fbpx

موقع العرب من الجينوسايد الأرمني

تبدو ترجمة ياسين الحاج صالح لأجزاء من كتاب "الجينوسايد، مقدمة شاملة" الذي كتبه آدم جونز، أقرب إلى أصداء تتردد لمفاهيم بعيدة. فخلال مقدمته لترجمة أجزاء من الكتاب، "الجينوسايد، مقدمة شاملة"، كتب الحاج صالح أنه لم يجد مرادفاً مناسباً لكلمة جينوسايد في اللغة العربية، ويرى أن لفظ "الإبادة الجماعية" يفتقر لكثير من الدقة. مضيفاً أنه بينما توجد مكتبة كاملة من المصادر الإنكليزية التي تتحدث عن هذا المفهوم، ما من مواد بذات القدر من الأهمية تتوافر باللغة العربية...

تبدو ترجمة ياسين الحاج صالح لأجزاء من كتاب “الجينوسايد، مقدمة شاملة” الذي كتبه آدم جونز، أقرب إلى أصداء تتردد لمفاهيم بعيدة. فخلال مقدمته لترجمة أجزاء من الكتاب، “الجينوسايد، مقدمة شاملة”، كتب الحاج صالح أنه لم يجد مرادفاً مناسباً لكلمة جينوسايد في اللغة العربية، ويرى أن لفظ “الإبادة الجماعية” يفتقر لكثير من الدقة. مضيفاً أنه بينما توجد مكتبة كاملة من المصادر الإنكليزية التي تتحدث عن هذا المفهوم، ما من مواد بذات القدر من الأهمية تتوافر باللغة العربية.
إن “الجذور التاريخية” للجينوسايد في الشرق الأوسط بالغة العمق، لكننا إن احتجنا إلى النظر والتفكير فيها، فنحن بحاجة إلى أن نرجع إلى مصادر ونصوص قديمة، كُتبت مُخاطبة جمهوراً مختلفاً، وأخذت في اعتبارها مخاوف أخرى. أسماء مثل طرابلس وأعزاز والمسكنة والرقة ودير الزور والمركدة ورأس العين، جميعها أسماء لمدنٍ سورية، وفي الوقت نفسه هي أسماء لمعسكرات اعتقال ومواقع لمقابر جماعية يرجع تاريخها إلى الحرب العالمية الأولى. سوريا، هي الأرض التي شهدت بعض أحلك فصول أولى حوادث الجينوسايد في التاريخ الحديث، إذ ضمت أول معسكرات الاعتقال في القرن العشرين وذلك عام 1915 (استخدم ضباط الجيش الألماني الذين يعملون في الإمبراطورية العثمانية مصطلح “كونزنتاتيون سلاغر”، والذي يعني “معسكر اعتقال”، لوصف تلك المعسكرات)، حيث وقعت أول مجزرة جماعية عام 1916، وها نحن بعد أكثر من قرن من الزمان، نحتاج للاستعانة بمصادر قديمة لدراسة المأزق الراهن.
كان رافائيل ليمكين هو من صاغ مصطلح الجينوسايد أو الإبادة الجماعية، وهو من وضع “اتفاقية الأمم المتحدة للإبادة الجماعية” أيضاً، وكان ليمكين مهتماً في بادئ الأمر بعمليات الجينوسايد (الإبادة الجماعية) التي وقعت في عام 1921 عندما كان طالباً جامعياً في مدينة لفوف، الواقعة في أوكرانيا حالياً، بعدما علم بالإبادة التي تعرض لها الأرمن والأشوريون (أو المسيحيون) في الإمبراطورية العثمانية. كان ليمكين ذاته يهودياً بولندي الجنسية، لذا كان من المحتم أن يتلاقى موضوع دراسته بحياته، خاصة أن معظم أفراد أسرته كان من المقدر أن يفنوا في معسكرات الاعتقال النازية في المستقبل. وفي حين كان ليمكين مهتمًا بدراسة الإبادة الجماعية أو الجينوسايد استنادًا لما وقع في بلدان معينة، يُطلق عليها الآن تركيا وسوريا والعراق والأردن ولبنان، تم إنكار تاريخ الجينوسايد (الإبادة الجماعية) الأولى وتكميمه ومن ثم نسيانه في الشرق الأوسط ذاته في نهاية المطاف. كيف تُقبل هذه اللامبالاة؟ وما عواقب هذا الإهمال؟
وفي حال أردنا دراسة هذا الإنكار واستندنا في دراستنا لما يجري في الشرق الأوسط، سنجد أن هناك أنواعاً مختلفة من هذا الإنكار. لا تنتهج جميع النظم السياسية نفس الاستراتيجية للإبادة الجماعية، أو على الأقل تختلف في طبيعتها. فعلى سبيل المثال، قامت جماعة الخمير الحمر بتوثيق عدد ضحاياها بصورة منهجية، وقاموا بتصوير الضحايا قبل تعذيبهم حتى الموت، واحداً تلو الآخر. كما يمكن الاطلاع على الصور المثيرة للغثيان للضحايا في متحف تول سلينغ للإبادة الجماعية اليوم في مدينة بنوم بنه، والمتحف كان في الأصل مدرسة قديمة كانت بمثابة سجن لتعذيب واغتيال “أعداء الثورة”. وقد كانت سياسة توثيق الضحايا وإجبارهم على الاعترافات الكاذبة قبل قتلهم، تقليداً لنهج ستالين والذي ظهر في محاكمات موسكو، حيث قامت الشرطة السرية سيئة السمعة بتوثيق ضحاياها بالتفصيل، وتعذيبهم للاعتراف بأنشطتهم المناهضة للثورة قبل إعدامهم. على العكس من جمعية الاتحاد والترقي العثمانية التي جعلت من إنكار الجريمة جزءاً أساسياً من عمليات القتل الجماعي ذاتها، حتى أن أوامر النفي والذبح كانت تُرسل في سرية تامة عبر برقيات مشفرة. وبحسب وسائل الدعاية العثمانية، لم تكن هناك أي مذابح جماعية، بل مجرد عمليات “ترحيل” بسيطة للسكان عن المناطق التي تشهد أنشطة عسكرية إلى داخل البلاد.
هناك كذلك فرق كبير بين الجينوسايد أو الإبادة الجماعية التي تمت خلال الحرب العالمية الأولى وبين المحرقة “الهولوكوست” التي تمت خلال الحرب العالمية الثانية، حين يتعلق الأمر بالإنكار. إذ أن مرتكبي المحرقة “الهولوكوست”، أي ألمانيا، يعترفون بالجريمة التي ارتكبوها في حق اليهود الأوروبيين، بينما يواصل مرتكبو الجينوسايد (الإبادة الجماعية) ضد الأرمن، أي تركيا، إنكارهم حتى اليوم. وجاء إنكار المحرقة “الهولوكوست” من قبل بعض الشخصيات الهامشية من خارج النظام الجامعي القائم. بينما ضمت العديد من الجامعات الكبرى أساتذة من منكري أحداث القرن العشرين المرتكبة بحق الأرمن على أيدي العثمانيين. ما أريد أن أقوله هو أنه لا يمكن اعتبار إنكار المحرقة “الهولوكوست” وإنكار الجينوسايد (الإبادة الجماعية) عام 1915، ظاهرتين متكافئتين. ففي واقع الأمر، بدأ إنكار الجينوسايد التي تعرض لها الأرمن في ثمانينيات القرن الماضي، ومن وجهة نظري الشخصية، تُعد هذه الخطوة تقدماً مقارنة بسبعة عقود سابقة من الصمت والإهمال. فمنذ منتصف عشرينيات القرن الماضي وحتى منتصف ثمانينياته، كان الصمت عن الجينوسايد التي وقعت عام 1915 سائداً حتى أنها نُسيت تقريباً، وإن أردنا دراسة الإنكار لعمليات الجينوسايد في حق الأرمن وعواقب ذلك، فهناك مواد شديدة الثراء يمكن للمؤرخين وعلماء الاجتماع دراستها. أما دراسة الإنكار للمحرقة، فتقودنا لدراسة بعض الشخصيات الهامشية فحسب.
المنطقة العربية هي الوحيدة من بين جميع مناطق العالم التي لها علاقة مباشرة بالجينوسايد (الإبادة الجماعية) العثمانية التي لا زالت لا تبالي إطلاقاً بعمق هذا الموضوع. وبينما تنكر الدولة التركية الجينوسايد في حق الأرمن، تطور وضع المفكرين الأتراك فيما يخص هذا الشأن خلال العقد الماضي، حين اكتشف تانيراكام (الباحث التركي الأول والرائد الذي درس الجينوسايد) تاريخ الأرمن لأول مرة. كان ذلك خلال إقامته في هامبورغ خلال تسعينيات القرن الماضي، ولأعوام طويلة، لم يكن هناك سواه في هذا المجال على الصعيد التركي. إلا أن هذا ليس الوضع القائم حالياً، فقد توصل مفكرون أتراك إلى حقيقة أن الجينوسايد (الإبادة الجماعية) عام 1915 لم تكن “مشكلة” الأرمن وحدهم، بل أدركوا أنها تمثل جزءاً من تاريخهم، وأن ذلك العقد المظلم لا زال يؤثر على ثقافتهم السياسية ويخيم على واقعهم.
الجامعات الغربية أولت بعض الاهتمام إلى الجينوسايد أو الإبادة الجماعية التي وقعت عام 1915، على الأقل في حدود الدراسات العثمانية بالإضافة إلى دراسات الجينوسايد والمحرقة، على الرغم من أنها لا تزال غائبة عن دراسات التاريخ العام. ولكن فيما يتعلق بالعالم العربي، فلم يلقَ الموضوع سوى اهتماماً هامشياً، إن وجد. وهذه الملاحظة تحديداً هي ما أشارك الحاج صالح فيها، وهي تحتاج لمزيد من الدراسة والتفسير.
جاءت الرواية العربية القومية مذهبية إلى حد كبير، ولا علاقة لها إطلاقاً بالتاريخ، إذ اعتبر القوميون العرب أنفسهم استمراراً لحضارة عربية أسطورية مفقودة، متصورين غياب علاقة تربطهم بالإمبراطورية العثمانية. فالتار العثماني القديم، الغني بالنجاحات والإخفاقات معاً، أصبح غير ذي صلة بهم، وحل محله سرد تحليلي للماضي الخيالي بدرجة كبيرة. وفي ظل هذا السرد، ظل الأتراك والأرمن بما في ذلك عمليات الجينوسايد (الإبادة الجماعية) عام 1915 خارج نطاق “التاريخ العربي”. أما في عصر ما بعد القومية، حيث تحول الرأي العام العربي إلى وعي طائفي، فقد ظل تاريخ الجينوسايد (الإبادة الجماعية) عام 1915 إما دعاية مناهضة لتركيا، أو مؤامرة أجنبية لزعزعة صورة تركيا المثالية.
في الواقع، لم يُعق إنكار الجينوسايد (الإبادة الجماعية) عام 1915 إلا قدرتنا على دراسة التاريخ، وعلى محاولة التعلم من تجاربه المعقدة. بالطبع يمكن أن ننكر التاريخ، وهو ما سيزيد من جهلنا فحسب.  ولم تتوصل الدراسات الجامعية سوى الآن للاستمرار التاريخي الذي يربط المذابح العثمانية بالأيديولوجية النازية وذلك بفضل الأعمال الرائدة لستيفان إهريج. وإذا قمنا بمقارنة كتاب آدم جونز في طبعته الأولى لعام 2006 والتي اقتبس منها الحاج صالح في ترجمته، سنجد فصلاً بعنوان “الجينوسايد الأرمينية” (الفصل الرابع). وفي طبعته الثانية الصادرة عام 2011، تم تعديل العنوان إلى “التدمير العثماني للأقليات المسيحية”. ندرك الآن أن الضحية الكبرى للعنف الجماعي في العصر العثماني كان الأرمن، ولكنهم لم يكونوا الضحية الوحيدة؛ فالأشوريين وكذلك اليونانيين الأناضوليين قد أُبيدوا بنفس الطريقة ورُحلوا في ذات الوقت. هذا التغيير يجب أن يتم الحديث عنه في أكثر من مجرد مقال، ولكن ما أود إيضاحه هنا هو أننا وبعد قرن من الزمان على مرور هذه الأحداث، ما زلنا لا نعرف كيف نستوعب العنف الجماعي للعقد العثماني الأخير: هل كان صراعاً بين الأمم أم كان صراعاً دينياً طائفياً؟ أو ماذا كان؟
فنتيجة لضغط الأيديولوجية البعثية، ليس لدينا أية دراسة حول الجينوسايد (الإبادة الجماعية) التي تعرض لها الأرمن والأشوريون عام 1915 ودور العرب فيها. إذ أن هناك إجماعاً في الشرق الأوسط على أن الجينوسايد (الإبادة الجماعية) التي وقعت عام 1915 تخص الأتراك والأرمن فحسب. ومع ذلك فهناك بعض الأدلة المتفرقة المتوفرة التي تدل على مشاركة العرب فيها بطرق مختلفة. كما ندرك أن بعض القبائل العربية فيما يُعرف بجنوب تركيا وشمال سوريا حالياً، وكذلك القبائل الكردية، شاركت في عمليات القتل. أما المشاركة الأكثر شيوعاً وفقاً لشهود العيان فتمثلت في اختطاف الأولاد والبنات والنساء من المُرحلّين على أيدي بعض رجال القبائل العربية، وبيع بعضهم بعد ذلك إلى أسرهم أو إلى المنظمات الأرمنية التي كانت تحاول إنقاذ الأرمن المختطفين من قبل القبائل العربية، وقد بقي الكثير من هؤلاء مع مختطفيهم وأكملوا حياتهم بصفتهم عرباً. ولقد أنقذ الكثير من المتطوعين العرب حياة العديد من الأشخاص، تماماً كما فعل متطوعون اتراك واكراد، إلا أن قصر التفاعل العربي على هذا الموقف يضعه في نطاق الأيديولوجيا لا التاريخ. وهو ما أعاقنا عن إجراء الدراسات وحال بيننا وبين الاستفادة من التاريخ المؤلم من أجل المستقبل.
نعلم أيضاً أن الكثير من جنود الجيش العثماني قد لعبوا فيما بعد دوراً رئيساً في تحديد مستقبل بعض الدول مثل تركيا والعراق وسوريا، إلا أننا لا نملك أي دراسة حول أثر عمليات الترحيل والنفي الجماعي والمذابح على تشكيل الدول الجديدة في سوريا والعراق (هناك دراسات مثيرة حول هذا الموضوع ظهرت في تركيا خلال السنوات الاخيرة الماضية)، على الرغم من أن الكثير من الأحداث اللاحقة تبين الاستمرارية والترابط بينهم. فماذا تعلم هؤلاء الجنود الذين شهدوا عمليات الجينوسايد (الإبادة الجماعية)، بل شاركوا فيها، من هذه التجربة؟ وكيف تحتفظ المؤسسات العسكرية، والتي أصبحت فيما بعد العمود الفقري لدول ما بعد الدولة العثمانية، بهذه الذكرى وتتصرف على أساسها؟ وما هي الروابط الأيديولوجية بين البعثية والكمالية؟ وما هي الروابط بينهما وبين نظام عبد الحميد الثاني؟ الجواب ببساطة أننا لم نبحث عن إجابات لتلك الأسئلة؛ لأنها لم تكن موجودة في “التاريخ”.
هل هناك علاقة بين ما حدث في قطاع دير الزور عام 1916 وبين العنف الذي نشهده اليوم؟ سيظن الكثير أن هذه الفرضية هي مبالغة واضحة. ومع ذلك، إجابتي على هذا السؤال هي أننا لا نعرف، فلم ندرس من قبل احتمالاً كهذا، ولكن قد يكون الإصرار على هذا السؤال جديراً بالاهتمام. فطوال قرن من الزمان كنا نعتقد أن (الإبادة الجماعية تحدث للآخرين)، أي بعيدة عنا، وهذا هو السبب وراء فشلنا في التعلم من دروسها، ومن تاريخ هؤلاء “الآخرين” إن لم يكن من تاريخنا نحن؛ والدرس هو أن الجينوسايد (الإبادة الجماعية) يعد انتحاراً جزئياً؛ وأن النظام السياسي المستقر لا يمكن أن يُبنى على القمع فقط؛ وأن أنظمة الجينوسايد تسقط حتماً في النهاية. فقد خسر هتلر الحرب، وانهار نظام ستالين بمجرد استبعاد الخوف، وانهارت عصابات الجينوسايد من “الهوتو” وخسرت الحرب. من المؤلم أن نرَ أننا لم نتعظ من دروس التاريخ المريرة حتى الآن.

*نشر هذا المقال باللغة الانكليزية في موقع الجمهورية للدراسات السورية

 

 

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
ميريام سويدان – صحافية لبنانية
انفجار بيروت الذي انقض على أفراحها الصغيرة وتلك الكبيرة أيضاً، لم يسلم منه أحد، لم يسلم منه شيء، حتى اللوحات الهانئة والتحف الفنية… فيما الدولة غائبة، تتصرّف وكأنّ لا شيء حدث، تشتري المزيد من الوقت على حساب خسائرنا، وحسب.
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني