيين لأجل كلمة “آلو” حتى لو كان الهدف تسليط الضوء عليها، فالغاية لا تبرر الوسيلة على الدوام، وبخاصة لو كانت الغاية تحقيق الأرباح والنجاح وليست القضية الفلسطينية بحد ذاتها.

قد يبدو بيع المنتج للمستهلك هو سبب مباشر لما طرحته واحدةٌ من أهم شركات الاتصال، كما لو أن السوق يبرر أي طرح فج وصادم لو غُلّف بقالب إنسانيّ وبإضافة وجه جميل ومشهور، إذ غفلت الشركة العملاقة عن حقيقة بسيطة وواضحة، وهي أن نجاح إعلان لا يرتبط بتغطية أكبر عدد من المآسي، لكن المنتجين لم يعُوا ذلك، فاستسهلوا تقديم المأساة والمعاناة الإنسانية والحروب الطاحنة في قالب دعائي لأجل كلمة “آلو”.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
أحمد حاج بكري- صحافي سوري
كانت لافتة “يمنع دفن أي شخص سوري منعاً باتاً تحت طائل المسؤولية”، المعلقة على سور إحدى مقابر لبنان كافية لمعرفة الوضع الذي وصلت له المصاعب التي تواجه لاجئاً سورياً في حال فكر في دفن قريب له.
Play Video
“فلقة” جديدة يتلقّاها أطفال سوريين في بلدة غزة البقاعية في لبنان. نشر الصحافي هادي الأمين فيديو يُظهر تعنيف شاويش لأطفال سوريين لأنهم “يقصّرون في عملهم”. وفي كل مخيم للاجئين في لبنان، يتعيّن شاويش سوري ليكون بمثابة مسؤول عن هؤلاء الأطفال. في وقتٍ يتعرض فيه هؤلاء الأطفال لانتهاكات عدة من تسرب تعليمي وعمالة مبكرة و تعنيف لفظي وجسدي، يأتي هذا الفيديو ليؤكّد ذلك. حيث ترتفع وتيرة خطاب رسمي وإعلامي تمييزي تجاه السوريين في لبنان الذين تتراكم حولهم معلومات مغلوطة. فيما هناك حوالى 30 ألف طفل لاجئ يعمل في مهن قاسية الأطفال اللاجئين الذين أقحموا في سوق العمل خصوصاً الزراعة. وبعد انتشار الفيديو ألقت القوى الأمنية، بإشارة من مدعي عام البقاع القاضي منيف بركات، القبض على الشاويش وأحالته إلى القضاء المختص.

1:23

Play Video
يرصد هذا التحقيق أبرز التعقيدات التي ترافق دفن اللاجئين السوريين في دول الجوار، بدايةً من تعثّر الحصول على قبر لاستقبال الرفات، مروراً باستحالة إعادة الرفات إلى سوريا، وليس نهايةً بظروف الدفن غير الطبيعية، في غياب أفراد من الأسرة أو بعيداً منهم، أو في مقابر “طوارئ” مشيّدة على وجه الأرض، أو في مقابر على سفوح الجبال أو ضمن أراضٍ طينية.

1:56

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني